"بوبية" كوميديا سوداء عن مفارقات الحياة بين الماضي والحاضر

المخرج ياسين بوعزيز يكسر صمت العقدين ويعيد الكوميديا الساخرة إلى الواجهة برؤية إنسانية عميقة ورموز بصرية مبتكرة.
الجمعة 2026/06/26
رحلة عبثية

عاشت الكوميديا الجزائرية عصرها الذهبي في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وأنتجت لها قامات فنية مازالت حتى الآن تصنع بهجة الجزائريين وأجواءهم الفكاهية من خلال أفلام عديدة، منها “كرنفال في دشرة” و”عايلة كي ناس” و”حسن طيرو” و”عطلة المفتش الطاهر”.

هذه الأفلام جمعت بين الكوميديا الاجتماعية، التي تنبع المتعة فيها من تصوير نقائص اجتماعية موجودة وشائعة، والكوميديا الصادمة أو كوميديا الإنسان المقهور التي تجمع بين المتعة والفائدة وتجمع أيضا بين الجد والهزل، وتوظف آليات السخرية والتغريب والفكاهة والانزياح والمفارقة، والكوميديا العائلية التي تتناول بشكل خاص، مفارقات الحیاة ضمن شریحة الأسرة. وهذه الأنماط الكوميدية التي شهدناها سابقا وبدت أفضل مما نشاهده اليوم، ركزت على ملامسة “الذات الجريحة” لدى الجمهور ومداعبتها، غير أن هذه الأعمال الكوميدية الاجتماعية، للأسف، لم تتكرر بالزخم والجودة نفسيهما.

وعلى الرغم مما تقدمه هذه الأفلام الكوميدية الجزائرية التي انتعشت في فترة الثمانينات من ترفيه وتسلية ومتعة، فإننا لا نستطيع إنكار النظرة الواعية والناقدة التي تلقيها على واقعنا اليومي، فسرّ جاذبية الأفلام الكوميدية في الجزائر يكمن في مساحة الضحك وكيف يمكن أن تصنع الابتسامة من خلال مناقشة قضايا مجتمعية مختلفة بطريقة ساخرة، مما أبقاها حاضرة في الذاكرة عبر أجيال عدة.

◄ من الأعمال التي لا تراهن على الإبهار البصري وحده، بل تنطلق من الإصغاء إلى الإنسان وفهم هشاشته

وغاب الفيلم الكوميدي عن الإنتاجات السينمائية الجزائرية في العقدين الأخيرين فيما عدا الفيلم الروائي الطويل “الساحة” عام 2011 للمخرج دحمان أوزيد، الذي اتسم بتلك المعالجة الكوميدية الموسيقية المبتكرة لأحداثه المتنوعة، والفيلم الروائي الطويل “مسخرة” عام 2008، من تأليف وإخراج إلياس سالم. وتدور أحداثه حول شاب يحاول إيجاد عريس لأخته التي تعاني من مرض النوم المفاجئ، لتتحول كذبة بسيطة أطلقها إلى زفاف أسطوري وهمي يعيشه أهل القرية بالكامل.

لكن اللافت للانتباه أن الاحتفاء الجماهيري والجوائز التي حققها هذه الأيام الفيلم الكوميدي الساخر “بوبية” للمخرج ياسين بوعزيز يؤكدان أن السينما الجزائرية بدأت تحصد ثمار هذا الاهتمام بنهوضها وعودتها إلى الجمهور.

لقد تمكن فيلم “بوبية”، الذي يعرض حاليا بحضور جماهيري في صالات السينما الجزائرية في كل من الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة، من التتويج بجائزة “الخلخال الذهبي” لأحسن فيلم روائي طويل في مهرجان سعيدة، إلى جانب حصوله على جوائز التحكيم والجمهور والصحافة في مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي. ويعكس هذا التتويج تقديرا للمعالجة الفنية والرؤية الإخراجية وقوة السيناريو، إضافة إلى تطور الأداء التمثيلي والإنتاجي.

لا يقدّم فيلم “بوبية” مجرد حكاية سينمائية تُشاهد، بل يطرح تجربة إنسانية تُعاش. إنه من تلك الأعمال التي لا تراهن على الإبهار البصري وحده، بل تنطلق من الإصغاء إلى الإنسان وفهم تفاصيله وهشاشته قبل بناء الصورة وصناعة المشهد.

في هذا الفيلم، تبدو السينما أقرب إلى فعل إنصات وتأمل منها إلى استعراض تقني، إذ يختار المخرج الاقتراب من شخصياته بصدق، ويمنحها مساحة لتتكلم بلغتها الخاصة، فتأتي الأحداث محمّلة بأسئلة الهوية والذاكرة والانتماء.

يحمل “بوبية” بعدا رمزيا واضحا من خلال لقاء جيلين مختلفين: جمال، الشاب الباحث عن ذاته القلقة وسط عالم سريع وإيقاع رقمي تفرضه وسائل التواصل، و”السي رشيد”، الكولونيل المتقاعد والمجاهد السابق المصاب بمرض الزهايمر الذي يحتفظ ببقايا ذاكرة مرتبطة بتاريخ الثورة.

يلتقي البطلان في منطقة جبلية معزولة لتبدأ رحلة عبثية تندمج فيها رغبات جمال بالنجاة، مع تمسك “سي رشيد” بذكرياته وثورته التي يعتقد أنها لم تنتهِ بعد. وبين فقدان الذاكرة والبحث عن المعنى، تتشكل رحلة درامية تتجاوز الحكاية المباشرة لتصبح تأملاً بسرد ساخر في العلاقة بين الماضي والحاضر. يستخدم المخرج “الدمية/البوبية” كرمز بصري ومعنوي يعكس حالات الجمود والقيود التي تفرضها الحياة.

ويحسب للفيلم قدرته على المزج بين الكوميديا السوداء والدراما الإنسانية، في بناء سينمائي يجعل الطريق والرحلة الليلية فضاءً لاكتشاف الذات ومواجهة الأسئلة المؤجلة. وهنا تتحول السينما من احتفاء بالنجاح الفردي إلى مساحة وفاء للناس الذين يمنحون الصورة صدقها الحقيقي.

“بوبية” في النهاية ليس فيلماً عن شخصيات تعيش أزمة فقط، بل عن مجتمع يبحث عن توازنه بين ذاكرة لا يريد أن يفقدها ومستقبل يحاول أن يفهمه. إنها سينما تؤمن بأن الصورة لا تكتمل إلا عندما تحمل معها أثرا إنسانيا يبقى بعد نهاية العرض.

سينما تُنصت للوجع الإنساني
سينما تُنصت للوجع الإنساني

9