أمّ الراي تعود إلى سيدي بلعباس

الشيخة الريميتي.. فنانة حملت صوت الهامش إلى العالم
الأربعاء 2026/08/19
امرأة لم يكن صوتها مجرد غناء

تستعيد مدينة سيدي بلعباس، من 31 أغسطس إلى 3 سبتمبر 2026، واحدة من أبرز صفحات ذاكرتها الموسيقية، مع احتضانها الطبعة الخامسة عشرة من المهرجان الوطني لأغنية الراي، التي تعود إلى موطنها التاريخي، حيث انبثقت ملامح هذا اللون الغنائي الذي تحول لاحقًا إلى ظاهرة موسيقية عالمية.

وتحمل هذه الدورة، بحسب وزيرة الثقافة والفنون الجزائرية مليكة بن دودة، بُعدًا يتجاوز تنظيم تظاهرة فنية، إذ تستحضر «روح الجذور» وتعيد المهرجان إلى «حضن بوابته التاريخية»، مع برنامج يحتفي بإرث الراي وذاكرته، ويعيد تسليط الضوء على سيدي بلعباس باعتبارها إحدى أبرز حواضن هذا الفن في الجزائر. وفي قلب هذا الاستحضار، تقف الشيخة الريميتي، ابنة سيدي بلعباس وإحدى أبرز أيقونات الراي التاريخية، التي اختارت وزارة الثقافة والفنون تكريمها في هذه الدورة تقديرًا لمسيرتها الفنية ولصوتها الذي حمل أصالة الراي إلى خارج الحدود الجزائرية.

إنها عودة رمزية للريميتي إلى المدينة التي خرجت منها حكايتها، بعد عشرين عامًا من رحيلها. عودة لا تتم عبر حضور جسدي، وإنما من خلال أغانيها وصورتها وإرثها، ومن خلال الاعتراف المتأخر بدورها في تاريخ فن صار اليوم جزءًا من الهوية الموسيقية الجزائرية العالمية.

من سيدي بلعباس إلى العالم

ولدت الشيخة الريميتي، واسمها عند الولادة سعدية باضياف، سنة 1923 في منطقة تسالة القريبة من سيدي بلعباس، وعاشت طفولة قاسية طبعتها ظروف الفقر واليُتم والعمل المبكر. وفي غليزان، وسط عالم المداحات والفرق الغنائية الشعبية، بدأت تكتشف موهبتها، قبل أن يشق صوتها طريقه في الغرب الجزائري خلال أربعينيات القرن الماضي.

المهرجان يستحضر روح الجذور ويعود إلى الحضن التاريخي للراي مع برنامج يحتفي بإرث هذا الفن وذاكرته

لم تأتِ الريميتي من مدرسة موسيقية أو من مؤسسة فنية؛ جاءت من الهامش، من الأعراس والفضاءات الشعبية ومن الثقافة الشفوية. ولذلك حمل صوتها منذ البداية شيئًا من قسوة الحياة التي عاشتها، قبل أن يتحول إلى واحد من أكثر الأصوات تميزًا في تاريخ الراي. أما اسمها الفني «الريميتي»، فتربطه الرواية المتداولة بعبارة فرنسية قالتها في إحدى السهرات وهي تطلب إعادة تقديم الشراب: Remettez-nous à boire ، ومن تلك العبارة ولدت تسمية رافقتها حتى أصبحت أشهر من الاسم الأصلي نفسه.

امرأة قالت ما كان ممنوعًا

كانت الريميتي مختلفة منذ البداية. فقد اقتحمت منطقة ظلت لسنوات طويلة محاطة بالصمت، وجعلت من الأغنية فضاءً للكلام عن الحب والرغبة والعلاقة بين الرجل والمرأة والجسد والفقر والحياة اليومية. ومع أغنيات مثل «هاك السرّة هاك السرّة»، دخلت الريميتي إلى عالم المرأة الحميمي، وتحدثت بلغة مباشرة عما كان يُقال بعيدًا عن أعين الرجال.

وهكذا أصبحت أغنيتها مواجهة غير معلنة للمحرمات الاجتماعية، وصوتًا لنساء لم يكن باستطاعتهن التعبير علنًا عن تجاربهن ومشاعرهن. لم تكن جرأتها مجرد استفزاز؛ كانت امتدادًا لتجربتها الشخصية ولعالم اجتماعي عاشته من الداخل. لذلك بدا الراي عندها أشبه بسيرة شفوية للناس البسطاء، بكل ما فيها من حب وفقر وألم ورغبة في البقاء.

لم يكن صوت الريميتي ناعمًا بالمفهوم التقليدي لصوت المغنية، بل كان خشنًا وجهوريًا، يحمل آثار الحياة القاسية التي مرت بها. غنت عن الحب والفرح، لكنها غنت أيضًا عن مآسي النساء والاستعمار والفقر، وحولت تجارب المهمشين إلى مادة غنائية لا تخفي جراحها. ولهذا يمكن القول إن الريميتي لم تكن تغني الراي فقط، بل كانت تمنحه وظيفة اجتماعية: أن يقول ما لا يستطيع الآخرون قوله.

شبهتها الصحافة الفرنسية بإديث بياف، بالنظر إلى تشابه بعض عناصر مسيرتيهما: اليتم، والفقر، والأمية، ثم الصعود من الهامش إلى النجومية. غير أن الريميتي ظلت ابنة بيئتها الجزائرية، تحمل في صوتها ذاكرة الغرب الجزائري، وثقافة المداحات، والراي البدوي، ولهجة الناس الذين غنت لهم. ومن هنا جاءت خصوصيتها؛ لم تكن مجرد مغنية شعبية، بل أصبحت واحدة من أهم الأصوات التي أعادت صياغة صورة المرأة في الأغنية الجزائرية.

من التهميش إلى العالمية

رغم شعبيتها، واجهت الريميتي تضييقًا رسميًا، ولم تحظَ أغانيها بالحضور الذي كانت تحظى به لدى الجمهور. ومع الهجرة إلى فرنسا أواخر سبعينيات القرن الماضي، دخلت مسيرتها مرحلة جديدة، فتحولت إلى صوت للجالية الجزائرية والمغاربية، قبل أن يتوسع جمهورها إلى خارج الدائرة المغاربية.

في باريس، وخصوصًا في الأحياء الشعبية التي احتضنت المهاجرين المغاربيين، أصبحت الريميتي جزءًا من ذاكرة المنفى. وفي الدائرة الثامنة عشرة، حيث عاشت سنوات طويلة، حملت إحدى الساحات اسمها، في تكريم يعكس حضورها في تاريخ الحي وتاريخ الهجرة المغاربية.

الأم الروحية لأجيال الراي

ومع صعود الراي الحديث في الثمانينيات والتسعينيات، بدا واضحًا أن الأجيال الجديدة لم تبدأ من الصفر. فقد كان للريميتي حضور مؤثر في المسار الذي قاد الراي من فضاءاته الشعبية إلى العالمية. كما أُعيد أداء عدد من أغانيها من طرف فنانين لاحقين، الأمر الذي أثار مسألة حقوقها الفنية والمادية. ومع ذلك، ظلت علاقتها بالأجيال الجديدة علاقة أمومة فنية، إذ دعمت عددًا من نجوم الراي الشباب، وقدمت لهم المشورة وشاركتهم الغناء.

المفارقة أن الفنانة التي جاءت من عمق الراي البدوي لم تتعامل مع التراث بوصفه شيئًا جامدًا. فقد انفتحت على الموسيقى الحديثة وتعاونت مع موسيقيين غربيين، من بينهم عازف الغيتار البريطاني روبرت فريب، واشتغلت على مزج الآلات والإيقاعات التقليدية بالموسيقى المعاصرة.

ومن أبرز محطات هذه المرحلة ألبوم «سيدي منصور» سنة 1994، إلى جانب «نوار» و«سلام مغرب» و«أنت قدامي وأنا موراك». وبذلك أثبتت أن أصالة الراي لا تعني الانغلاق على الماضي، بل القدرة على التجدد مع الاحتفاظ بالهوية.

حين يصبح الصوت ذاكرة

صورة

في 15 مايو 2006، رحلت الشيخة الريميتي في باريس، بعد مسيرة فنية امتدت أكثر من نصف قرن. وكانت حفلتها الأخيرة في قاعة الزينيت محطة رمزية، غنت خلالها إلى جانب عدد من نجوم الراي الذين ينتمون إلى الأجيال التي جاءت بعدها.

تركت خلفها رصيدًا ضخمًا من الأغاني، تحول جزء كبير منه إلى ذاكرة اجتماعية للجزائريين: ذاكرة الفقر والحب والهجرة والفرح والألم والتمرد. واليوم، حين تكرمها سيدي بلعباس في مهرجان الراي، فإنها لا تحتفي بمغنية راحلة فحسب، بل تستعيد واحدة من الشخصيات التي صنعت تاريخ هذا الفن.

فالريميتي كانت المرأة التي دخلت إلى فضاء غنائي هيمن عليه الرجال، ورفعت صوتها في وجه المحرمات، وحولت حياتها القاسية إلى مادة فنية، قبل أن تحمل الراي من هامش المجتمع إلى مسارح العالم. وبين سيدي بلعباس وباريس، وبين المداحات والزينيت، وبين الحناء والميكروفون، تمتد حكاية امرأة لم يكن صوتها مجرد غناء، بل شهادة على زمن كامل.

إنها الشيخة الريميتي، أمّ الراي، وصوت الوجع والحب والتمرد، التي يعود اسمها اليوم إلى موطنها الأول، لتستعيد مكانها في الذاكرة التي صنعتها.

4