الجزائر تراهن على الفكر.. مهرجان دولي جديد لتعزيز الدبلوماسية الثقافية
أقرت وزارة الثقافة والفنون في الجزائر تأسيس "المهرجان الثقافي الدولي الإفريقي – المتوسطي للفكر"، ليصبح موعدًا ثقافيًا دوليًا جديدًا ضمن التظاهرات الثقافية الوطنية الدائمة، في خطوة تعكس توجهًا استراتيجيًا نحو ترسيخ الثقافة بوصفها أداة للحوار الحضاري وإنتاج المعرفة وتعزيز الحضور الجزائري في فضائها الإفريقي والمتوسطي.
ويأتي تأسيس هذا المهرجان تتويجًا للمسار الذي انطلق مع "اللقاءات الإفريقية – المتوسطية للفكر"، التي نظمت نسختها الأولى تحت شعار "أوغسطين... تجلٍّ جزائري إفريقي ومتوسطي"، حيث شكلت تلك التظاهرة مختبرًا فكريًا تبلورت داخله فكرة إنشاء مهرجان دولي دائم يجمع الباحثين والمفكرين والأكاديميين من مختلف دول إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
وأكدت وزارة الثقافة والفنون، في بيان لها، أن القرار الصادر في العدد 53 من الجريدة الرسمية يكرس رؤية ثقافية تجعل من الفكر أحد أهم روافد الحضور الحضاري للجزائر، ومن الثقافة فضاءً لإنتاج المعنى وإحياء المشترك الإنساني بين الشعوب، مشيرة إلى أن اللقاءات السابقة كشفت عن الحاجة إلى إطار مؤسسي يضمن استمرارية هذا المسار الفكري ويمنحه بعدًا دوليًا منتظمًا.
مهرجان متنقل يقترب من المجتمع
ينطلق المهرجان من تصور يعتبر أن المجال الإفريقي – المتوسطي ليس مجرد امتداد جغرافي، بل فضاءً حضاريًا تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل الثقافي والفكري والإنساني. فمنذ العصور القديمة لعبت الجزائر وشمال إفريقيا دور الجسر الرابط بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط وعمق القارة الإفريقية، عبر طرق التجارة العابرة للصحراء، وحركة العلماء والرحالة، وانتقال الأفكار والمعارف بين الجامعات والزوايا والمراكز العلمية.
وقد أسهمت القوافل التجارية التي ربطت مدن الساحل المتوسطي بممالك إفريقيا جنوب الصحراء، مثل غانا ومالي، في نقل الذهب والملح والمنتجات الزراعية، لكنها في الوقت نفسه حملت اللغات والثقافات والمعتقدات، وأسهمت في بناء فضاء حضاري مشترك ما تزال آثاره حاضرة في الموسيقى والعمارة والعادات الاجتماعية والذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة.
كما لعبت الحواضر العلمية الإسلامية، من القيروان إلى تمبكتو، دورًا محوريًا في صناعة هذا المشترك الحضاري، عبر تبادل العلماء والمخطوطات وإنتاج المعرفة، وهو الإرث الذي يسعى المهرجان الجديد إلى استعادته بروح معاصرة.
ومن أبرز خصوصيات التظاهرة اعتمادها صيغة التنقل بين ولايات الوطن، حيث ستحتضن كل دورة محافظة جزائرية مختلفة، في خطوة تهدف إلى تعميم الفعل الثقافي وعدم حصره في العاصمة، وتحويل الفكر إلى ممارسة مجتمعية تتفاعل مع الخصوصيات الثقافية لكل منطقة.
وترى وزارة الثقافة والفنون أن هذه الصيغة ستمنح المهرجان بعدًا وطنيًا واسعًا، يسمح بانخراط الجامعات والمراكز البحثية والمجتمع المدني في النقاشات الفكرية، ويجعل من مختلف المدن الجزائرية فضاءات مفتوحة للحوار والإبداع.
الدبلوماسية الثقافية في مواجهة التحديات المعاصرة
لا يقتصر المشروع على تنظيم لقاءات أكاديمية، بل يتجه نحو بناء منصة للحوار حول القضايا الكبرى التي تواجه الفضاء الإفريقي والمتوسطي، وفي مقدمتها الهجرة، والتغيرات المناخية، والتحولات الجيوسياسية، والتنمية المستدامة، والتعاون الثقافي، بما يجعل من الثقافة إحدى أدوات الدبلوماسية الناعمة.
وفي هذا السياق، يؤكد تأسيس المهرجان رغبة الجزائر في توظيف رصيدها التاريخي وعلاقاتها الإفريقية والمتوسطية لتكون فضاءً للنقاش الحر وإنتاج الأفكار القادرة على الإسهام في معالجة القضايا المشتركة، بعيدًا عن المقاربات السياسية الضيقة.
ويكتسب هذا المشروع بعدًا استراتيجيًا بالنظر إلى التحولات التي تعرفها القارة الإفريقية، التي تعد ثاني أكبر قارات العالم مساحة وسكانًا، بما يزيد على مليار نسمة، وتختزن موارد طبيعية هائلة من النفط والغاز والمعادن النادرة والذهب والنحاس واليورانيوم، فضلًا عن إمكاناتها البشرية الكبيرة.
ورغم هذا الثراء، لا تزال القارة تواجه تحديات تتعلق بالتنمية والبطالة والفقر وضعف الاستثمار، ما يجعل الحوار الفكري والثقافي عاملًا مكملًا للمسارات الاقتصادية والسياسية، من خلال بلورة رؤى جديدة للتعاون الإقليمي، وتعزيز اقتصاد المعرفة، وتشجيع الابتكار والتكامل بين الدول الإفريقية والمتوسطية.
ويؤكد تأسيس "المهرجان الثقافي الدولي الإفريقي – المتوسطي للفكر" توجهًا جزائريًا نحو الاستثمار في القوة الناعمة، عبر إطلاق تظاهرات ذات أثر معرفي مستدام، تسهم في ترسيخ صورة الجزائر باعتبارها جسرًا بين إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، وملتقى للحوار بين الثقافات، ومنصة لتبادل الخبرات والرؤى حول مستقبل المنطقة.
وبهذا القرار، لا تضيف الجزائر موعدًا جديدًا إلى رزنامتها الثقافية فحسب، بل تؤسس لمشروع فكري طويل الأمد يطمح إلى إعادة إحياء المشترك الحضاري الإفريقي – المتوسطي، وتحويله إلى قوة اقتراح وإبداع، تعزز مكانة الثقافة في مواجهة تحديات العالم المعاصر، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون بين شعوب الضفتين في إطار من الاحترام المتبادل والتنوع الثقافي.