إيلين مختفي.. أميركية جعلت من الجزائر وطنًا للثورة والذاكرة
رحلت المناضلة الأميركية المناهضة للاستعمار إيلين مختفي (1928-2026) عن عمر ناهز 98 عامًا، بعد مسيرة استثنائية ارتبطت على مدى عقود بالقضية الجزائرية وبحركات التحرر في العالم. لم تكن حياتها مجرد سيرة مناضلة أميركية انحازت إلى قضية استقلال الجزائر، بل رحلة طويلة بحثًا عن معنى العدالة والحرية والانتماء.
نشأت في نيويورك، وعاشت منذ طفولتها تجربة التمييز، قبل أن تقودها قناعاتها السياسية والإنسانية إلى باريس، ثم إلى قلب الثورة الجزائرية، لتستقر بعد الاستقلال في الجزائر العاصمة، حيث وجدت نفسها في مركز عالم ثوري كان يتشكل من جديد.
الاستعمار والعنصرية
ولدت إيلين كلاين في نيويورك سنة 1928، في عائلة يهودية علمانية من الطبقة العاملة. تركت تجربة معاداة السامية التي عاشتها في طفولتها أثرًا عميقًا في وعيها، كما أسهم موقف والدتها المناهض للعنصرية في تكوين شخصيتها. وفي السادسة عشرة من عمرها التحقت بكلية ويسليان في جورجيا، لكنها اصطدمت بواقع الفصل العنصري وتمردت عليه، فغادرت المؤسسة بعد عام واحد.
عادت إلى نيويورك، ودرست اللغات، وانخرطت في النشاطات المناهضة للحرب والعنصرية. وفي سنة 1951، وهي في الثالثة والعشرين، توجهت إلى باريس، التي لم تكن بالنسبة إليها مجرد محطة أوروبية، بل بوابة إلى عالم سياسي وفكري جديد. وهناك ستكتشف التناقض بين خطاب الحرية والمساواة من جهة، والممارسات الاستعمارية من جهة أخرى.
كان عام 1952 نقطة تحول حاسمة في حياتها. خلال مشاركتها في مظاهرة عيد العمال في باريس، شاهدت العمال الجزائريين وهم يحاولون الانضمام إلى المسيرة، ولاحظت مظاهر التمييز التي تعرضوا لها. ربطت بين ما رأته في فرنسا وما عرفته من التمييز ضد الأميركيين الأفارقة في الولايات المتحدة، فتحولت القضية الجزائرية في وعيها إلى جزء من قضية أوسع تتصل بالاستعمار والعنصرية والاضطهاد.
رحلت إيلين مختفي بعد حياة امتدت قرابة قرن، تاركة وراءها سيرة يصعب فصلها عن تاريخ النضالات المناهضة للاستعمار والعنصرية
ومن خلال عملها مترجمة واحتكاكها بالأوساط الدولية المناهضة للاستعمار، اتسعت دائرة علاقاتها بالحركات التحررية. وفي مؤتمر الشعوب الأفريقية بأكرا سنة 1958، التقت فرانز فانون ومحمد سحنون، وكان اللقاء نقطة انتقال من التعاطف إلى الالتزام المباشر بالقضية الجزائرية. انضمت إلى سحنون في نيويورك، وعملت في مكتب الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وجبهة التحرير الوطني، وساهمت في التعريف بالقضية الجزائرية على المستوى الدولي.
تأثير فانون
ولم يكن فانون بالنسبة إلى مختفي مجرد شخصية سياسية التقتها في سياق الثورة، بل كان أحد الأشخاص الذين تركوا أثرًا عميقًا في رؤيتها للعالم. واصلت الاتصال به عندما كان يعالج من مرضه في الولايات المتحدة، وساعدت عائلته واهتمت بابنه أوليفييه. لذلك أصبحت علاقتها بفانون جزءًا من ذاكرتها الشخصية والسياسية، وهي العلاقة التي ستعود إليها لاحقًا في كتابها، لا باعتبارها مادة تاريخية مجردة، وإنما باعتبارها تجربة إنسانية عاشتها عن قرب.
بعد استقلال الجزائر سنة 1962، اختارت إيلين مختفي أن تأتي إلى البلد الذي ناضلت من أجل استقلاله. أقامت في الجزائر العاصمة اثنتي عشرة سنة، وعملت صحفية ومترجمة في وكالة الأنباء الجزائرية، كما شاركت في الحياة الثقافية والسياسية للجمهورية الجديدة. وكان موقعها يسمح لها بمراقبة مرحلة تأسيس الدولة الجزائرية من الداخل، والتفاعل مع الشخصيات الوطنية والثورية التي صنعت تاريخها الحديث.
في الجزائر لم تعد القضية بالنسبة إليها قضية خارجية، بل أصبحت جزءًا من حياتها اليومية. التقت خلال تلك المرحلة شخصيات عالمية بارزة، كما شاركت في تنظيم المهرجان الثقافي الإفريقي الأول في الجزائر سنة 1969، وهو حدث جسّد صورة الجزائر باعتبارها فضاءً للثورات والتحرر والتضامن بين شعوب العالم الثالث.
وكان من أبرز وجوه تلك المرحلة حضور حركة الفهود السود الأميركية في الجزائر، خصوصًا بعد وصول إلدريدج كليفر إلى العاصمة. ساعدت مختفي في ترتيب وجود الحركة وإقامة مكتبها الدولي، لتصبح الجزائر نقطة اتصال بين النضال الأسود في الولايات المتحدة والحركات المناهضة للاستعمار في إفريقيا وآسيا والعالم العربي.
هنا تتضح أهمية تجربتها؛ فقد عاشت في الجزائر لحظة تاريخية تحولت فيها العاصمة إلى ما وصفته في كتابها بـ«عاصمة العالم الثالث». لم تكن الجزائر بالنسبة إليها مجرد عاصمة لدولة حديثة الاستقلال، وإنما مختبرًا سياسيًا وثقافيًا لفكرة الأممية الثورية، ومكانًا اجتمعت فيه حركات التحرر الإفريقية والفلسطينية والآسيوية والأمريكية اللاتينية وحركة الفهود السود.
وفي الجزائر أيضًا التقت مختار مختفي، المناضل والكاتب والعضو السابق في جيش التحرير الوطني، وتزوجته سنة 1972. وظل رفيق حياتها حتى وفاته سنة 2015.
الكتابة.. استعادة زمن الثورة
إذا كانت حياة إيلين مختفي قد منحتها موقع الشاهدة، فإن الكتابة منحتها إمكانية العودة إلى تلك المرحلة وإعادة تركيبها من منظور شخصي. ففي الجزائر عملت صحفية، واهتمت خصوصًا بأخبار العالم الثالث. وبعد مغادرتها البلاد شاركت مع زوجها في تأليف كتب تاريخية موجهة إلى القراء الصغار، قبل أن تعود في سن متقدمة إلى كتابة مذكراتها الكبرى.
صدر كتابها بالإنجليزية سنة 2018 بعنوان «الجزائر، عاصمة العالم الثالث: مقاتلو الحرية، الثوار، الفهود السود» عن دار فيرسو، ثم ظهر بالفرنسية سنة 2019 بعنوان «الجزائر، عاصمة الثورة: من فانون إلى الفهود السود» عن دار لا فابريك، وتولت مختفي بنفسها ترجمة الكتاب إلى الفرنسية.
إيلين مختفي بعد حياة امتدت قرابة قرن، تركت وراءها سيرة يصعب فصلها عن تاريخ النضالات المناهضة للاستعمار والعنصرية
ولا تكمن أهمية الكتاب في كونه مذكرات شخصية فحسب، بل في جمعه بين السيرة الذاتية والتاريخ السياسي وشهادة العيان. فهي لا تكتب عن الثورة الجزائرية من مسافة الباحث الذي يعود إلى الوثائق، وإنما من موقع المرأة التي كانت داخل الحدث، والتقت شخصياته وعاشت تفاصيله اليومية.
يعود الكتاب إلى مرحلة تمتد من خمسينيات القرن العشرين إلى السبعينيات، ويستحضر شخصيات مثل فانون، وأحمد بن بلة، وهواري بومدين، وفيدل كاسترو، وهو تشي منه، وإلدريدج كليفر وقادة الفهود السود. ومن خلال هذه الشخصيات ترسم مختفي صورة عالم كان يتشكل على وقع انهيار الاستعمار وصعود حركات التحرر.
لكن القيمة الأدبية للكتاب تتجاوز المعلومات السياسية. فالجزائر العاصمة تظهر فيه بوصفها شخصية قائمة بذاتها. تصف مختفي المدينة وأحياءها وأماكنها وعاداتها وموسيقاها ومطاعمها وأجواءها، فتتحول الذاكرة السياسية إلى ذاكرة حسية. ولهذا يبدو الكتاب في بعض مقاطعه أقرب إلى رواية عن مدينة كانت تعيش لحظة تاريخية استثنائية، منه إلى مجرد وثيقة سياسية.
كما تكشف مختفي عن الجانب الإنساني للشخصيات التي ارتبطت بها. فهي لا تقدم فانون أو كليفر باعتبارهما أيقونتين ثوريتين بلا عيوب، بل تحاول استعادة تناقضاتهما ومخاوفهما وعلاقاتهما وصراعاتهما الداخلية. وفي هذا تحديدًا تكمن قيمة شهادتها: إنها تنزع عن التاريخ الرسمي بعض هدوئه المصطنع، وتعيد إليه هشاشة البشر الذين صنعوه.
يحمل الكتاب في عنوانه الفرعي المسافة الرمزية التي تصل بين فرانز فانون وحركة الفهود السود. وهذه المسافة هي في الحقيقة جوهر تجربة مختفي الفكرية. ففانون لم يكن بالنسبة إليها مجرد مفكر للثورة الجزائرية، بل كان جسرًا بين تجربة الاستعمار في إفريقيا وتجربة السود في الولايات المتحدة. كما أن أفكاره حول الاستعمار والعنف والاغتراب والطبقات المهمشة وجدت صدى لدى قادة الفهود السود.
وفي الجزائر أصبحت هذه الصلات واقعًا سياسيًا، فقد احتضنت العاصمة القسم الدولي لحركة الفهود السود، وكان وصول إلدريدج كليفر سنة 1969 لحظة مفصلية.
ربما تكمن قوة سيرة إيلين مختفي في أنها لم تنظر إلى الجزائر باعتبارها مرحلة عابرة في حياتها. حتى بعد مغادرتها البلاد، ظلت الجزائر جزءًا من هويتها وذاكرتها. لقد عاشت زمنًا كانت فيه العاصمة تستقبل الثوار والمناضلين من مختلف أنحاء العالم، وكانت ملتقى لحركات التحرر العالمية، كما عاشت انحسار ذلك الحلم، وتراجع المشروع الأممي، وانقسام الفهود السود، وانتهت تجربتها الشخصية بالخروج من البلاد.
ومع ذلك، لم تتحول الجزائر في ذاكرتها إلى بلد للخيبة، بل ظلت فضاءً للحلم. ولهذا يبدو كتابها شهادة مزدوجة: شهادة على الثورة، وشهادة على الإنسان الذي آمن بها. فهي تكتب عن انتصاراتها وإخفاقاتها، وعن أبطالها وتناقضاتهم، وعن الحلم الذي جمع أشخاصًا من نيويورك وباريس والجزائر وأكرا وهافانا وهانوي.
رحلت إيلين مختفي بعد حياة امتدت قرابة قرن، تاركة وراءها سيرة يصعب فصلها عن تاريخ النضالات المناهضة للاستعمار والعنصرية. كانت صحفية ومترجمة وكاتبة وناشطة، لكنها قبل ذلك كله كانت شاهدة اختارت أن تكون داخل التاريخ لا خارجه.
ومن خلال كتابها «الجزائر، عاصمة العالم الثالث»، لم تكتف باستعادة ماضيها الشخصي، بل أعادت فتح نافذة على لحظة نادرة في القرن العشرين، حين بدت الجزائر، بالنسبة إلى كثير من المناضلين، عاصمة محتملة لعالم جديد. وجعلت من تجربتها الفردية مدخلًا لفهم الأممية الثورية وصلاتها بحركات التحرر الإفريقية وحركة الفهود السود وأفكار فانون.
وهكذا تظل إيلين مختفي واحدة من الشخصيات التي تكشف أن التاريخ لا يصنعه أصحاب الأسماء الكبيرة وحدهم. ففي الظل هناك دائمًا مترجمون وصحفيون ونساء وناشطون ورفاق درب يحملون الرسائل، ويفتحون الأبواب، وينقلون الأفكار بين القارات. كانت مختفي واحدة من هؤلاء.
ولذلك فإن إرثها لا يختزل في كونها «الأميركية التي أحبت الجزائر»، ولا في زواجها من مختار مختفي، ولا في صداقتها مع فانون، وإنما في قدرتها على تحويل تجربة شخصية إلى وثيقة عن زمن كامل. لقد عاشت الثورة باعتبارها قضية إنسانية تتجاوز الحدود، ثم كتبتها باعتبارها ذاكرة لا تخصها وحدها.
في النهاية، تبدو حياة إيلين مختفي أشبه بكتاب مفتوح على القرن العشرين: يبدأ من نيويورك، ويمر بباريس وأكرا، ليستقر طويلًا في الجزائر العاصمة، ثم يعود إلى باريس ونيويورك، بينما تظل الجزائر، في كل هذه الرحلة، المركز الخفي للسيرة. لم تكن الجزائر بالنسبة إليها مجرد مكان عاشَت فيه، بل أصبحت جزءًا من ذاتها ومن الذاكرة التي اختارت أن تحملها وتكتبها حتى النهاية.