الجزائر تطلق المهرجان الأفريقي الأول للمسرح الجامعي بمشاركة 16 بلدا
افتتحت الجزائر صفحة جديدة في مسار التعاون الثقافي الأفريقي بإطلاق الطبعة الأولى من “مهرجان الجزائر الأفريقي للمسرح الجامعي”، الذي يحتضنه المسرح الوطني الجزائري “محي الدين بشطارزي” من 13 إلى 20 يوليو الجاري، بمشاركة وفود جامعية ومسرحية من ستة عشر بلدا أفريقيا، في تظاهرة لا تكتفي بتقديم العروض المسرحية، بل تجعل من الجامعة فضاء لإنتاج المعرفة، ومن المسرح جسرا للحوار الثقافي بين شعوب القارة.
ويقام المهرجان، الذي تنظمه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالتنسيق مع وزارة الثقافة والفنون، تحت شعار “أفريقيا تلتقي على خشبة المسرح الجامعي”، بحضور أكاديميين وباحثين وفنانين وطلبة، في تأكيد على أن المسرح الجامعي لم يعد نشاطا موازيا داخل المؤسسات الجامعية، بل أصبح رافعة للتبادل الثقافي وبناء الوعي المشترك.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري أن هذا المهرجان “ليس حدثا فنيا عابرا”، وإنما يمثل امتدادا لإرث نضالي وثقافي جسده مبدعون ومناضلون جعلوا من المسرح أداة للتعبير عن قضايا التحرر والهوية. واستحضر في هذا السياق وصف المناضل الأفريقي أميلكار كابرال للجزائر بأنها “مكة الثوار”، في إشارة إلى الدور التاريخي الذي اضطلعت به الجزائر في دعم حركات التحرر الأفريقية.
ورأى بداري أن الشباب الجامعي الأفريقي هو “القلب النابض للقارة”، معتبرا الطلبة المشاركين الامتداد الطبيعي لجيل الرواد الذين أسهموا في رسم ملامح أفريقيا الحديثة، ومؤكدا أن الجامعة المنتجة للمعرفة والبحث العلمي تشكل إحدى أدوات مواجهة التخلف وبناء مستقبل أكثر ازدهارا للقارة.
وتجمع المنافسة الرسمية للمهرجان اثني عشر عرضا مسرحيا تمثل جامعات ومؤسسات أكاديمية من ستة عشر بلدا أفريقيا، إلى جانب عروض خارج المنافسة بولاية بومرداس، فضلا عن عروض لمسرح الشارع.
وأوضح محافظ المهرجان عزالدين ربيقة أن هذه الطبعة التأسيسية تتيح فرصة استثنائية لتبادل الخبرات وتلاقح التجارب المسرحية الأفريقية، بما يعزز الحوار بين الثقافات المختلفة داخل القارة.
ولم يقتصر البرنامج على العروض المسرحية، بل تضمن أيضا مسابقة جامعية أفريقية لأفضل نص مسرحي، في خطوة تشجع الكتابة المسرحية لدى الطلبة، وتفتح المجال أمام أصوات جديدة للتعبير عن قضايا المجتمعات الأفريقية.
تظاهرة مسرحية تجعل من الجامعة فضاء لإنتاج المعرفة، ومن المسرح جسرا للحوار الثقافي بين شعوب القارة
واختتم حفل الافتتاح بتكريم أعضاء لجنتي انتقاء العروض والتحكيم، قبل تقديم العرض المسرحي “ألوان أفريقيا” لطلبة جامعة سيدي بلعباس، الذي قدم لوحة بصرية وحركية استلهمت ثراء التراث الثقافي والجمالي للقارة، معتمدة على لغة الجسد والرموز البصرية أكثر من الحوار المباشر.
ويكتسب المهرجان خصوصيته من اقترانه بملتقى دولي تنظمه جامعة “الجزائر 2” تحت عنوان “الممارسة المسرحية في أفريقيا: تجارب الركح (الخشبة) وآفاق التأطير الأكاديمي”، والذي يشكل أحد أهم محاور التظاهرة، إذ يطرح أسئلة تتعلق بإنتاج المعرفة المسرحية الأفريقية من داخل القارة، بعيدا عن هيمنة النماذج النقدية المستوردة.
ويرى الناقد الدكتور مراد ترغيني أن المسرح الأفريقي راكم عبر عقود تجارب فنية غنية استمدت عناصرها من الطقوس والذاكرة الجماعية والمقاومة والهوية، غير أن قراءته ظلت في الكثير من الأحيان خاضعة لمفاهيم نقدية أوروبية لا تستوعب خصوصياته الجمالية والثقافية.
ومن هذا المنطلق يسعى الملتقى إلى مناقشة إشكالات التأصيل النظري للمسرح الأفريقي، وواقع تدريسه في الجامعات، وآليات توثيق تجاربه، وتطوير مناهج نقدية تنطلق من البيئة الثقافية الأفريقية نفسها، وهو ما يسمح ببناء خطاب أكاديمي مستقل يعبر عن خصوصية التجربة المسرحية في القارة.
كما يهدف اللقاء العلمي إلى تعزيز التواصل بين الباحثين والممارسين، وربط الدراسات المسرحية بمجالات الأنثروبولوجيا والسياسة والتنمية، مع منح الطلبة مساحة للمشاركة في بناء وعي مسرحي أفريقي جديد.
وبالتوازي مع فعاليات المهرجان، أصدر ديوان المطبوعات الجامعية كتاب “الممارسة المسرحية في أفريقيا: تجارب الركح (الخشبة) وآفاق التأطير الأكاديمي” بإشراف الدكتور أحسن ثليلاني، متضمنا أعمال الملتقى الدولي، ليشكل مرجعا جديدا في الدراسات المسرحية الأفريقية.
ويضم الكتاب عشرات الدراسات التي تعالج قضايا الهوية والذاكرة والمناهج النقدية والتراث والفرجة المسرحية، إلى جانب بحوث حول المسرح الجامعي في عدد من الدول الأفريقية، وتوظيف التراث والأسطورة، وأرشفة المسرح الأفريقي، والمسرح والزنوجة، وقضايا التلقي الأكاديمي.
وفي تقديمه للإصدار أكد مدير جامعة “الجزائر 2″، الدكتور السعيد رحماني، أن هذا العمل يجمع بين الإبداع الفني والبحث الأكاديمي، ويعكس رؤية الجزائر لأفريقيا باعتبارها فضاء إنسانيا وثقافيا مشتركا، مشيرا إلى أن الجامعة أصبحت اليوم فاعلا أساسيا في إنتاج المعرفة وصناعة المستقبل، وليس مجرد مؤسسة لتلقين المعارف.
ولا تبدو أهمية هذه الطبعة الأولى في عدد الدول المشاركة أو تنوع عروضها فحسب، وإنما في المشروع الثقافي الذي تؤسس له، حيث تلتقي الدبلوماسية الثقافية بالبحث العلمي، ويصبح المسرح الجامعي وسيلة لتعزيز الحوار الأفريقي، وتبادل الخبرات، وبناء شبكات تعاون بين الجامعات والمؤسسات الثقافية.
وبذلك يعلن مهرجان الجزائر الأفريقي للمسرح الجامعي عن ميلاد فضاء جديد يطمح إلى جعل المسرح منصة للإبداع والمعرفة، وإعادة اكتشاف الهوية الثقافية الأفريقية من خلال رؤية أكاديمية وفنية مشتركة، تؤكد أن مستقبل القارة لا يصنع بالاقتصاد والسياسة وحدهما، وإنما أيضا بالثقافة والفنون والجامعة.