السينما الجزائرية والعشرية السوداء.. حين تحوّلت الذاكرة إلى صورة تقاوم النسيان
لم تكن العشرية السوداء في الجزائر مجرد مرحلة سياسية وأمنية عابرة، بل كانت زلزالًا وجوديًا أصاب المجتمع في عمقه، وأعاد تشكيل علاقته بالخوف والموت والهوية. عشر سنوات من الدم والإرهاب تركت جروحًا لم تندمل، وجعلت الثقافة والفنون، وفي مقدمتها السينما، أمام اختبار صعب: كيف يمكن للصورة أن تواجه الرعب؟ وكيف يستطيع الفيلم أن يحوّل الألم الفردي والجماعي إلى ذاكرة بصرية تحفظ الحقيقة وتمنح الضحايا صوتًا لا يضيع؟
لقد أصابت سنوات الإرهاب الحياة الثقافية الجزائرية بالشلل، فهاجر عدد من السينمائيين، والتزم آخرون الصمت، بينما توقفت عجلة الإنتاج السينمائي لفترة طويلة. غير أن انتهاء دوامة العنف فتح الباب أمام جيل من الأفلام التي لم تتعامل مع العشرية السوداء باعتبارها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل باعتبارها سؤالًا مفتوحًا عن الإنسان والحرية والذاكرة.
أفلام تواجه الإرهاب
لم تنشغل هذه الأفلام بإعادة تمثيل المجازر فقط، بل سعت إلى تفكيك الأسباب التي جعلت مجتمعًا كاملًا ينزلق إلى هاوية العنف، مقدمة رؤية إنسانية تتجاوز الانقسام السياسي، لتسائل مصير الأفراد الذين وجدوا أنفسهم بين نار الإرهاب والخوف اليومي.
يُعد فيلم «العالم الآخر» (2001) لمرزاق علواش من أبرز الأعمال التي واجهت الإرهاب من خلال رحلة شخصية تتحول تدريجيًا إلى رحلة في أعماق الجزائر الجريحة. تبدأ ياسمينة بحثها عن خطيبها المفقود، لكنها تجد نفسها أمام أسئلة أكثر تعقيدًا من مجرد الغياب: من يقود هذه الحرب؟ ومن يدفع ثمنها؟ لا يمنح علواش إجابات جاهزة، بل يجعل من السينما مساحة للتفكير، تاركًا النهاية تحمل بصيص أمل وسط الخراب، وكأن اللقاء الإنساني هو الانتصار الوحيد الممكن في زمن العنف.
وفي الاتجاه نفسه، يختار مهدي شريف في فيلم «بنت كلثوم» لغة الرحلة والبحث عن الأم، لتصبح الصحراء الجزائرية فضاءً يعكس اليتم الجماعي الذي خلفته سنوات الدم، بينما يطرح كمال رهان في «المشبوهون» سؤالًا آخر لا يقل قسوة: ماذا فعلت الثورة بأبنائها؟ وكيف تحولت الحقيقة إلى عبء يدفع أصحابها حياتهم ثمنًا لها؟ هنا تتقاطع ذاكرة التحرير مع ذاكرة الإرهاب، في إشارة إلى أن التاريخ لا ينتهي بانتهاء المعارك، بل يظل حاضرًا في ضمير المجتمع.
أما يمينة شويخ، ففي فيلمها الشهير «رشيدة» (2002)، قدمت واحدة من أقوى الشهادات السينمائية عن مقاومة المرأة الجزائرية للإرهاب. لا تعتمد شويخ على البطولة الخارقة، وإنما تمنح بطلتها قوة أخلاقية نابعة من رفضها الاستسلام. رشيدة، المعلمة التي ترفض زرع قنبلة في مدرستها، تتحول إلى رمز للثقافة في مواجهة التطرف، وللتعليم في مواجهة الموت. وتنتهي الصورة الأخيرة بخروجها لاستقبال من بقي من تلاميذها، وكأن المدرسة تصبح إعلانًا بانتصار الحياة رغم كل المجازر. إنها نهاية شديدة الرمزية، تؤكد أن المعرفة هي السلاح الأكثر قدرة على هزيمة العنف.
ومن أكثر الأفلام طموحًا في مقاربة العشرية السوداء يأتي «المنارة» (2004) لبلقاسم حجاج، الذي لا يكتفي برصد الإرهاب، بل يعود إلى جذوره السياسية والاجتماعية منذ أحداث أكتوبر 1988، متتبعًا انهيار أحلام جيل كامل.
تتحول الشخصيات الثلاث؛ أسماء ورمضان وفوزي، إلى استعارة عن المجتمع الجزائري الذي مزقته الخيارات المتناقضة. فالشاب الذي اختار الطب يتحول إلى حامل للموت، بينما يتحول الصحافي الباحث عن الحقيقة إلى جلاد، في واحدة من أكثر الشخصيات تعقيدًا في السينما الجزائرية. ولا يبدو عنوان الفيلم مجرد اسم، بل رمزًا للأمل وللثقافة الشعبية التي يمكنها أن تعيد توجيه المجتمع نحو التعايش والسلام، وهو ما تؤكده النهاية حين تظل المنارة مضيئة رغم كل ما حدث.
ويقدم نادر مكناش في «تحيا الجزائر» (2004) معالجة مختلفة، إذ لا يركز على الإرهاب بوصفه حدثًا مباشرًا، وإنما على آثاره النفسية والاجتماعية. تبدو المدينة وكأنها تحاول استعادة الحياة، لكن الذاكرة المثقلة بالمجازر تجعل كل محاولة للفرح مشوبة بالخوف، فيما يعيش الشباب أزمة هوية وفراغًا وجوديًا يعكس آثار سنوات العنف التي لم تغادر النفوس.
وفي «شاي آنيا» لسعيد ولد خليفة، يغدو الإرهاب ذاكرة داخلية أكثر منه حدثًا خارجيًا. البطل مهدي، الموظف المكلف بتسجيل الوفيات، يحمل الموت معه حتى داخل غرفته، حيث تتحول الجدران إلى دفتر اعترافات وأسئلة لا تنتهي. وبينما يختار بعض الشخصيات المنفى، يراهن الفيلم على الحب باعتباره إمكانية لاستعادة الحياة، في رؤية تؤكد أن الخلاص لا يتحقق بالنسيان، وإنما بالقدرة على استعادة الثقة بالآخر.
وتواصل فاطمة بلحاج هذا المسار في «مال وطني؟» (2007)، حيث تنقل المأساة إلى قلب الأسرة الجزائرية. فالمرأة هنا ليست مجرد شاهدة على الإرهاب، بل ضحيته الأساسية، إذ تتحمل مسؤولية إعالة الأسرة، ثم تواجه عنف الجماعات المسلحة حتى النهاية المأساوية. وتكشف المخرجة، عبر شخصية "الباتول"، كيف يضاعف الإرهاب من هشاشة المرأة داخل مجتمع تحكمه القيود الاجتماعية والسلطة الذكورية، لتصبح الأسرة نفسها مرآة لانهيار المجتمع بأسره.
ومع «عطور الجزائر» (2012) لرشيد بن حاج، تنتقل السينما من توثيق الحدث إلى مساءلة الذاكرة. فعودة الصحفية كريمة إلى الجزائر لا تعني فقط العودة إلى المكان، بل إلى جراح لم تلتئم بعد. أما فيلم «الآن يمكن أن يأتوا» (2015) لسالم براهيمي، فيوسع دائرة القراءة، مؤكدًا أن مأساة العشرية السوداء ليست حكاية جزائرية فحسب، وإنما نموذج إنساني يتكرر في مجتمعات عديدة تعيش دوامات التطرف والحروب الأهلية.
فيلم "أبو ليلى" للمخرج أمين سيدي بومدين ضمن الأفلام التي تتناول هذه الحقبة ليقدم انعكاسا جديدا لما ما دار فيها من عنف وإرهاب .يبدأ الفيلم بجريمة اغتيال لرجل أمام منزله في الجزائر العاصمة عام 1994 ينفذه الإرهابي المكنى "أبو ليلى" والذي يحمل الفيلم اسمه، ثم تنتقل الأحداث مباشرة إلى الصحراء وتحديدا الجنوب الجزائري حيث لا شيء سوى الرمال الصفراء والسماء الزرقاء اللذين يستغلهما المخرج كديكور طبيعي وبديع لمعظم مشاهد الفيلم.
استعادة الإنسان من قلب الخراب
إن المتأمل في هذه الأفلام يلاحظ أنها لا تقدم رواية واحدة عن العشرية السوداء، بل روايات متعددة، تتنوع فيها زوايا النظر بين السياسي والاجتماعي والنفسي والوجودي. فالمرأة، والطفل، والصحافي، والطبيب، والشاعر، جميعهم يتحولون إلى شخصيات تحمل ذاكرة مجتمع بأكمله.
كما تتقاطع هذه الأعمال في رفضها اختزال الإرهاب في مشاهد الدم، إذ تنشغل أكثر بتداعياته على الإنسان، وعلى العلاقات الأسرية، وعلى القيم التي تآكلت تحت ضغط الخوف.
لقد نجحت السينما الجزائرية، عبر هذه الأعمال، في أن تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة وثيقة فنية تحفظ ذاكرة وطنية كادت تضيع، ومن جهة أخرى مساحة للنقد والمساءلة والمصالحة مع الماضي. لذلك فإن أهميتها لا تكمن فقط في قيمتها الجمالية، بل في قدرتها على تحويل الألم إلى وعي، والذاكرة إلى مقاومة، والصورة إلى فعل ثقافي يحول دون تكرار المأساة.
وهكذا، لم تكن أفلام العشرية السوداء مجرد تسجيل لسنوات الرصاص، بل كانت محاولة لاستعادة الإنسان من قلب الخراب، وإثبات أن السينما، مهما كانت عاجزة عن إعادة الضحايا إلى الحياة، قادرة على أن تمنحهم ذاكرة لا تموت، وأن تجعل من الشاشة منارةً أخرى تهدي الأجيال القادمة إلى حقيقة الماضي، حتى لا يتحول التاريخ مرة أخرى إلى كابوس يتكرر.
