فخري البارودي… أي سوريا كان يحلم بها هذا الرجل؟

مذكرات سياسي صنع مسيرته بالشعر والموسيقى.
الجمعة 2026/09/11
مالئ الدنيا وشاغل الناس

فخري البارودي، سياسي لم يكتف بالسياسة، وشاعر لم يحصر نفسه في القصيدة، وموسيقي لم ير الفن ترفاً، ووطني لم يعتبر الوطن شعاراً يقال في المناسبات. كان، قبل كل شيء، شخصية عامة بالمعنى الكامل للكلمة، عاش في قلب دمشق وتنفس قضاياها، ثم وسّع مجال اهتمامه حتى تصبح دمشق مدخلاً إلى سوريا، وسوريا جزءاً من قضية عربية أوسع.

ثمة شخصيات لا تكفيها سيرة واحدة، لأن حياتها تبدو وكأنها أكثر من حياة، ولأن صاحبها يتحرك في أكثر من مجال حتى يصعب وضعه في خانة واحدة. وفخري البارودي واحد من هؤلاء.

ولهذا تبدو العودة إلى كتاب “مذكرات البارودي”، أو إلى المجموعة الأوسع من أوراقه ومذكراته التي صدرت لاحقاً، أكثر من مجرد عودة إلى كتاب قديم. إنها عودة إلى زمن كانت فيه السياسة شيئاً يُعاش، لا مجرد مهنة، وكانت الشخصيات الوطنية تمتلك من الحضور الاجتماعي والثقافي ما يجعلها قادرة على التأثير في الشارع والمجلس والصحافة والمنتدى الفني في آن واحد. وقد صدرت مذكراته في جزأين في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن تجمع وزارة الثقافة السورية لاحقاً أوراقه ومذكراته في إصدار حققته دعد الحكيم عام 1999 بعنوان “أوراق ومذكرات فخري البارودي، 1887-1966: خمسون عاماً من حياة الوطن”.

ومؤخرا صدرت المذكرات في ترجمة إلى اللغة الانكليزية تحت عنوان “حياة ومذكرات فخري البارودي: رجل النهضة في سوريا، 1887–1966″، تحرير وترجمة سامي مبيض (منشورات الجامعة الأميركية في القاهرة، 25 أغسطس/آب 2026).

وبالاعتماد على أوراق خاصة ومصادر منشورة، يقدم سامي مبيض في خاتمة الكتاب قراءة موثوقة لمسيرة البارودي السياسية في سوريا منذ اللحظة التي توقفت عندها المذكرات وحتى وفاته عام 1966.

◄ أفضل طريقة لقراءة مذكرات البارودي ليست أن نسأل: ماذا حدث في حياة فخري البارودي؟ بل أن نسأل سؤالاً أكبر: أي سوريا كان يحلم بها هذا الرجل؟

يظهر البارودي مرة أخرى كشخصية محورية في التاريخ السياسي السوري، وتضيء سيرته على الديناميكيات الاجتماعية والسياسية التي ما زالت تشكل سوريا حتى اليوم، خاصة بعد سقوط نظام الأسد عام 2024.

البارودي لا يروي في المذكرات حياته فقط، وإنما يترك من خلال حياته نافذة على سوريا وهي تعبر من العهد العثماني إلى زمن الانتداب، ثم إلى الاستقلال، وما رافق ذلك من صعود الوطنية السورية والعروبة والصراع على فلسطين والتحولات الاجتماعية والثقافية التي أعادت تشكيل المجتمع الدمشقي والعربي. ولذلك فإن قراءة مذكراته اليوم لا تعني البحث عن رجل من الماضي بقدر ما تعني البحث عن صورة لمرحلة كان فيها المثقف والسياسي والفنان يتحركون داخل فضاء واحد، قبل أن تتكفل السياسة الحديثة بتقسيم الحياة العامة إلى جزر منفصلة.

ولد فخري البارودي في دمشق عام 1887، في أسرة عريقة وذات حضور اجتماعي، وعاش حتى عام 1966، وهي فترة كافية لكي يشهد الرجل انهيار الدولة العثمانية، وقيام الدولة العربية السورية الأولى، ودخول الفرنسيين، وتبلور الحركة الوطنية، ومعارك الاستقلال، ثم نشوء الجمهورية السورية وتقلباتها. وتشير المصادر التاريخية إلى أنه انخرط مبكراً في النشاط الوطني، وشارك في الحياة العسكرية والسياسية، وكان من رجال الحركة المناهضة للانتداب الفرنسي، قبل أن يصبح نائباً عن دمشق وواحداً من أبرز وجوه الحياة العامة فيها.

لكن المشكلة في الحديث عن البارودي هي أن وصفه بأنه “سياسي سوري” فقط يمثل ظلماً لسيرة الرجل. كان سياسياً، نعم، لكنه كان أيضاً صاحب حس فني وثقافي لافت. وتكشف سيرته عن شخصية أدركت مبكراً أن بناء الأمة لا يتم فقط عبر البرلمان أو المعركة السياسية، وإنما يحتاج أيضاً إلى الثقافة والفن والتعليم والموسيقى والوعي العام. ولهذا ارتبط اسمه بالحركة الفنية والموسيقية في سوريا، وأسهم في رعاية عدد من الفنانين، كما ارتبط اسمه بالنشيد الشهير “بلاد العرب أوطاني”، الذي ذاع في العالم العربي وأصبح جزءاً من الذاكرة القومية العربية.

وهنا تحديداً تكمن فرادة البارودي. لقد كان يرى السياسة بوصفها ثقافة وطنية، والثقافة بوصفها شكلاً من أشكال السياسة. لم تكن الأغنية الوطنية عنده مجرد لحن، ولم يكن الشعر مجرد زينة لغوية، ولم تكن الخطابة مجرد وسيلة لإثارة الجمهور. كان يريد أن يصنع من هذه الأدوات كلها وجداناً عاماً قادراً على مقاومة الاستعمار والتجزئة والاستسلام.

◄ مدخل بيت آل البارودي في دمشق

وتبدو دمشق في مذكراته أكثر من مدينة. إنها شخصية أخرى من شخصيات الكتاب. دمشق التي عرفها البارودي كانت مدينة تتقاطع فيها العائلات القديمة والسياسة والاقتصاد والحارات والمنتديات والمقاهي والفن والمجالس الوطنية. وكان منزل البارودي في حي القنوات، وفق ما ترويه المصادر عن حياته، أحد الأماكن التي التقى فيها السياسيون والمثقفون والفنانون. ولذلك لم يكن الرجل يعيش في برج سياسي منفصل عن مجتمعه، بل كان جزءاً من الحياة اليومية للمدينة، يعرف ناسها، ويجادلهم، ويمازحهم، ويغضب منهم ويغضبون منه.

وهذا الجانب الشخصي مهم جداً لفهم الكتاب. فالمذكرات لا تقدم لنا “بطلاً” بالمعنى التقليدي فقط، وإنما تقدم رجلاً له مزاجه، ومبالغاته، وخصوماته، واعتدادُه بنفسه، وسخريته، وانفعالاته، وأحلامه. وهذه هي قيمة المذكرات الشخصية في التاريخ: أنها تكسر الصورة الرسمية الجامدة، وتعيد إلى التاريخ وجهه الإنساني.

فخري البارودي لم يكن من أولئك السياسيين الذين يتركون وراءهم محاضر جلسات فقط. كان صاحب صوت وحضور وذاكرة، وتصفه روايات سيرته بأنه كان خطيباً ارتجالياً، شديد الحضور أمام الجمهور، وأنه عرف كيف يحول الموقف السياسي إلى خطاب يصل إلى الناس مباشرة. كما أن اعتقاله ونفيه ومشاركته في الحركة الوطنية جعلا تجربته الشخصية مرتبطة بتجربة سوريا في صراعها مع الانتداب الفرنسي. وتشير دراسة أكاديمية عن دوره السياسي إلى اعتقاله ونفيه خلال مرحلة الانتداب، وإلى انتخابه نائباً واستمراره في النشاط السياسي قبل أن يتجه لاحقاً بصورة أكبر إلى الثقافة والموسيقى.

لكن ربما كان أكثر ما يلفت في شخصية البارودي هو إصراره على أن الوطنية لا تعني الانغلاق. كان من دعاة الوحدة العربية، وكانت فلسطين حاضرة بقوة في تفكيره وكتاباته ومواقفه. وقد ترك كتباً وأعمالاً تتصل بفلسطين وبالقضية العربية، من بينها “كارثة فلسطين” و”الصلح مع إسرائيل”، كما كتب في قضايا سياسية واجتماعية وثقافية متنوعة.

ومن هنا يمكن فهم الصورة التي ارتسمت له باعتباره واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للحضور في سوريا والعالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين. لم يكن البارودي سياسياً هادئاً يكتفي بإدارة الملفات، بل كان صاحب مواقف صريحة، وميلاً إلى المواجهة، وثقة عالية بالنفس، واستعداداً دائماً للدخول في الجدل العام. ولذلك فإن عبارة “مالئ الدنيا وشاغل الناس” تبدو ملائمة لشخصيته، ليس لأنها تعني أن الجميع كانوا يتفقون معه، بل ربما لأن الرجل كان من أولئك الذين يصعب تجاهلهم.

◄ حياة ومذكرات فخري البارودي: رجل النهضة في سوريا

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها. فالشخصية العامة لا تصبح مؤثرة بالضرورة لأنها تحظى بالإجماع، وإنما لأنها تفرض نفسها على النقاش. والبارودي كان من هذا النوع. يمكن أن تختلف معه، أو تنتقد بعض مواقفه، أو ترى في بعض أحكامه شيئاً من رومانسية المرحلة، لكن من الصعب أن تنكر أنه كان حاضراً في صميم الحياة السورية، وأنه جمع بين ما نادراً ما يجتمع في شخص واحد: السياسة والفن والكتابة والعمل الاجتماعي والروح الشعبية.

أما المواقف التي تُنسب إليه في المحافل الدولية، وخصوصاً ما يتعلق بمجلس الأمن والقضية الفلسطينية، فإنها تحتاج إلى قراءة دقيقة في الوثائق الأصلية حتى لا تتحول الصورة البطولية المتداولة عنه إلى بديل عن التاريخ الموثق. وهذه ملاحظة لا تنتقص من مكانته، بل على العكس، تجعل إعادة قراءة الرجل أكثر جدوى. فالشخصيات الكبيرة لا تحتاج إلى الأساطير كي تبقى، وإنما تحتاج إلى الوثائق كي تُفهم.

ومع ذلك، فإن القيمة الأعمق في تجربة البارودي لا تتوقف على هذه الواقعة أو تلك. ما يجعل سيرته جديرة بالاستعادة اليوم هو الفكرة التي تختبئ خلف حياته كلها: هل يمكن للوطنية أن تكون أوسع من الطائفة، والحزب، والمهنة، والانتماء الاجتماعي؟

سيرة البارودي تقول، في أحد وجوهها، نعم.

فالرجل الذي عاش في سوريا متعددة الطوائف والمكونات، وكان من أبناء دمشق التقليدية، تحرك في المجال العام من خلال مفهوم واسع للانتماء الوطني والعربي. ولم يكن يرى الثقافة ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد السياسة، بل كان يعتبرها جزءاً من معركة بناء الإنسان. ولعل هذا هو الجانب الأكثر معاصرة في تجربته.

اليوم، بعد أكثر من نصف قرن على رحيله، تبدو الحاجة إلى استعادة هذا النوع من الشخصيات أكبر من أي وقت مضى. ليس بهدف صناعة أصنام تاريخية جديدة، وإنما لاستعادة معنى الشخصية العامة التي لا تختزل نفسها في منصب. ففي زمن أصبحت فيه السياسة شديدة التخصص، والإعلام سريعاً إلى حد فقدان الذاكرة، والثقافة موزعة بين منصات لا حصر لها، تبدو شخصية مثل البارودي تذكيراً بأن التأثير الحقيقي كان، ولا يزال، يحتاج إلى أكثر من موقع رسمي.

كان البارودي سياسياً لكنه لم يكن أسير السياسة. وكان شاعراً لكنه لم يكن أسير الشعر. وكان موسيقياً لكنه لم ير الفن منفصلاً عن المجتمع. وكان وطنياً لكنه لم يفهم الوطنية باعتبارها خصومة مع الآخر. وفي هذا التداخل بالذات تكمن جاذبيته.

ولذلك فإن أفضل طريقة لقراءة “مذكرات البارودي” ليست أن نسأل فقط: ماذا حدث في حياة فخري البارودي؟ بل أن نسأل سؤالاً أكبر: أي سوريا كان يحلم بها هذا الرجل؟

◄ إنه نموذج للمثقف الذي رفض أن يختار بين السياسة والثقافة وللوطني الذي رأى أن تحرير الأرض يحتاج أيضاً إلى تحرير العقل

عندها تتحول المذكرات من كتاب عن رجل عاش بين 1887 و1966 إلى وثيقة عن زمن كامل. زمن كانت فيه دمشق تبحث عن مكانها بعد سقوط الإمبراطورية، وكانت سوريا تتلمس طريقها بين الاستقلال والوحدة والانقسامات، وكان العرب يواجهون الاستعمار والصهيونية وهم يحملون فكرة نهضة كبرى لم تكتمل.

ومن هذه الزاوية يصبح فخري البارودي أكثر من شخصية تاريخية طريفة أو زعيم وطني من زمن مضى. إنه نموذج للمثقف الذي رفض أن يختار بين السياسة والثقافة، وللوطني الذي رأى أن تحرير الأرض يحتاج أيضاً إلى تحرير العقل، وللفنان الذي فهم أن الأغنية يمكن أن تكون أحياناً أقوى من الخطب، وللدمشقي الذي حمل مدينته معه إلى المجال العربي الأوسع.

وربما لهذا بقي اسمه حياً بعد رحيله. فبعض الرجال تخلدهم المناصب التي شغلوها، وبعضهم تخلدهم الكتب التي ألفوها، أما فخري البارودي فتخلده تلك المساحة النادرة التي صنعها بين السياسة والثقافة والناس.

وهنا تصبح “مذكرات البارودي” أكثر من سيرة ذاتية: إنها محاولة من رجل عاش التاريخ في قلبه أن يترك شهادته عليه. وحين نقرأها اليوم، فإننا لا نقرأ فخري البارودي وحده، بل نقرأ دمشق وهي تتغير، وسوريا وهي تولد من جديد، والعرب وهم يبحثون عن مشروعهم السياسي والثقافي في القرن العشرين.

ذلك هو سر الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس: لم يكن حاضراً لأنه امتلك السلطة دائماً، وإنما لأنه امتلك الحضور. والحضور، في نهاية المطاف، هو ما يبقى حين تسقط المناصب وتغلق البرلمانات وتخفت الخطب. ويبقى السؤال الذي تركته تجربته مفتوحاً أمام الأجيال: هل تستطيع سوريا والعالم العربي اليوم أن يعيدا اكتشاف تلك الشخصية العامة التي ترى الوطن أكبر من موقع، والثقافة أوسع من مهنة، والسياسة أعمق من صراع على السلطة؟

◄ بعض الرجال تخلدهم المناصب التي شغلوها وبعضهم تخلدهم الكتب التي ألفوها أما فخري البارودي فتخلده تلك المساحة النادرة التي صنعها بين السياسة والثقافة والناس

 

4