محمد فوزي.. الموسيقار الذي أهدى الجزائر لحن الخلود

فنان مصري لحن النشيد الوطني الجزائري.
الاثنين 2026/07/13
موهبة فريدة من نوعها

في مشهد حمل الكثير من الوفاء والعرفان، احتضنت أوبرا الجزائر “بوعلام بسايح” أمسية فنية استثنائية خُصصت لتكريم الموسيقار المصري الكبير محمد فوزي، صاحب لحن النشيد الوطني الجزائري “قسما”، وذلك بمبادرة من وزارة الثقافة والفنون، وبالتعاون مع سفارة جمهورية مصر العربية بالجزائر، ضمن الاحتفالات بالذكرى الرابعة والستين لعيدي الاستقلال والشباب.

ولم يكن هذا التكريم مجرد استعادة لسيرة فنان عربي كبير، بل كان وقفة تقدير لرجل ارتبط اسمه بإحدى أهم محطات الذاكرة الوطنية الجزائرية. فقد حضر الحفل أفراد من عائلة محمد فوزي، إلى جانب عائلة شاعر الثورة مفدي زكريا.

افتتحت الأمسية بأداء النشيد الوطني الجزائري بقيادة أوركسترا أوبرا الجزائر وكورالها، قبل أن تُقدم باقة من أشهر أغاني محمد فوزي التي لا تزال حاضرة في الوجدان العربي، مثل “داري العيون داريها” و”مليون شهيد”، في تأكيد على أن الفن الحقيقي لا يعرف حدوداً ولا يشيخ بمرور الزمن.

موهبة لفتت الأنظار

موسيقار يحظى بمكانة خاصة لدى الجزائريين لأنه فنان آمن بعدالة القضية الجزائرية وسخّر موهبته لخدمة ثورة التحرير

يحظى محمد فوزي بمكانة خاصة لدى الجزائريين، لأنه لم يكن مجرد موسيقار عربي بارز، بل كان فنانا آمن بعدالة القضية الجزائرية، وسخّر موهبته لخدمة ثورة التحرير، حين وضع لحن النشيد الوطني “قسمًا” هدية للشعب الجزائري، دون أن يتقاضى مقابلا، ليصبح ذلك اللحن لاحقا أحد أبرز رموز السيادة الوطنية، وصوتا يرافق الجزائريين في مدارسهم ومؤسساتهم واحتفالاتهم الوطنية، منذ الاستقلال حتى اليوم.

ولد محمد فوزي عبدالعال الحو في الثامن والعشرين من أوت عام 1918 بقرية كفر الجندي التابعة لمحافظة الغربية في مصر، وسط أسرة كبيرة كان ترتيبُه فيها الحادي والعشرين بين أشقائه. وكان والده شيخا وقارئا للقرآن الكريم، فشب الطفل محاطا بالأصوات الجميلة، وورث عن والده حلاوة الصوت وصفاء النبرة، بينما وجد في الموالد الشعبية والأفراح الريفية فضاءه الأول لاكتشاف شغفه بالغناء.

لفتت موهبته الأنظار في سن مبكرة، فالتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى في القاهرة، غير أن قسوة الحياة لم تمنحه فرصة إكمال دراسته الأكاديمية. فقد اضطر إلى ترك المعهد بعد عامين فقط بسبب ضيق الحال، وعاش سنوات من الفقر الشديد، حتى إنه كان يكتفي في بعض الأيام بوجبات بسيطة من اللبن والكنافة، مؤجلاً دفع ثمنها إلى نهاية الشهر. لكن تلك المعاناة لم تكسر عزيمته، بل زادته إصراراً على إثبات نفسه في عالم الفن.

كانت الانطلاقة الحقيقية من خلال فرقة بديعة مصابني، التي كانت آنذاك المدرسة الأبرز لتخريج نجوم المسرح والاستعراض في العالم العربي. وهناك تعلم محمد فوزي الانضباط الفني، واحتك بأسماء أصبحت لاحقا من كبار الفنانين، مثل فريد الأطرش وإسماعيل ياسين ومحمد عبدالمطلب، وغيرهم.

وقد تركت تلك المرحلة أثرا عميقا في شخصيته الموسيقية، إذ تعرف على القوالب الغربية كالـ”تانغو” و”الفالس”، ونجح لاحقا في توظيفها داخل الأغنية العربية دون أن يفقدها هويتها الشرقية، ليصبح واحدا من أوائل المجددين الذين مزجوا بين الأصالة والحداثة في الموسيقى العربية.

وخلال سنوات قليلة فرض محمد فوزي نفسه مطربا وملحنا وممثلا ومنتجا سينمائيا في آن واحد، وهو أمر نادر في تلك المرحلة. شارك في بطولة أكثر من ثلاثين فيلماً، وأسس شركة إنتاج حملت اسمه، قدم من خلالها أعمالا أصبحت من كلاسيكيات السينما الغنائية المصرية، مثل “العقل في إجازة” و”ابن للإيجار” و”بنات حواء” و”دايما معاك” و”ليلى بنت الشاطئ”، وغيرها.

ولم تكن السينما بالنسبة إليه مجرد وسيلة للنجاح التجاري، بل فضاءً لتقديم موسيقى جديدة وصور فنية مختلفة، لذلك جاءت معظم أفلامه مزيجا بين الدراما والاستعراض والغناء، وأسهمت في ترسيخ الأغنية السينمائية العربية خلال أربعينات وخمسينات القرن الماضي.

مدرسة فنية غنية

oo

أما في مجال التلحين فقد كان محمد فوزي مدرسة قائمة بذاتها. فقد امتلك قدرة استثنائية على صياغة ألحان سهلة الوصول إلى الجمهور، لكنها غنية في بنائها الموسيقي، تجمع بين البساطة والعمق، وبين الطرب الشرقي والتوزيع العصري. ولذلك وصفه الكثير من النقاد بأنه المجدد الثاني في الأغنية العربية بعد محمد القصبجي، فيما رأى آخرون أنه كان سابقاً لعصره بعقود.

بلغ رصيده ما يقارب أربعمئة أغنية، غنى معظمها بنفسه، بينما لحن أيضاً لكبار المطربين والمطربات، مثل ليلى مراد وصباح ونور الهدى وهدى سلطان. ومن أشهر أغانيه “تملي في قلبي” و”اللي يهواك أهواه” و”شحات الغرام” و”وحشونا الحبايب” و”داري العيون”، التي لا تزال تتردد حتى اليوم.

ولعل أحد أبرز إنجازاته الفنية يتمثل في ريادته لأغنية الطفل العربية. فقد استطاع أن يقدم أعمالاً بقيت حية في ذاكرة أجيال متعاقبة، مثل “ذهب الليل طلع الفجر” و”ماما زمانها جاية”، اللتين امتازتا بالبساطة والدفء والابتكار، حيث أدخل لأول مرة أصوات الأطفال بصورة درامية داخل الأغنية، مع توظيف الأوركسترا والبيانو بطريقة حديثة، لتصبح تلك الأعمال جزءاً من التراث الموسيقي العربي.

ولم يتوقف طموحه عند حدود الغناء والتلحين، بل دخل مجال الصناعة الموسيقية، فأسس عام 1958 شركة “مصر فون”، أول شركة مصرية وعربية لإنتاج وصناعة الأسطوانات، في خطوة هدفت إلى كسر احتكار الشركات الأجنبية لسوق التسجيلات الموسيقية. وكانت الشركة تنتج الأسطوانة بجودة عالية وسعر أقل من نظيراتها الأجنبية، وأسهمت في دعم الفنانين المصريين والعرب، حتى أصبحت خلال سنوات قليلة واحدة من أهم المؤسسات الفنية في المنطقة.

غير أن هذا المشروع الطموح تلقى ضربة قاسية بعد تأميم الشركة في مطلع الستينات، إذ فقد محمد فوزي المشروع الذي أنفق عليه معظم ثروته، وهو ما ترك أثرا نفسيا بالغا عليه، وزاد من معاناته في سنواته الأخيرة.

مكانة خالدة

pp

أما علاقته بالجزائر فهي التي منحت اسمه مكانة خالدة في تاريخ الأمة العربية. ففي خضم ثورة التحرير الجزائرية، طُلب من شاعر الثورة مفدي زكريا كتابة نشيد وطني يعبر عن روح الكفاح. وبعد إنجاز النص، عُرض على أكثر من ملحن، لكن محمد فوزي أصر على أن يكون شريكا في هذه المهمة، معتبرا أن واجبه القومي يفرض عليه المساهمة في دعم الثورة الجزائرية.

ورغم أن بعض المسؤولين رأوا أن تخصصه في الأغاني العاطفية وأغاني الأطفال لا يؤهله لتلحين نشيد ثوري، فإن محمد فوزي رفض الاستسلام، وأكد ثقته بقدرته على تقديم عمل يليق بعظمة الثورة الجزائرية.

ولم يكتف بتلحين النشيد، بل تحمل بنفسه تكاليف تسجيله، ودفع أجور الموسيقيين من ماله الخاص، مقدماً العمل هدية خالصة للشعب الجزائري. وما إن استمع إليه قادة الثورة حتى نال إعجابهم، واعتمد رسميّا ليصبح نشيد الثورة، ثم النشيد الوطني للجمهورية الجزائرية بعد الاستقلال.

فوزي لم يكن مجرد ملحن مصري بل كان فنانا عربيا حمل قضايا أمته وجعل من الموسيقى لغة للنضال والتضامن

ويعد لحن “قسمًا” من أبرز الأعمال الوطنية في الموسيقى العربية، لما يتميز به من قوة درامية وبناء ملحمي يعكس معاني التضحية والكفاح التي صاغها مفدي زكريا في كلماته. وقد استطاع محمد فوزي أن يحول القصيدة إلى ملحمة موسيقية تنبض بالحماس، فجاءت المقدمة الإيقاعية أشبه بقرع طبول الحرب، بينما تصاعد اللحن تدريجيا ليجسد روح الثورة والإصرار على التحرير.

ولم يكن محمد فوزي فنانا كبيرا فحسب، بل كان أيضا إنسانا عُرف بالنبل والإيثار. وتروي كتب الفن أحد أشهر مواقفه عندما تنازل عن فرصة تلحين أغنية “حب إيه” لأم كلثوم، بعدما أعجب بلحن الشاب بليغ حمدي، وقرر تقديمه إليها بدلاً من أن يحتفظ بالفرصة لنفسه، فاتحا بذلك الطريق أمام أحد أهم الملحنين في تاريخ الموسيقى العربية.

وعرف عنه أيضاً تشجيعه للمواهب الشابة، وإيمانه بأن الفن رسالة تتجاوز المنافسة الشخصية، وهو ما جعل زملاءه يذكرونه دائماً بصفاته الإنسانية قبل إنجازاته الفنية.

وفي سنواته الأخيرة بدأت رحلة المرض التي استعصى تشخيصها على الأطباء في مصر وأوروبا. فقد أصيب بمرض نادر تسبب في تدهور صحته بشكل سريع، حتى انخفض وزنه من نحو تسعين كيلوغراما إلى أقل من أربعين، وأطلق الأطباء على المرض آنذاك اسم “مرض فوزي” لندرته. ورغم الألم، ظل محتفظاً بإيمانه وهدوئه، وكتب كلمات مؤثرة عبّر فيها عن رضاه بقضاء الله وامتنانه لكل من أحبه.

وفي العشرين من أكتوبر عام 1966، رحل محمد فوزي عن عمر ناهز الثامنة والأربعين، وهو في أوج عطائه الفني، لتفقد الموسيقى العربية واحدا من أكثر مبدعيها أصالة وتجديدا.

pp

وبعد مرور عقود على رحيله لا تزال أعماله حاضرة في الإذاعات والمنصات الموسيقية، وتواصل ألحانه مرافقة الأجيال الجديدة، فيما بقي اسمه في الجزائر مرتبطاً بالنشيد الوطني، الذي لم يعد مجرد عمل موسيقي، بل وثيقة تاريخية ورمزا للحرية والسيادة.

ولعل تكريمه في أوبرا الجزائر اليوم يؤكد أن الشعوب لا تنسى من وقف إلى جانبها في لحظات التاريخ الكبرى، وأن محمد فوزي لم يكن مجرد ملحن مصري عظيم، بل كان فنانا عربيا حمل قضايا أمته في وجدانه، وجعل من الموسيقى لغة للنضال والتضامن. ولهذا سيظل اسمه محفورا في الذاكرة الجزائرية، ليس فقط لأنه لحن “قسمًا”، وإنما لأنه آمن بأن الفن يستطيع أن يشارك في صناعة التاريخ، وأن لحنا صادقا قد يعيش أطول من صاحبه، ليبقى شاهدا على زمن البطولة، وصوتا يتردد مع كل جيل جديد.

9