رشيد بوشارب سينمائي يعيد كتابة التاريخ بعدسة إنسانية

مخرج جزائري ينتشل الذاكرة العربية والأفريقية من غياهب النسيان.
الخميس 2026/07/02
مخرج جريء في نقد الذاكرة الاستعمارية

مسيرة المخرج الجزائري العالمي رشيد بوشارب السينمائية حافلة تجاوزت الحدود الجغرافية، ولامست هموم الإنسان أينما كان. فهو اسم جعل من الكاميرا وسيلة للمساءلة والتنوير، ومن السينما جسرا للحوار بين الشرق والغرب، بين الذاكرة والمنفى، وبين الهوية والإنسانية.

منذ بداياته، لم يكن بوشارب مخرجا عاديا. بدأت أعماله بفيلم “شاب”، الذي دارت أحداثه حول شخصية شاب يُدعى مروان كيشدا، وُلد في فرنسا، ولكن يتم طرده منها، ليجد نفسه بشكل مُفاجئ في وسط الجزائر، حيث لا يعرف اللغة العربية أو عادات الشعب الجزائري، وفي أحد الأيام يتم إرساله إلى جنوب الجزائر، وهُناك يواجه عالما مُختلفا، ويحاول التكيف معه. ثم جاء فيلماه “السنوات الممزقة” (1992) و”غبار الحياة” (1995) حيث واصل بوشارب استكشاف موضوع “الهوية الممزقة” ما بعد الكولونيالية، ولكن هذه المرة في فيتنام، من خلال صبي ولد لأم فرنسية وأب أفريقي – أميركي. هي محاولات جادة لتثبيت البصمة الجزائرية في مشهدٍ سينمائي عالميٍ يعجّ بالأصوات. ومع فيلمه “شرف عائلتي” (1996)، خاض أولى معاركه الجمالية والفكرية مع موضوع الهجرة وصدام الثقافات، حيث تناول معاناة الفتاة الجزائرية في مجتمعٍ فرنسيٍ لا يرحم، متتبعا الخيط الرفيع بين الحرية والاغتراب، بين الحلم والخذلان.

لكن بوشارب بلغ ذروة عطائه النقدي والسينمائي مع فيلمه “سكان أصليون” (2006)، الذي أعاد من خلاله كتابة فصلٍ منسي من التاريخ الفرنسي. في شريطٍ مكثف بالأسى والوعي، سلّط الضوء على الجنود المغاربة الذين قاتلوا لتحرير فرنسا من النازية، ليكتشفوا لاحقا أنهم لم يُحرّروا من العنصرية ولا من التمييز. فكرته الأساسية تتمحور حول الأجانب وخاصة المغاربيين (بلغ عددهم نيفا ومئة ألف جندي من بينهم نحو 20 ألفا من سود أفريقيا)، الذين استقدمتهم فرنسا من مستعمراتها للمساهمة في تحريرها من الاحتلال النازي.

وإذا كانت أغلب الأفلام المنتجة حول مرحلة المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي قد ركزت إلى حد بعيد على دور القوات الأميركية التي كانت السباقة إلى دخول باريس سنة 1944 بعد تحريرها، فإن فيلم رشيد بوشارب حاول أن يعكس الآية ويبرز دور المغاربة والسنغاليين في عملية تحرير فرنسا من النازية.

بوشارب ليس مجرد مخرجٍ جزائري نال الاعتراف العالمي، بل هو مؤرخٌ بعدسةٍ حساسة، يوثق ما أغفلته الكتب
بوشارب ليس مجرد مخرجٍ جزائري نال الاعتراف العالمي، بل هو مؤرخٌ بعدسةٍ حساسة، يوثق ما أغفلته الكتب

شكل الفيلم مفاجأة فنية ومفاجأة سياسية أيضا، فشريط بوشارب يكسر صمتا طال أمده حول هؤلاء الجنود المنسيين. الفيلم يعيد كتابة التاريخ من جديد بالسينما، وينتشل ذاكرة هؤلاء الجنود من الإهمال والضياع والنسيان. ويقول لفرنسا بعض الحقائق التي تميل إلى نسيانها. ويشير بالأصابع إلى جدود هؤلاء الشبان الذين ينتفضون اليوم في شوارع فرنسا مطالبين بحقوقهم، متحدثين عن خديعة كبرى تعرضوا لها.

بوشارب حقق فيلما مميزا فنيا، عالي التقنية، عنيفا، ساخرا وصادقا. وصل فيه أداء ممثليه إلى ذروة لا يمكن أن يكون وراءها إلا مخرج كبير متمكن. يبدأ الفيلم في الجزائر حيث يستنهض أحدهم الشباب لمؤازرة فرنسا “الأرض الأم” في حربها. فتتشكل كتيبة تضم جزائريين ومغاربة: عبدالقادر (سامي بوعجيلة) قائد الكتيبة، مسعود (رشدي زم)، ياسر (سامي ناصري)، وسعيد (جميل ديبوز). إنها تجربتهم الأولى في الحرب ولعلها المرة الأولى التي يغادرون فيها أرضهم. في المعسكر، تتصاعد حدة الصراع بين الملازم الفرنسي وبين عبدالقادر حيث يقف الأخير في وجه التفرقة العنصرية ويطالب بمعاملتهم بالمثل “لأن الرصاصة الألمانية لا تفرق عندما تقتل”.

يتوقف الفيلم عند تفاصيل كفكرة التفاني في خدمة الجيش الفرنسي والولاء لها من دون أن نفهم بالفعل من أين ينبع ذلك. ولكن مع مرور الوقت تتحول الحرب معركة خاصة لكل من الأربعة. بالنسبة إلى عبدالقادر، الحرب هي طريقه ليصبح ملازما وفي وقت لاحق عندما يدرك في قرارة نفسه أن الترقية للفرنسيين فقط تتحول الحرب الوسيلة الوحيدة للاعتراف به.

صوتٌ جزائريٌّ عالميّ، لا يزال يسائل الذاكرة بقوّة سياسيّة وشاعريّة سينمائيّة، ويكتب بعيونه ما يعجز التاريخ عن قوله

يحارب مسعود من أجل حبيبته الفرنسية ويستبسل ياسر ويعيد استشهاد شقيقه كي يعطي لموته معنى. يدخل الفيلم في حكايات تلك الشخصيات راصدا تحولاتها وعلاقاتها ولكن الجزء الأخير هو الذي يشكل الذروة الدرامية عندما تكمل الكتيبة بأربعة فقط بعد موت الآخرين للدفاع عن ألزاس، تلك القرية الغريبة، وعن أهلها.

هنا يكتسب الفيلم الحرفة الداخلية لأفلام الحروب وفكرة القتال والاستشهاد في سبيل غرباء. يستشهد الكل ما عدا عبدالقادر، بقاؤه على قيد الحياة هو بقاء رمزي ليظل شاهدا حيا. وإذ تصل الجيوش الفرنسية بعد انتهاء المعركة بين الكتيبة والنازيين، تمر بعبدالقادر المذهول كما لو أنه نكرة ويطلب منه القائد اللحاق به لتعيين كتيبة جديدة له.

وسيسمع عبدالقادر مسؤول الإعلام التابع للجيش وهو يصور الفلاحين، ابتسموا فقد حرركم الجيش الفرنسي. في قفزة إلى العام 2005، يزور رجل مسن نفهم أنه عبدالقادر قبور زملائه في ألزاس. ولكن تلك ليست سوى مقدمة للمشهد الأخير حيث يدخل عبدالقادر بيته الفرنسي المكون من غرفة حقيرة ويقفل الباب على وحدته.

هكذا إذًا انتهى الأمر به وحيدا يصارع من أجل معاش التقاعد. تناقض قاس بين مشهد البداية الذي وعد المتطوعين في الجيش الفرنسي بمبادئ الحرية والأخوة والمساواة وبين مشهد النهاية الموحش لعبدالقادر في عزلة كأنما هي ثمن تلك الحرب التي خاضها. يحفل الفيلم بالكثير من السخرية والآلام مع موسيقى تصويرية متميزة للمغني الجزائري الشهير الشاب خالد.

إنه فيلمٌ مزج بين الصدق السياسي والدقة الفنية، وجعل من بوشارب صوتا للذين لم يُسمع لهم صوت، وضميرا لضحايا النسيان التاريخي. لقد كان “سكان أصليون” عملا مؤلما ومبهرا في آن واحد، تداخلت فيه الأسئلة الكبرى عن العدالة والانتماء والذاكرة.

وفي عام 2009 قدم بوشارب فيلمه “وادي لندن”، الذي حاز جائزة أحسن ممثل تحصل عليها الفنان الراحل سوتيقي كوياتي. بعد تفجيرات لندن الإرهابية في عام 2005، تأتي إلى المدينة الصاخبة إليزابيث المقيمة في إحدى القرى في ريف إنجلترا، للبحث عن ابنتها التي اختفت. تشعر إليزابيث بانزعاج رهيب من المدينة الصاخبة بمجرد وصولها إلى لندن، وفوق كل شيء تتوتر أعصابها كثيرا بسبب الحي الذي تعيش فيه ابنتها، والذي يتكون من غالبية مسلمة.

بوشارب بلغ ذروة عطائه مع فيلمه "سكان أصليون" الذي أعاد من خلاله كتابة فصلٍ منسي من التاريخ الفرنسي
"خارج عن القانون" يثير جدلا كبيرا إلى اليوم

تتصاعد مشاعر إليزابيث عندما تكتشف أن ابنتها كانت تستعد للتحول إلى الدين الإسلامي، وفي نفس الوقت تتقاطع طرقها مع رجل أفريقي يدعى عثماني، جاء من فرنسا للبحث عن ابنه المفقود. ويقوم الاثنان بالتغلب على جميع خلافاتهما الثقافية والاجتماعية لتوحيد جهودهما، والبدء في عملية البحث عن ابنيهما المفقودين.

بعد فيلمه “مثل امرأة” عام 2012، بطولة النجمة البريطانية سيينا ميلر، واصل المخرج الجزائري رحلته في تفكيك النظرة الغربية للآخر في فيلمه الأميركي “طريق العدو” عام 2013، حيث اقتحم موضوع الإسلاموفوبيا والتمييز العنصري من خلال قصة سجينٍ اعتنق الإسلام وخرج ليواجه واقعا لا يرحم. هنا، لم يكتف بوشارب بإعادة إنتاج الحكاية، بل قدّم تأملا بصريا عميقا في مفهوم التوبة والحرية والاختلاف.

عام 2014 عُرض فيلم رشيد بوشارب “رجلان في المدينة”، وشارك في بطولته فوريست وايتكر وهارفي كيتل وإلين بورستين ولويس جوزمان، ودارت أحداث الفيلم حول شخصية ويليام، الذي أُطلق سراحه، بشرط ألا يعود إلى ماضيه، وبالفعل يحاول أن يعيش حياته على الطريقة الصحيحة، ويحصل على وظيفة وزوجة جيدة، إلا أن شريكه القديم يحاول جاهدا إرجاعه إلى طريقه السابق، ولكن تظل المشكلة الحقيقية أن أحد الضباط لن يجعله ينسى ماضيه المُظلم.

أما في فيلم “شرطي بيلفيل” عام 2018 فقد خاض تجربة أكثر خفة في الشكل، لكنها لم تخلُ من رسائله حول العدالة، والعلاقات الثقافية بين الجنوب والشمال، حين يتعرض صديقه من الطفولة من مدينة ميامي للقتل بعد تعامله مع عدد من تجار المخدرات، يقرر بابا أن ينتقل إلى مدينة ميامي ويتحد مع شرطي محلي من أجل إخضاع المجرمين للعدالة.

بوشارب بلغ ذروة عطائه مع فيلمه "سكان أصليون" الذي أعاد من خلاله كتابة فصلٍ منسي من التاريخ الفرنسي

ثم عاد في فيلم “إخواننا” عام 2021 ليقترب من الحاضر الفرنسي عبر قصة الشاب مالك أوسكين، الذي قُتل على يد الشرطة سنة 1986، في صرخةٍ سينمائية جديدة ضد العنف المؤسسي والعنصرية البنيوية التي تنخر المجتمع الفرنسي.

في أحدث مشاريعه بعنوان “رقان” (Reggane) عام 2025، يغوص بوشارب في فصل مطوي ومكبوت من التاريخ الاستعماري من خلال فيلمه الجديد.

تدور أحداث “رقان” في الصحراء الجزائرية عام 1960، وهي السنة التي نفذت فيها فرنسا أول تجربة نووية لها بالقرب من بلدة رقان. يتبع الفيلم قصة راعٍ جزائري شاب يتم دمجه قسراً في الحياة داخل القاعدة العسكرية الفرنسية بعد مصادرة ماشيته. ينتقل السرد إلى داخل القاعدة، ويسجل الحياة المتوازية للعمال الجزائريين، وبدو الطوارق، والجنود الفرنسيين، والعلماء.

وأكد بوشارب أن اللقطات الأرشيفية من تلك الفترة كانت تستثني العمال الجزائريين بشكل متعمد، مصرحا “في الصور، الجزائريون غير موجودين. ومع ذلك، كان هناك الآلاف منهم يعملون في القاعدة”. وأوضح أن فيلمه الجديد يستكمل تسليط الضوء على “المناطق التي لا يوجد فيها ضوء”، وذلك عبر معالجة موضوع لا تزال تداعياته الإشعاعية مستمرة حتى اليوم: “الاستعمار بُني على الأكاذيب… ما يهمني هو كشف هذا الأمر وإظهاره للعلن”.

رشيد بوشارب ليس مجرد مخرجٍ جزائري نال الاعتراف العالمي، بل هو مؤرخٌ بعدسةٍ حساسة، يوثق ما أغفلته الكتب، ويمنح الهامش صوتا وصورة. في أفلامه تتحول الشخصيات المهمشة إلى رموزٍ إنسانية، وتتحول الحكايات المنسية إلى مرآةٍ للواقع المعاصر.

متابعة أعماله ليست فقط احتفاءً بمسيرةٍ فنيةٍ ثرية، بل هي أيضا احتفاءٌ بقدرة السينما الجزائرية على الاستمرار في مساءلة العالم من موقعها المتفرد. بوشارب، الذي حمل الجزائر إلى كبرى المهرجانات الدولية، أثبت أن السينما يمكن أن تكون أداة للمقاومة بقدر ما هي أداة للجمال.

إنه صوتٌ جزائريٌّ عالميّ، لا يزال يسائل الذاكرة، بقوّة سياسيّة، وشاعريّة سينمائيّة، ويكتب بعيونه ما يعجز التاريخ عن قوله.

9