أنيس جعاد.. من "النافذة" إلى "أرض الانتقام"
يعتبر كاتب السيناريو والمخرج الجزائري أنيس جعاد، الذي رحل عن عمر ناهز 52 سنة مساء الرابع من مارس 2026 إثر مرض عضال، واحدا من أبرز صناع السينما في الجزائر.
ولد أنيس جعاد سنة 1974 بالجزائر العاصمة، وترعرع بحي باب الوادي، كانت بداياته في مجال السينما ككاتب سيناريو، وبعد تجربته الأولى في العمل مساعد مخرج في فيلم “فرنسا يا فرنسا” للمخرج جمال بلواد، تحوّل إلى العمل الصحافي والكتابة الأدبية، بينما واصل العمل بصفته مساعد مخرج، قبل أن ينتقل إلى إخراج أفلام قصيرة لسيناريوهات من تأليفه.
أعمال مختلفة
وانتظر جعاد 15 عاماً ليخرج أول أفلامه القصيرة بعنوان “النافذة” (2012)، الذي تحصل على جائزة أفضل سيناريو للفيلم القصير خلال الأيام السينمائية للجزائر العاصمة، لتتتابع أعماله مثل “في آخر النفق” و”المتعطشون”. وترافقت تجربته السينمائية مع تجربة الكتابة الأدبية إذ ألف بعض الروايات مثل “صباحات باريسية” و”رائحة الكمان”.
وقد حصدت أعمال الراحل العديد من الجوائز، لاسيما فيلمه الطويل “الحياة ما بعد”، الذي نال جائزة النقد الأفريقي في فعاليات الطبعة الـ33 لأيام قرطاج السينمائية (تونس) وجائزة الجمهور “الخلخال الذهبي” في المهرجان الوطني لأدب وسينما المرأة بسعيدة وغيرها من الجوائز.
في هذا الفيلم يتطرق إلى يوميات شابين عادل ووليد بكل ما تحمله من آلام الشباب (بطالة وقلة الدخل وسوء معيشة وفقدان الأمل)، فيما يستحوذ عليهما حلمهما بالهجرة إلى الجهة المقابلة من البحر؛ أي فرنسا. يجدان سطح منزل عال يطل على البحر ملجأ لهما، يرميان فيه الهموم ويغتسلان من الإحباط، واحد منهما يقبل بمصيره والثاني لا يخبو طموحه في الوصول إلى أوروبا، ليتحول البحر، الذي يرمز للحرية والحلم، إلى تعاسة ونهاية مأساوية.
كما قدم أنيس جعاد عام 2014 فيلمه القصير “الممر” الذي يروي عزلة حارس حاجز للقطارات متقدم في السن، على مر ثلاثين عاماً، يعمل في حراسة البوابة – ليل نهار – يراقب معبر السكك الحديدية. وفي صباح أحد الأيام في فصل الشتاء، يُسلّمه ساعي البريد رسالة إحالته على التقاعد وهو ما جعله يغوص في معاناة كبيرة. بالتأكيد، يمكن لبعض الرسائل أن تغير حياتك تماماً… وحاز الفيلم تنويها خاصا في مسابقة الفيلم القصير في مهرجان الجزائر للسينما المغاربية. كما شارك في ركن الفيلم القصير في مهرجان كان السينمائي الدولي.
أما فيلمه القصير “رحلة كلثوم”، الذي أنتج عام 2016، فيتناول بأسلوب خاص مشكلة العودة إلى الأصول في وسط المغتربين، وذلك من خلال قصة بطلتها كلثوم التي تجد نفسها مجبرة رغم مشاكلها المالية على تحقيق رغبة أختها التي تحتضر في العودة إلى الوطن أو إلى تلك الأماكن التي تعتبرها مقدسة.
وتجبر كلثوم بسبب الوعد الذي قطعته على نفسها بأن تحقق الرغبة الأخيرة لأختها على مواجهة واقعها المزري وأسرتها التي تعيب عليها وضعيتها الاجتماعية.
تدور أحداث فيلم “الحياة ما بعد” (2021)، خلال ساعة و45 د، في قرية بعيدة في الغرب الجزائري، حيث تعيش هاجر، وهي أرملة اغتالت جماعة إرهابية زوجها، وبعد هذه المأساة التي ألمت بها تجد المرأة، التي تجسد دورها الممثلة ليديا لعريني باقتدار، نفسها في مواجهة ظروف معيشية صعبة زاد وضعها الاجتماعي من تفاقمها لاسيما وأنها تقطن قرية نائية في غرب البلاد.
تكتشف هاجر أنها ضحية إشاعة تحوم حولها، فتجد نفسها مجبرة على الهروب رفقة ابنها جميل بعيدا عن أهلها، وهنا ستكون النهاية لحياة هادئة وسعيدة وبداية حياة صعبة في أتون المدن الكبرى، ما يجعلها فريسة لشهوات الرجال، حالة تجبرها على المقاومة والتكشير عن مخالبها لحماية نفسها وابنها المقبل على سن المراهقة، وينتهي بهما المطاف في ساحل عامل آخر، حيث يبقى مستقبلهما بحياة جديدة مجهولا.
مرآة لواقع اجتماعي
من أعمال أنيس جعاد الأخيرة أيضا الفلم القصير “ليلة عابد” (2023)، و”أرض الانتقام”، وهذا الأخير تأمل سينمائي في العنف الصامت للخيبة.
يقدّم “أرض الانتقام” (2024) تجربة درامية تتأمل في أحد أكثر المشاعر الإنسانية تعقيداً: الانتقام. غير أن الفيلم لا يذهب إلى تمثيل هذا الشعور في صيغته المباشرة أو الدموية، بل يختار مقاربة أكثر هدوءاً وتأملاً، حيث تتحول الرغبة في الثأر إلى حالة نفسية ثقيلة تلاحق الشخصية الرئيسية وتعيد تشكيل علاقتها بالعالم من حولها.
منذ المشاهد الأولى، يضع الفيلم المشاهد في أجواء قاتمة ومشحونة بالقلق. يقف رجل عند موقف الحافلات يراقب بصمت حركة المسافرين وسائق الحافلة وهو ينظم الحقائب، قبل أن يسأله بخجل إن كان يستطيع أن يقله دون أجرة. هذه اللحظة الافتتاحية تكشف منذ البداية هشاشة الشخصية الرئيسية، جمال، الذي يؤدي دوره الممثل سمير الحكيم، وتلمّح إلى ما يحمله من إرهاق داخلي وانكسار.
يعتمد أنيس جعاد على لغة بصرية تقوم على اللقطات الطويلة الثابتة والاقتصاد في الحوار، ما يمنح الصورة قوة تعبيرية أكبر. فالكاميرا تراقب الشخصية أكثر مما تفسرها، وتترك المجال لتعابير الوجه والصمت كي يكشفا ما يعتمل داخلها من صراع.
المخرج يعتمد على لغة بصرية تقوم على اللقطات الطويلة الثابتة والاقتصاد في الحوار، ما يمنح الصورة قوة تعبيرية
هذا التقشف في الكلام يقابله حضور صوتي لافت، خصوصاً من خلال استخدام موسيقى جنائزية مثل “قداس الموتى” لموزارت، التي ترافق البطل في رحلته وكأنها نبوءة تسبق مصيره. هذه الموسيقى تمنح الفيلم نبرة حزينة ومقلقة في آن واحد، وتعمّق الإحساس بأن الشخصية تعيش حالة تيه وقلق دائمين.
تبدأ خيبات جمال فور خروجه من السجن بعد خمس سنوات قضاها عقاباً على جريمة لم يرتكبها، إذ تحمّل المسؤولية نيابة عن رب عمله مقابل وعد بتعويض مالي لم يتحقق. لكن الصدمة الأكبر تنتظره حين يعود إلى منزله ليكتشف أن زوجته قد غادرت مع ابنه واستولت على كل ما يملك. هنا يختار السيناريو أن يكشف تفاصيل الماضي تدريجياً عبر حوارات مقتضبة مع أخته، دون اللجوء إلى الشرح المباشر أو الاسترجاعات المطولة. فالمهم في الفيلم ليس الحكاية بقدر ما هو الأثر النفسي للحكاية على الشخصية.
يتحول جمال تدريجياً إلى شخصية مثقلة بالغضب والرغبة في استعادة ما سلب منه. ومع فشل محاولاته في المدينة، يقرر العودة إلى قريته، في محاولة لاستعادة جذوره وبداية حياة جديدة. غير أن العودة إلى الريف لا تعني بداية الخلاص، بل تفتح أبواب صراعات أخرى، سواء على مستوى العلاقات العائلية أو قضايا الميراث والخلافات القديمة بين العائلات.
في هذا السياق، ينجح الفيلم في رسم صورة لشخصية مأزومة يصعب التعاطف معها بالكامل. فجمال ليس ضحية بريئة تماماً، بل شخصية عنيدة وعدوانية، يصر على السير في طريق الانتقام حتى عندما يبدو واضحاً أن هذا الطريق سيقوده إلى مزيد من الخسارة. هذه المفارقة تمنح العمل عمقاً إنسانياً، إذ يظهر الانتقام هنا كقوة تلتهم صاحبها قبل أن تصيب الآخرين.
على مستوى البناء الدرامي، تتقاطع حكاية جمال مع شخصيات أخرى تمثل وجوهاً مختلفة من المجتمع، من بينها موظفون فاسدون ومسؤولون يستغلون سلطتهم، كما تتكشف عبر الأحداث مشكلات اجتماعية مثل الرشوة والابتزاز الإداري، إضافة إلى النزاعات العائلية المرتبطة بالميراث. بذلك يتحول الفيلم إلى مرآة لواقع اجتماعي تتشابك فيه الخيبات الفردية مع اختلالات المنظومة الاجتماعية.
المكان وهشاشة الإنسان
تبرز مدينة مستغانم في الفيلم لا فقط بصفتها موقعا للأحداث، بل بصفتها عنصرا جماليا يضفي على العمل بعداً بصرياً خاصاً. فالكاميرا تلتقط البحر والسهول والغابات، وتضع هذه المناظر الطبيعية في مواجهة الحالة النفسية الثقيلة للبطل. كما يضيف حضور الأغنية البدوية، خصوصاً صوت الجيلالي عين تادلس وأغنية “صلامان وبرد الحال”، لمسة محلية تمنح الفيلم طابعاً ثقافياً وهوية مكانية واضحة.
تجربة جعاد السينمائية ترافقت مع تجربته في الكتابة الأدبية إذ ألف بعض الروايات مثل “صباحات باريسية” و”رائحة الكمان”
في النهاية، لا يسعى “أرض الانتقام” إلى تمجيد الثأر أو تحويله إلى فعل بطولي، بل يقدمه كحالة إنسانية مأساوية قد تقود صاحبها إلى الضياع. ومع أن الفيلم يختتم بنبرة أمل عبر عودة الزوجة ولمّ شمل الأسرة، فإن الرسالة الأساسية تبقى واضحة: الانتقام لا يعيد ما ضاع، بل يطيل أمد الخسارة.
بهذه المعالجة الهادئة والبناء البصري المتقشف، يقدّم أنيس جعاد في “أرض الانتقام” عملاً سينمائياً يفضّل التأمل على الإثارة، ويحوّل قصة رجل منكسر إلى تأمل في هشاشة الإنسان حين تحاصره الخيانة والخذلان. فيلم يتقدم ببطء، لكنه يترك أثراً عاطفياً عميقاً، ويؤكد أن السينما يمكن أن تكون مساحة للتفكير في العنف الصامت الذي يولد داخل النفس قبل أن يظهر في العالم. وقد حاز الفيلم جائزة لجنة التحكيم للنقد في مهرجان وهران للفيلم العربي.