يايوي كوساما تختتم رحلة بحثها عن اللانهاية

النقاط والمرايا والشبكات تتحول في تجربتها إلى لغة بصرية عن الذات والجسد والكون والحب
الجمعة 2026/08/28
من هواجس الطفولة إلى لانهائية الفن

تقدم تجربة يايوي كوساما نموذجًا فريدًا لفنانة حوّلت مخاوفها وهواجس طفولتها إلى لغة بصرية عالمية، وجعلت من النقاط والشبكات والمرايا والتكرار أدوات للتأمل في الذات والجسد والكون واللانهاية. ومن الرسم إلى التركيب وفن الأداء والكتابة، واصلت كوساما بناء عالم فني شديد الخصوصية، تجاوز حدود التجربة الشخصية إلى جمهور عالمي.

في عمر سبعة وتسعين عامًا، انتهت في 14 أغسطس الجاري حياة يايوي كوساما واحدة من أشهر فنانات الفن المعاصر وأكثرهن حضورًا في المتاحف والمعارض حول العالم شرقًا وغربًا. أعمالها من غرف المرايا والقرع الضخم والنقاط التي تغطي اللوحات والجدران والأجساد وصلت إلى جمهور واسع حول العالم. غير أن هذه الشهرة كانت تخفي وراء ألوانها المبهجة سيرة طويلة بدأت بالخوف والهواجس ومحاولة فهم ما كانت تراه طفلة ولا يستطيع أحد رؤيته.

ولدت كوساما عام 1929 في ماتسوموتو باليابان، ونشأت قرب مشتل نباتات كانت تملكه عائلتها. عاشت طفولة مضطربة، وبدأت في سن مبكرة ترى أشكالًا ونقاطًا وأضواء تتكرر أمام عينيها وتغطي الأشياء من حولها. ودخلت تلك النقاط التي ظهرت في عالمها الطفولي في رسوماتها، ثم أصبحت، مع العقود والتجارب المتتالية، جزءًا من لغتها الفنية.

بعد الحرب العالمية الثانية، ذهبت وهي في التاسعة عشرة إلى كيوتو لدراسة الرسم الياباني التقليدي المعروف باسم «نيهونغا». تعلمت تقنياته، لكنها شعرت أن حدوده لا تلبي ما يريده خيالها وتعجز بواسطته عن التعبير عما في داخلها من هوس، فاتجهت إلى التجريد وأخذت ترسم عوالم صغيرة جدًا من النقاط والخلايا والأشكال العضوية والخيوط الملونة. كانت تعمل بسرعة وتنتج عددًا كبيرًا من الرسومات المذهلة على الورق.

وهناك بدأت مرحلة غيرت حياتها وفنها، وتحولت النقاط والشبكات التي خرجت من مخاوف طفولتها إلى مشروع فني تطور إلى بحث عن الذات والجسد والكون واللانهاية.

رحيل يتواصل صداه

جاء في نعي مؤسسة يايوي كوساما أن الفنانة عاشت حياة استثنائية كرستها كاملة للإبداع، وحققت حضورًا عالميًا كفنانة من رواد الفن الطليعي، وامتدت تجربتها من الفنون البصرية إلى الأداء والرواية والشعر. وأضاف البيان: «استمرت في الرسم حتى أيامها الأخيرة، ولم تضع ريشتها جانبًا، وواصلت بحثها عن الحب الأبدي والروح الخالدة». وتعهدت المؤسسة بأن تحمل رغبتها إلى المستقبل وأن تواصل، من خلال الفن، منح الأمل والقوة للناس في أنحاء العالم.

أما ديفيد زويرنر، الذي مثل أعمالها طوال خمسة عشر عامًا، فقال إن العمل معها كان من أعظم امتيازات حياته المهنية، ورأى أنها كانت عند وفاتها، من دون شك، أشهر فنانة حية في العالم. وأشار إلى أن رسالتها الدائمة عن الحب والسلام وصلت إلى ملايين البشر، وأن تأثيرها دخل تاريخ الفن التقليلي والبوب وفن الأداء، كما أن أعمالها التركيبية الكبيرة فتحت طريقًا جديدًا لما أصبح يسمى اليوم بالفن القائم على التجربة والمشاركة. واستشهد بمعرضها الأخير في متحف لودفيغ بمدينة كولونيا، الذي ضم أكثر من ثلاثمئة عمل وحقق أعلى إقبال في تاريخ المتحف.

وكتبت فيكتوريا ميرو وغلين سكوت رايت، اللذان عملا معها ثلاثة عقود، أن العالم فقد «قوة إبداعية ثورية حقًا»، وأن رؤيتها الفنية غيرت مشهد الفن البصري، مؤكدين أن أثرها سيبقى عميقًا في حياة ملايين الناس.

وتواصل الصحافة العالمية الوقوف عند رحيلها بعبارات تكشف اتساع أثرها؛ رأت «واشنطن بوست» أن أعمالها الغريبة والمنومة نقلتها من شبه المجهول إلى أهم متاحف العالم، بينما قدمتها «الغارديان» كفنانة يابانية بدأت من موقع الهامش وانتهت نجمة عالمية. أما وكالة أسوشيتد برس فرأت أن النقاط التي ملأت عالمها لم تعد مجرد علامة شخصية، فقد دخلت بها كوساما الذاكرة البصرية للفن المعاصر.

ستة أعمال تقرّب عالم كوساما

في نيويورك عرضت كوساما لوحات كبيرة سمتها "شبكات اللانهاية" غطتها آلاف الأقواس البيضاء الصغيرة المتكررة. لوحة بلا مركز ولا بداية واضحة أو نهاية. كانت ترسم ساعات طويلة كل يوم. هنا ظهرت فكرتها الأساسية مبكرًا: الجزء الصغير يتكاثر، والحدود تختفي، وتترك العين تبحث عن نهاية غير موجودة.

في عملها "التراكم رقم 1" فقد غطت كرسيًا عاديًا بعشرات الأشكال القماشية المحشوة الشبيهة بالقضبان. وبذلك حولت شيئًا منزليًا مألوفًا جدًا إلى جسم غريب ومقلق. وهذا العمل ارتبط بخوفها من الجنس والجسد، لكنها واجهت الخوف بتكرار صورته حتى أفقدته سلطته، وفعلت ذلك مع أشياء كثيرة كحقيبة السفر ورفوف الكتب وحتى الماوس الصغير للحاسوب، وهنا أدخلت الهوس إلى النحت، ولم يعد محصورًا في لوحة معلقة.

أما في "حقل القضبان" فقد وضعت مئات الأشكال القماشية داخل غرفة تحيط بها المرايا. انعكس كل شيء مرارًا، وبدا العدد بلا نهاية. كانت هذه أول «غرفة مرايا للانهاية» عند كوساما. أصبح المشاهد يمكنه أن يكون داخل العمل نفسه، وصار التكرار الذي كانت ترسمه على سطح اللوحة فضاءً يحيط بالجسد من الجهات كلها، وقد تتغير الإضاءة وتتغير الصدمة ولأحاسيس.

وفي عملها "محو الذات" غطت كوساما الأجساد والأثاث والحيوانات والنباتات بالنقاط، حتى أصبح من الصعب فصل الإنسان عن محيطه. النقطة هنا وسيلة لمحو الفروق بين الأشياء. خرج فنها إلى الطبيعة والجسد والتصوير والأداء، واتضحت فكرتها عن ذوبان الذات داخل عالم أكبر منه ويمكنه أن يمحوه.

من أشهر أعمالها "القرع"، وقد ظهر القرع في رسومات طفولتها ثم عاد بقوة في أعمالها المتأخرة والباحث عن أعمالها المنتشرة في مئات المواقع والقنوات سيلمس أن كوساما أحبت القرع رغم بساطته ومنحته قداسة ساحرة. وصار واحدًا من أكثر رموزها شهرة، وكأنها جمعت من خلاله ذاكرة طفولتها بالطبيعة والتكرار والمرح.

ومنذ 2021 وإلى سنواتها الأخيرة عادت إلى الرسم بكثافة، مستخدمة الوجوه والعيون والخلايا والنقاط والأشكال المتشابكة والألوان الصريحة. لم تتخل عن عالمها القديم، لكننا نشعر أنها أعادت تركيبه. واستمرت ترسم حتى أيامها الأخيرة، وكأن مشروعها الطويل امتداد آخر للحياة دون خاتمة أو نهاية، وهذا يبدو جليا في عملها "كل يوم أصلي من أجل الحب".

الفن سببًا للحياة

بالتزامن مع معرضها الاستعادي في أشهر متحف بهونغ كونغ، كانت يايوي كوساما في الثالثة والتسعين وقالت: «أرسم يوميًا»، وإنها ستواصل خلق عالم يحتفي بالحياة ويحمل رسائل الحب والسلام والكون. وعندما سئلت عن الفرق بين أعمالها القديمة والجديدة أجابت: «لا أشعر بفرق بين ما أبدعته سابقًا وما أبدعه الآن. أفكاري لا تنفد، ولذلك سأواصل تقديم أشياء جديدة".

رفضت كوساما أيضًا وضع تجربتها تحت تأثير أسماء فنية أخرى، رغم معرفتها بفنانين كثيرين. قالت: «لم أتأثر بأحد»، وأضافت أنها أمضت زمنًا طويلًا في بناء ذاتها وأنها تؤمن بأنها ولدت فنانة.

ويستعيد الحوار نصًا كتبته سابقا عن رسام فرنسي ناجح استصغر أعمالها ونصحها بالنظر إلى تجارب فنانين آخرين. جاء ردها عنيدًا: كانت مسحورة بالنقاط، ومستعدة لمواجهة بيكاسو أو ماتيس «بنقطة واحدة»، ثم أعلنت: «سأراهن بكل شيء على النقاط والشبكات وأتمرد على التاريخ".

ولم يكن تمردها محصورًا في اللوحة. وخلال إقامتها في نيويورك نظمت في الستينيات عروضًا واحتجاجات ضد حرب فيتنام ومن أجل الحقوق الجنسية، واستخدمت الجسد والشارع جزءًا من فعلها الفني.

وعندما سئلت في شيخوختها إن كان على الفنان محاولة تغيير العالم، عادت إلى الفكرة التي ظلت ترددها: الحب والسلام. ظلت تؤكد أن مهمة الفنان إيصال ذلك إلى الذين يعانون ولا يستطيعون الوصول إلى متعة الفن، وتعهدت بأن تواصل الإبداع كي تترك للأجيال الشابة رسالة واحدة: «الحب إلى الأبد». هكذا ختمت ذلك اللقاء الذي لم يكن طويلًا.

 فنانة متعددة الروافد

يصعب اختصار تجربة امتدت أكثر من سبعة عقود في مجموعة محدودة من الأعمال، فإنتاج يايوي كوساما واسع ومتنوع، وانتقل بين الرسم والنحت والتركيب وفن الأداء والسينما والكتابة. ومن الأعمال التي تساعد على تتبع رحلتها: سلسلة «شبكات اللانهاية»، و«التراكم رقم 1»، و«غرفة مرايا اللانهاية ـ حقل القضبان»، و«محو الذات»، وسلسلة «أصلي من أجل الحب".

ولم تكن كوساما فنانة تشكيلية فقط؛ كتبت الرواية والشعر والسيرة والنصوص الفنية. من أشهر كتبها سيرتها «شبكة اللانهاية: السيرة الذاتية ليايوي كوساما»، ورواية «شارع كريستوفر للأعمال القذرة»، و«كهف المحتالين في شارع كريستوفر»، إلى جانب مجموعات شعرية ونصوص وبيانات كتبتها خلال مراحل مختلفة من حياتها.

وتراكم حول تجربتها عدد كبير من الدراسات والكتب. من المراجع المهمة كتاب «يايوي كوساما: 1945 إلى الآن»، الصادر عن معرض متحف إم+، وكتاب «يايوي كوساما: شبكات اللانهاية» لميدوري يامامورا، وكتاب «يايوي كوساما» للورا هوبتمان وأكيرا تاتيها تا وهانا شيميزو، إضافة إلى كتب وكتالوجات أصدرتها تيت ومتحف ويتني ومؤسسات فنية أخرى.

ولا يحتاج من يريد الاقتراب من عالم كوساما إلى الاكتفاء بالكتب. تنتشر على الإنترنت مئات المقالات والمقابلات، كما يسهل العثور على مئات المقاطع المصورة والأفلام الوثائقية القصيرة التي تتيح مشاهدة لوحاتها ومنحوتاتها وغرف المرايا وعروضها ومعارضها. وهذه المشاهدة مهمة، لأن الكلمات وحدها لا يمكنها أن تنقل تجربة قامت أساسًا على اللون والضوء والتكرار والانعكاس وحضور المشاهد داخل العمل.

4