تبييض الذاكرة الأميركية.. سميثسونيان في مواجهة ترامب

صراع على رواية التاريخ: المتحف بين استقلال المعرفة وضغوط السلطة
الاثنين 2026/09/14
متحف يدافع عن تاريخ أميركي أكثر اتساعًا

أعلن المؤرخ الأميركي لوني بانش، في 8 سبتمبر 2026، أنه سيتقاعد من منصبه أمينًا لمؤسسة سميثسونيان في نهاية العام، بعد سبع سنوات في قيادتها وأكثر من 38 عامًا من العمل فيها. وكان أول أميركي أسود وأول مؤرخ يتولى هذا المنصب، ويعود إليه الفضل في تأسيس المتحف الوطني لتاريخ وثقافة الأميركيين الأفارقة، وله منجزات كثيرة مهمة.

وقد أكد بانش أن الوقت حان لرحيله، مع إقراره بأن الفترة الأخيرة كانت مرهقة جدًا ومليئة بالتحديات الكبرى، وأعلن مجلس الأمناء أنه سيختار أمينًا بالوكالة ويبدأ بحثًا وطنيًا عن خليفته.

لكن رحيله يأتي وسط مواجهة متصاعدة بين مؤسسة سميثسونيان وإدارة الرئيس دونالد ترامب حول الطريقة التي تعرض بها متاحفها التاريخ الأميركي.

الرؤية الرسمية

تتهم الإدارة الأميركية هذه المؤسسة بأنها تقدم التاريخ من منظور يركز على العبودية والعنصرية والاضطهاد والعدالة الاجتماعية، وترى أن ذلك يضعف الرواية الوطنية ويقدم صورة سلبية وسيئة عن الولايات المتحدة. وفي يوليو أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا جديدًا طالب فيه بسرعة اتخاذ إجراءات لـ«استعادة الثقة» في سميثسونيان.

وتريد الإدارة الترامبية مراجعة المعارض والنصوص والمواد التعليمية والمحتوى المنشور على وسائل التواصل، وفحص طريقة تقديم التاريخ وضرورة أن تنسجم مع ما تسميه «المثل الأميركية». وبدأت المراجعة بثمانية متاحف رئيسية، بينها متحف التاريخ الأميركي ومتحف تاريخ وثقافة الأميركيين الأفارقة ومعرض الصور الوطني.

كما أمر ترامب بوضع لافتات خارج متحف التاريخ الأميركي تنبه الزائر إلى وجود معلومات تعتبرها الإدارة غير دقيقة، وطالب بتصحيح طريقة عرض تاريخ مؤسسي البلاد والموقعين على إعلان الاستقلال.

أما بانش فإنه يدافع عن تاريخ أكثر اتساعًا وتعقيدًا، ويرى أن البحث العلمي يجب أن يبقى مرجع المؤسسة. ويؤكد أن سميثسونيان ترفض أن تغير معارضها استجابة للضغط السياسي. لذلك يتجاوز الخلاف شخص بانش، كونه يدافع عن ضرورة بقاء المتحف مستقلًا في بحثه وعرضه، وليست وظيفته تقديم التاريخ بالصورة التي تريدها السلطة الحاكمة.

ذاكرة أميركا بين المعرفة والفن والتاريخ

من أجل فهم خطورة ما يحدث، فسيكون من المهم أن نتعرف على مؤسسة سميثسونيان في واشنطن، والتي تأسست في 10 أغسطس 1846 بقانون أقره الكونغرس ووقعه الرئيس جيمس بولك، اعتمادًا على وصية العالم البريطاني جيمس سميثسون، الذي ترك ثروته للولايات المتحدة لإنشاء مؤسسة غايتها «زيادة المعرفة ونشرها». ورغم أن سميثسون لم يزر الولايات المتحدة في حياته، لكن وصيته أسست واحدة من أضخم المؤسسات الثقافية والعلمية في العالم.

وتضم سميثسونيان اليوم 19 متحفًا وحديقة الحيوان الوطنية، إلى جانب مراكز للبحث والتعليم ومكتبات وأرشيفات. وتشمل مجالاتها التاريخ الأميركي، وتاريخ الأميركيين الأفارقة، والهنود الأميركيين، والفنون الأميركية والأفريقية والآسيوية، والطيران والفضاء، والتاريخ الطبيعي، والتصميم، إلى جانب علوم البيئة والفلك والأحياء. وتقدر مجموعاتها بنحو 157 مليون قطعة وعمل فني وعينة، فضلًا عن ملايين الكتب والوثائق والمواد الرقمية. والدخول إلى متاحفها في واشنطن مجاني.

ووظيفة سميثسونيان ليست عرض القطع القديمة فقط؛ فهي تجمع وتحفظ وتدرس وتنظم المعارض، وتمول الكثير من الأبحاث، وتوفر مواد تعليمية، وتنشر المعرفة رقميًا، وتتيح أجزاء واسعة من مجموعاتها للاستخدام العام. وتعمل داخل الولايات المتحدة وخارجها في مجالات حماية التراث والتنوع الطبيعي والثقافي.

وتؤكد المؤسسة أن سياستها تقوم على استقلالها وعدم انحيازها الحزبي، رغم ارتباطها بالكونغرس وتمويل جزء كبير منها اتحاديًا. ويديرها مجلس أمناء يضم مسؤولين سياسيين ومواطنين، ويتولى الأمين العام إدارتها التنفيذية. وتقول رؤيتها الحالية إنها تريد مساعدة الأميركيين والعالم على فهم المستقبل من خلال الفن والتاريخ والعلم والثقافة.

ماذا سيبقى من المتحف

إذا نُفذت خطط الرئيس دونالد ترامب تجاه مؤسسة سميثسونيان، فلن يكون التغيير مجرد تبديل عناوين بعض المعارض أو إضافة تمثال لجورج واشنطن. نحن أمام احتمال تغيير وظيفة المتحف نفسه وتغيير شامل لوظائفه، فالمؤسسة تؤمن بأن المتحف هو المكان الذي يبحث في التاريخ ويعرض تناقضاته، وترامب يريده أن يكون مكانًا يقدم رواية وطنية منتقاة، تحتفي بالبطولة والانتصار وتدفع بصفحات العبودية والعنصرية والإقصاء إلى الخلف ومحوها إن أمكن.

وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح في تصريحات ترامب الأخيرة. فهو يكرر وينتقد ما يراه تركيزًا مفرطًا على «المضطهدين»، ويريد معرضًا يمتد خمس سنوات لجورج واشنطن وتمثالًا ضخمًا له، كما يأمر باستبدال مركز التاريخ التصالحي بمركز للأبطال الأميركيين البيض. وكانت إدارته قد بدأت مراجعة معارض ومحتويات عدد من متاحف سميثسونيان، ضمن سعيها لإزالة ما تسميه «الأيديولوجيا المعادية لأميركا».

المشكلة بالتأكيد ليست في الاحتفاء بواشنطن أو غيره من مؤسسي الولايات المتحدة. فواشنطن شخصية لا يمكن حذفها من التاريخ الأميركي. المشكلة تبدأ عندما يصبح الاحتفاء به وسيلة لإضعاف حضور تاريخ آخر. فواشنطن قائد الثورة وأول رئيس للبلاد، لكنه كان أيضًا مالكًا للعبيد. المتحف الجاد لا يحتاج إلى أن يُسقط بطولته ولا أن يخفي عبيده؛ يعرض الاثنين لأن صدقية التاريخ تأتي عندما لا ينقص من صفحاته الأجزاء المؤلمة.

وقد حذرت الجمعية التاريخية الأميركية من هذا المسار بوضوح، واعتبرت أن هذا التدخل السياسي يهدد مصداقية التفسير التاريخي والثقة العامة، وأن مطالبة المتاحف بتقديم رواية احتفالية عن «الاستثنائية الأميركية» تجعل مساحة التجارب ضيقة وتمحو جزءًا من تاريخ البلاد.

وهنا يصبح وضع الأميركيين السود شديد الحساسية. فالعبودية ليست هامشًا في تاريخ الولايات المتحدة، كما أن تاريخ السود لا ينحصر في العبودية.

هناك الأدب والموسيقى والفن والدين والسياسة والعلوم وحركات التحرر والمقاومة والحياة اليومية. وقد جسد المتحف الوطني لتاريخ وثقافة الأميركيين الأفارقة جوانب كثيرة من هذا الاتساع؛ فمجموعاته تضم أشياء مرتبطة بهارييت توبمان وإيميت تيل ولويس أرمسترونغ وتشاك بيري، ووصل عدد زواره منذ افتتاحه إلى نحو أربعة عشر مليونًا.

لذلك فإننا إذا دفعنا بتاريخ الاضطهاد إلى الهامش فنحن نحرق وثائق هامة حتى وإن لم نغلق المتحف، وتسعى السلطة إلى عمل تغيير في طريقة ترتيب وشرح الأشياء، وأن تكون الوطنية الأمريكية البيضاء في المركز وما سواها تذهب إلى الأطراف.

لوني بانش بنى جزءًا كبيرًا من مشروعه على فكرة أن تجربة السود ليست قصة منفصلة عن أميركا، وإنما جزء من تكوين أميركا نفسها. وعند إعلان تقاعده، تصبح المسألة أكثر خطورة لأن اختيار خليفته سيأتي في لحظة ضغط سياسي مباشر.

إذا أصبح الأبيض هو البطل، والانتصار، والدولة هي مركز الرواية الوحيد، فنحن سوف نخسر ذاكرة السود، وكذلك سنخسر إمكانية فهم أميركا نفسها وتاريخها الكامل. فالمتحف الذي يخفي جراح الأمة فإنه يصنع ماضيًا مزورًا قد يريح السلطة، لكنه سيفقد إنسانيته.

الأبيض نموذج بطولي مشرق

في تقديري، إن ما يحدث في الولايات المتحدة لن يظل شأنًا أميركيًا خالصًا، لأن أثر هذه السياسة سوف يتجاوز حدودها سريعًا. ويصبح تخفيف حضور العبودية والعنصرية والعنف جزءًا من سياسة رسمية تجاه المتاحف والذاكرة حول العالم، وسوف تجد دول أوروبية كبرى ذات ماضٍ استعماري ثقيل في هذا الاتجاه ذريعة لإعادة تقديم تاريخها بصورة أكثر بياضًا وأقل إزعاجًا. وبالتأكيد سوف يمتد هذا الأثر إلى البلدان التي عانت من الاستعمار نفسها، فتتردد في استعادة ذاكرتها أو الحديث عن ضحاياها حتى لا تصطدم بالمناخ السياسي الأميركي الجديد.

الخطر هنا لم يعد يتعلق بحذف واقعة واحدة، وإنما بإعادة ترتيب الذاكرة الإنسانية كلها وإبراز الأبيض كنموذج مشرق وبطولي، وتهميش كل ما يكشف عن الاستعباد والاستعمار والعنصرية والعنف. ما يحدث حاليًا تنظيف التاريخ من ضحاياه، وتجميله ليصبح أكثر راحة للسلطة وأقل وفاءً للحقيقة.