ريف كوهين.. ذاكرة جربة وتلمسان واليمن وباريس

صوت عبري عابر للغات يلتقي فيه الشانسون الفرنسي بالموسيقى المغاربية واليمنية
الأربعاء 2026/09/09
تجربة فنية تكشف تداخل الذاكرة اليهودية

تأتي هذه المادة ضمن كتابي الثاني عن يهود اليمن وتراثهم وما يحيط بهذا التراث من حراك ثقافي وفني. لذلك لم أحصر الكتاب في الفنانين والفنانات من أصول يمنية، وإنما دخلت إليه أصوات عربية وسفاردية وحتى أشكنازية، فحضورها يساعدنا على فهم هذا المناخ المتنوع، وكيف خرجت الموسيقى اليهودية اليمنية من حدود الجماعة، والتقت بأصوات وذاكرات وتجارب أخرى داخل الثقافة الإسرائيلية المعاصرة.

ومن هذا الباب تأتي ريف كوهين؛ فهي ليست من أصول يمنية، وإنما تحمل ذاكرة تونسية جزائرية فرنسية، لكنها التقت منذ بداياتها برفيد كحلاني، أحد الأصوات التي أعادت قراءة الجذور اليمنية داخل موسيقى منفتحة على إفريقيا والجاز والفانك.

تونس والجزائر واليمن

من أجمل المداخل إلى عالم ريف صورة فتاة من جربة (جنوب تونس) لم تكن تعرف أن صورتها ستعود بعد عقود على غلاف ألبوم موسيقي لحفيدتها.

اسم الفتاة فورتونا، جدة ريف من جهة الأب، وكانت في الرابعة عشرة حين التقطت لها صورة قبيل زواجها. ظهرت الصورة لاحقًا على غلاف النسخة الإسرائيلية من ألبوم ريف الأول، بينما ظهرت الحفيدة على النسخة الفرنسية في هيئة تستعيد صورة جدتها، حتى الضفيرتان عادتا فوق رأسها. ولم تبق فورتونا مجرد صورة قديمة؛ كتبت عنها ريف أغنية «امرأة جالسة»، واستعادت شيئًا من عالمها: الملابس، ورائحة البيت، وزيت الزيتون والعادات والتفاصيل الصغيرة. كانت تونس موجودة في البيت قبل أن تصبح موضوعًا فنيًا.

ومن جهة الأم حضرت ذاكرة أخرى. تنحدر أسرة والدتها باتريسيا كوهين من تلمسان الجزائرية، وعاشت باتريسيا في فرنسا، فدخلت الفرنسية حياة ريف من البيت ثم أصبحت بعد ذلك لغة أساسية في أغانيها. وكانت الأم تكتب الشعر، وأخذت الابنة عددًا من نصوصها وحولتها إلى أغانٍ. وهكذا فإن الجدة تركت الصورة والذاكرة، وكتبت الأم الكلمات، وأخذت الحفيدة هذا كله إلى اللحن والغناء والصورة ونقلته للعالم.

ولدت ريف كوهين في تل أبيب سنة 1984، ودرست علم الموسيقى في جامعة تل أبيب، ثم حصلت على منحة قادتها إلى باريس. لم تفتح لها المدينة أبواب النجاح سريعًا؛ عرضت موسيقاها على شركات إنتاج فرنسية ولم تجد في البداية المساحة التي أرادتها، فعادت إلى تل أبيب وواصلت العمل بطريقتها. وكانت قد مرت بمرحلة كتبت فيها موسيقى هادئة قامت على البيانو، ثم اكتشفت تدريجيًا أن شخصيتها تحتاج إلى الإيقاع والحركة ومزيج أوسع من المؤثرات.

ومن هذه الرحلة خرجت أغنية «إلى باريس» سنة 2012، ثم حمل ألبومها الأول الاسم نفسه. كانت الأغنية خفيفة وسريعة الالتصاق بالذاكرة، لكن تركيبها كشف العالم الذي أخذت ريف تبنيه بهدوء من روك وبوب ولهجة فرنسية قادمة من البيت، إلى جانب العود والإيقاعات المغاربية وأصداء الراي والغناوة.

 

الكتاب يكشف كيف خرجت الموسيقى اليهودية اليمنية من حدود الجماعة والتقت بأصوات وذاكرات وتجارب أخرى معاصرة

وفي هذه البداية ظهر رفيد كحلاني. لم يأت مؤسس «يمن بلوز» إلى تجربتها بعد اكتمال شهرتها؛ شاركها «إلى باريس» وظهر معها في المقطع المصور. كان اللقاء طبيعيًا؛ ريف لم تحاول أن تصبح مغنية يمنية، ورفيد لم يدخل عالمها ليمنحه مجرد زينة شرقية. كلاهما كان يعمل داخل موسيقى تستفيد من الجذور ثم تفتحها على أصوات أخرى. جاءت هي من جربة وتلمسان وفرنسا، وجاء هو من الذاكرة اليمنية ومن الإيقاعات الإفريقية والجاز والفانك.

الصوت والصورة

يصعب فصل صوت ريف كوهين عن شخصيتها في الكتابة والتلحين. فهي لم تعتمد على قوة الحنجرة أو الاستعراض، وإنما تترك للجملة الموسيقية والإيقاع والكلمة مساحات متقاربة. صوتها حاد أحيانًا، وخفيف وساخر أحيانًا أخرى، وتستخدم التكرار وتغيير النبرة والهمس والصيحات القصيرة في بناء الأغنية.

في «إلى باريس» ظهر مبكرًا ميلها إلى الجملة التي تعلق سريعًا في الأذن من دون تعقيد لحني زائد. جاءت الفرنسية مرنة فوق إيقاعات تستعير من شمال إفريقيا والروك والبوب، فلم تعد اللغة الفرنسية تقود بالضرورة إلى الشانسون بصورته المألوفة.

ولا نستطيع فهم عالم ريف كاملاً بالاستماع وحده، فمنذ مقاطعها الأولى اهتمت بما يحدث أمام الكاميرا: الملابس، واللون، وحركة الجسد، وتعابير الوجه والمكان والمبالغة المقصودة أحيانًا. ويتضح ذلك في «للأسف»، حيث تتحول حكاية امرأة تحاول جذب انتباه رجل إلى مشهد ساخر متحرك؛ تتزين وتنتظر وتغضب وتسافر وتمارس اليوغا، ثم تستعيد حياتها بعيدًا عنه ولا تأبه به عندما يقع في حبها باللقاء الثاني.

الجسد والصورة يؤديان هنا جزءًا من السرد، ولذلك تقترب بعض مقاطعها من الفيلم الموسيقي القصير، حيث تتعاون الموسيقى مع التمثيل والمونتاج لخلق شخصية يمكن أن تكون هزلية ومجروحة ومتمردة في اللحظة نفسها.

المرأة والذاكرة العائلية

تظهر في أعمال ريف المتأخرة امرأة أكثر وضوحًا في حديثها عن العلاقات والأسرة والأمومة والحياة اليومية والحب. وتشير المواد المتاحة إلى انفصالها عن زوجها ومرورها بتحول شخصي، لكن لا نملك ما يكفي للحكم على زواجها نفسه. ما يمكن تتبعه فنيًا هو انتقال نبرتها إلى مساحة أشد استقلالًا واعترافًا بالضعف والقلق والرغبة في استعادة الذات، وأن المرأة يمكن أن تكون كاملة بوحدها.

تصبح السخرية وسيلة لقول أشياء ثقيلة بخفة، ولا تظهر المرأة منتظرة خلاصًا يأتيها من الخارج؛ يمكنها أن تتعثر وتغضب وتضحك من نفسها ثم تواصل السير.

وهذا الحضور النسائي يبدأ أصلًا من العائلة. فورتونا تركت الصورة والحكايات، وباتريسيا كتبت كثيرًا من الكلمات الفرنسية، والابنة حولت بعض نصوص أمها إلى أغنيات. وعندما استعادت هيئة جدتها على غلاف الألبوم الفرنسي لم تكن تقلدها، وإنما أعادت صورتها داخل زمن آخر. لدينا هنا سلسلة إبداعية بين ثلاثة أجيال: جدة بقي أثرها، وأم كتبت، وابنة أعادت تركيب هذا الميراث بالصوت والصورة.

المغرب العربي داخل الموسيقى

تظهر جربة وتلمسان وشمال إفريقيا في موسيقى ريف من خلال الإيقاع والنبرة والآلات وطريقة تركيب الأغنية أكثر مما تظهر عبر إعلان متكرر عن الهوية. في «مع النعناع» وأعمال مثل «مراكش» تتسع الألوان المغاربية وتلتقي بالبوب والروك والراي والغناوة. وهي لا تعيد أغنية تونسية أو جزائرية قديمة بحذافيرها، وإنما تأخذ عناصر تعرفها وتضعها في بنية تخصها.

ولهذا يصعب وصف موسيقاها بأنها تونسية أو جزائرية أو فرنسية وحدها. جاءت من أسرة موزعة الذاكرة بين كل هذه الأمكنة، فأصبح التداخل نفسه مادة للتأليف، وليس مشكلة تحتاج إلى حل أو هوية واحدة ينبغي اختيارها.

رفيد كحلاني: لقاء باليمن

هنا يصبح وجود ريف مهمًا بصورة خاصة في سياق هذا الكتاب. بعد نحو أربعة عشر عامًا من لقائهما الأول، اجتمعت ريف ورفيد كحلاني في 4 أغسطس 2026 مع الأوركسترا الأندلسية الإسرائيلية في أشدود ضمن عرض «مدينة، صحراء، غروف»، بإدارة موسيقية لإلعاد ليفي. اتسعت المساحة هذه المرة للموسيقى المغاربية واليمنية والإفريقية والبيوط والإيقاعات الحديثة، وصار ما بدأ قبل سنوات داخل أغنية لقاءً موسيقيًا أوسع.

لا تحتاج هذه الشراكة إلى تحويل ريف إلى فنانة يمنية حتى تصبح مهمة لنا. الأهم أننا نرى كيف يعمل موسيقي يمني الجذور داخل مشهد تتجاور فيه الأندلس والمغرب وإفريقيا وفرنسا والشرق الأوسط من دون أن يفقد خصوصيته، وكيف تدخل الموسيقى اليمنية في الحوار ليس باعتبارها أثرًا محفوظًا فقط، وإنما مادة حية قابلة للقاء والتجدد.

نجاح «إلى باريس» وحرية الفنانة

كان من السهل بعد نجاح «إلى باريس» أن تتحول ريف إلى تكرار للصيغة نفسها: الفرنسية المرحة، والإيقاع الشرقي، والمقطع المصور الغريب. لكنها لم تجعل نجاح الأغنية قيدًا دائمًا. تغيرت أعمالها، وازدادت العبرية في مراحل لاحقة، ودخلت لقاءات مع موسيقيين وأوركسترات ومشروعات مختلفة.

الفنانة استفادت من أصولها التونسية الجزائرية ومن موسيقى الشرق في إيقاعات تستعير من شمال إفريقيا والروك والبوب

كما أصبحت إصداراتها أقل انتظامًا من سنوات الانطلاقة، لكن الحفلات والتعاونات بقيت مستمرة. تبدو المسيرة أقرب إلى اختيار فنانة لم تعد مضطرة إلى إثبات وجودها بأغنية جديدة كل بضعة أشهر؛ تكتب حين تملك مادة، وتعيد توزيع أعمالها، وتدخل تجارب جماعية، وتحافظ على مساحة شخصية خارج سباق الحضور اليومي.

انفتاح عربي يتجاوز استعارة الإيقاع

أصبح حديث ريف عن علاقتها بالمحيط العربي أكثر وضوحًا، وتحدثت عن مستمعين مسلمين يتابعون أعمالها وعن قرب الإسرائيليين من الثقافة العربية. ولهذا الكلام جذور داخل سيرتها نفسها، كونها تحمل ذاكرة تونسية من جهة الأب، وجذور جزائرية فرنسية من جهة الأم، وموسيقى تستعمل العود والإيقاعات المغاربية، ورفاق موسيقيون يتحركون بين اليمن والمغرب وإفريقيا.

لذلك لا يبدو الشرق عندها خلفية صوتية جاهزة. وحتى عندما تغني بالفرنسية تبقى الجملة الإيقاعية قادرة على حمل المستمع بعيدًا عن باريس. هذه المساحة لا تلغي واقع الصراع، لكنها تكشف فنانة لا ترى الثقافة العربية شيئًا خارجيًا؛ فهي موجودة أصلًا داخل جزء من تكوينها العائلي والموسيقي.

لماذا ريف كوهين في كتاب عن يهود اليمن؟

وجود ريف كوهين يوسع زاوية النظر ولا يغير موضوع الكتاب. فنحن لا نبحث فقط عن قائمة فنانين يحملون أصولًا يمنية، وإنما نحاول فهم المجال الثقافي الذي تحرك داخله تراث يهود اليمن وتفاعل وتغير. في هذا المجال يلتقي رفيد كحلاني بريف كوهين، وتقف الأوركسترا الأندلسية خلفهما، وتدخل الموسيقى اليمنية في حوار مع جربة وتلمسان والغناوة والروك والفرنسية.

ومثل هذه اللقاءات تفسر جانبًا من قدرة التراث اليمني على الخروج من حدود الجماعة من دون أن يختفي داخل الآخرين. ريف مثال مهم لأن حضور اليمن في تجربتها يأتي عبر اللقاء الإبداعي لا عبر النسب، وهذا أحد الوجوه التي يحاول هذا الكتاب تتبعها.

وما تزال ريف كوهين تتحرك وتبحث. فبعد لقائها مع رفيد كحلاني والأوركسترا الأندلسية في أشدود، واصلت تجربتها مع الأوركسترا ضمن «الجلسات الأندلسية»، وعادت أغانيها في توزيعات تفتحها على صوت الآلات الأندلسية الحية. وبعد سنوات من «إلى باريس» تبدو أقل انشغالًا بتكرار نجاح قديم، وأكثر ميلًا إلى اختبار أغانيها في صحبة موسيقيين وعوالم جديدة.

ومن خلالها نرى طرفًا آخر من المشهد الذي تتحرك فيه الموسيقى اليهودية اليمنية اليوم: جربة وتلمسان وفرنسا والمغرب وإفريقيا تلتقي باليمن عبر الموسيقيين والعروض والأوركسترات، من غير حاجة إلى إذابة الفروق بين هذه الذاكرات. وربما تكمن قيمة هذه اللقاءات في أنها لا تبحث عن أصل واحد يجمع الجميع، وإنما تترك لكل ذاكرة صوتها، ثم تتيح لهذه الأصوات أن تلتقي.

4