الذكاء الاصطناعي يعيد كتابة قواعد الإبداع الموسيقي

من يؤلف الأغنية حين تتقاسم الآلة والإنسان صناعة الموسيقى؟
الأحد 2026/09/20
الموسيقى أمام تغيير جذري

يضع الذكاء الاصطناعي التوليدي الموسيقى أمام أسئلة تتجاوز جودة الصوت إلى معنى الإبداع والتأليف والتعبير والمسؤولية. فمع قدرة الخوارزميات على إنتاج أغانٍ متماسكة خلال وقت قصير، تتغير علاقة الفنان بالآلة، وتبرز قضايا الأصالة وبيانات التدريب وحقوق أصحاب الأعمال، فيما يظل السؤال مفتوحًا حول مستقبل الموسيقى في عصر الإنتاج اللامحدود.

لم تعد الموسيقى التي يصنعها الذكاء الاصطناعي تجربة تقنية هامشية أو لعبة عابرة، كونها أصبحت قضية تناقش بجدية في أنحاء العالم، خصوصًا بعد أن بات ممكنًا إنتاج أصوات وأغانٍ يصعب أحيانًا تمييزها عن الأداء البشري.

ومن النماذج المثيرة للجدل النسخة التي قدمها جوش فواز من أغنية مادونا الشهيرة «لايك أ براير»، بعدما استُخدم الذكاء الاصطناعي في توليد الغناء والطبول، ووصلت الأغنية إلى الإذاعات الأسترالية وحصدت ثلاثة وعشرين مليون مشاهدة على قناته يوتيوب. وقد أثارت نقاشًا حول حدود العمل البشري وضرورة الكشف عن تدخل الآلة.

هذه الوقائع تضعنا أمام مشكلة لم تعد قابلة للتأجيل، أي متى يكون الذكاء الاصطناعي أداة تساعد الموسيقي، ومتى يصبح هو المنتج الفعلي للموسيقى؟ وهل يكفينا أن نستمتع بجودة صناعة الأغنية ونقبلها بصرف النظر عن الطريقة التي صُنعت بها؟

لفهم هذا الجدل العالمي بين القبول والرفض، اخترنا دراسة حديثة جدًا للباحثة الكورية أون جي بارك، حاولت تفكيك هذه الأسئلة بعيدًا عن الانبهار بالآلة أو الخوف منها.

تغيير القواعد والمعايير

تطرح دراسة «هل تستطيع الآلات حقًا أن تصنع الموسيقى؟ نحو إعادة تعريف الإبداع في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي» للباحثة  أون جي بارك، من قسم علم الموسيقى في جامعة سيول الوطنية، والمنشورة في مجلة ال سوسيتي عام 2026، سؤالًا يبدو بسيطًا في بدايته لكنه يقودنا بعد ذلك إلى مشكلة أكثر تعقيدًا ويظهر سؤالاً آخر كبيرا وهو ماذا نعني أصلًا عندما نصف موسيقى أنتجها الذكاء الاصطناعي بأنها «إبداع»؟

تنطلق هذه الدراسة من واقع الأنظمة التوليدية ومدى قدرتها على إنتاج أغانٍ ومقطوعات متماسكة انطلاقًا من أوامر نصية قصيرة، ويمكن أن تشمل اللحن والإيقاع والهارموني... وصولاً إلى الغناء والبناء العام. لكن الباحثة لا تجعل جودة الناتج الصوتي دليلًا كافيًا على أن هذه الآلة أصبحت مؤلفًا موسيقيًا مبدعًا يجب أن نثق به ثقة عمياء. ولهذا سنجد أنها تفصل بين أربعة أمور كثيرًا ما تختلط في نقاشاتنا، وهي: الإبداع، والتأليف، والتعبير، والمسؤولية.

وتستعين الباحثة بمفهوم مارغريت بودن للإبداع، وخصوصًا الإبداع الذي يقوم على إعادة التركيب، لترى أن الأنظمة الحالية تستطيع بالفعل إنتاج تكوينات موسيقية جديدة بإعادة تنظيم الأنماط التي تعلمتها من الموسيقى البشرية. وقد تستكشف احتمالات أقل شيوعًا داخل المجال الذي تدربت عليه، لكنها لا يمكنها أن تصل بوضوح إلى «الإبداع التحويلي» والذي يغير قواعد المجال الموسيقي ومعاييره نفسها.

الموسيقى بالذكاء الاصطناعي
عصر موسيقي مختلف

أما الفارق الحاسم فيبقى أن هذا النظام لا يمتلك تجربة معيشة أو شعورًا ولا حتى ذاكرة ذاتية أو التزامًا بالتعبير عن نفسه. لذلك قد تنتج الآلة موسيقى تبدو حزينة أو مبهجة أو مؤثرة، من دون أن تكون هي حزينة أو مبهجة أو لديها رغبة في التعبير عن شيء.

ومن هنا تنقلنا الدراسة إلى سؤال يبدو مهمًا وهو: «هل الآلة مبدعة؟» إلى سؤال أدق وأهم: كيف تتوزع داخل الموسيقى التوليدية أدوار الإبداع والتأليف والمسؤولية بين النموذج، وبيانات التدريب، والمستخدم، والمنتج، والمنصة، والجمهور؟

لفهم أعمق هذه الدراسة سنتوقف مع عدة نقاط، نلخصها من الدراسة:

الإبداع ليس مفهومًا ثابتًا

تعود الدراسة إلى تاريخ مفهوم الإبداع وتحاول توضيح أنه لم يحمل معنىً واحدًا ثابتًا في جميع العصور والأمكنة. ففي مراحل سابقة كان يرتبط الإبداع بالإلهام والمحاكاة وإتقان الصنعة، ثم جاءت الرومانسية وربطته بما يسمى الأصالة والعبقرية الفردية والتعبير عن عالم داخلي خاص. وربما هذه العودة التاريخية مهمة كونها تكشف لنا بأن رفض إبداع الآلة قد يستند أحيانًا إلى تصور رومانسي، لكنه حديث نسبيًا وليس إلى تعريف ثابت للإبداع ظل قائمًا طوال تاريخ الموسيقى.

الموسيقى الخوارزمية سبقت الذكاء الاصطناعي

من المهم أن نعلم أن علاقة الموسيقى لم تبدأ مع الآلة مع الأنظمة التوليدية الحالية التي ظهرت مؤخرًا. وبشكل موجز ومكثف حاولت الدراسة أن تستعيد تاريخ التأليف الخوارزمي والموسيقى الحاسوبية، فقد استخدم مؤلفون القواعد والاحتمالات والإجراءات الحسابية لتوليد مواد موسيقية، وساعدهم النظام للوصول إلى بعض القرارات.

وتستشهد بتجربة ديفيد كوب الذي رأى أن الجديد يمكن أن ينشأ من إعادة تركيب عناصر وأساليب موجودة أصلاً. لذلك يمثل الذكاء الاصطناعي امتدادًا لكل هذا لكنه يتميز بأنه أكثر قوة وتعقيدًا لكل تلك المسارات التي بدأت قبل عقود.

الأوامر النصية ليست عزفًا على آلة تقليدية

تتوقف الدراسة عند طبيعة العلاقة بين المستخدم والنموذج. فكتابة أمر يطلب أغنية حزينة أو مقطوعة بأسلوب معين لا تشبه عزف إنسان على البيانو أو الغيتار، فالحركة البشرية هنا لا تتحول مباشرة إلى صوت كونها تأخذ وقتًا لتمتلك مهارة فنية وجسدية.

مع الذكاء الاصطناعي يدخل الأمر إلى نظام احتمالي واسع، ثم ينتج النموذج أحد الاحتمالات الممكنة أو تقديم عدة عروض. وترى الباحثة بوجود مسافة بين قصد المستخدم والنتيجة، وقد يحتاج إلى المحاولة والاختيار والحذف وإعادة التوجيه والتحرير.

بيانات التدريب جزء من العملية الإبداعية

من المهم أيضًا أن نفهم بأن هذه الأنظمة الموسيقى لا تنتج من فراغ، وإنما تتعلم من مجموعات هائلة من التسجيلات والممارسات الموسيقية البشرية السابقة. وهي تستخلص منها مادة موسيقية. لذلك تصف الدراسة الناتج بأنه مولد آليًا لكنه قائم على أساس بشري سابق. وهذه الصلة بالماضي الموسيقي تفسر قدرة النظام على إنتاج شيء مألوف ومتماسك، وهذا يفتح في الوقت نفسه أسئلة المصدر والاقتباس والاستحواذ.

التعبير الموسيقي لا يثبت وجود شعور

تميز الدراسة بدقة بين أن تبدو الموسيقى معبرة وأن يكون منتجها شاعرًا بما تعبر عنه. فقد يسمع الإنسان مقطعًا حزينًا أو متوترًا أو مرحًا بسبب أنماط موسيقية سمعها وأدرك دلالاتها. ومن ثم يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتج موسيقى تحمل صفات تعبيرية من دون أن يمتلك هو نفسه حزنًا أو فرحًا أو أي مشاعر. التعبير موجود هنا في البناء الصوتي وفي تلقينا كمستمعين، وكل هذا ليس دليلًا على وجود مشاعر وأحاسيس للآلة.

معنى الموسيقى قد يتجاوز ما نسمعه

لم تختزل الدراسة قيمة العمل في جمال صوته أو تماسكه وسلاسته وحنكة صناعته. فالمستمع قد يتأثر أيضًا بمعرفته للفنان الموسيقي، وبالسيرة الإنسانية المرتبطة بها، والجهد المبذول فيها، والظروف التي نشأت خلالها.

وقد تصبح قصة ولادة الأغنية جزءًا مهمًا من طريقة سماعها وشهرتها. ولذلك فإننا عندما نعرف أن مقطوعة ما مولدة بالذكاء الاصطناعي فهذه المعرفة ليست معلومة خارجية دائمًا أو عديمة الفائدة أو أنها ليست من شأن المستمع، كونها سوف تدخل في حكمنا عليها وفي إحساسنا بسؤال الأصالة.

لم يعد المؤلف شخصًا واحدًا يمكن تحديده بسهولة

تكشف الموسيقى التوليدية صعوبة الإجابة عن سؤال: من ألّف هذا العمل؟

ففي بعض الحالات يكون هناك فريق متعدد التخصصات كمصمم النموذج، وجامع بيانات التدريب، وكاتب الأوامر، الشخص الذي يختار الناتج، ثم قد يعاد ترتيبها ومزجها، وكذلك المنصة التي تتيح هذا النظام وتحدد شروط استخدامه. لذلك تقترح الدراسة مفهوم «التأليف الموزع»، فالنتيجة وخاصة في الأعمال الكبرى تتشكل عبر سلسلة من المساهمات البشرية والتقنية للوصول إلى نتيجة نهائية.

المسؤولية لا تختفي عندما يتوزع التأليف

دراسة أون جي بارك أهميتها تكمن في كونها لم تنشغل كثيرًا بالانبهار بما تستطيع الآلة إنتاجه، ولم ترفضه خوفًا من التقنية

تتوقف الدراسة عن المسؤولية في حال السطو على إبداع سابق أو إذا نتجت أغنية تحاكي صوت فنان، أو عندما يتم استخدام تسجيلات دون موافقة من أصحابها، فلا يكفي أن نتهم الذكاء الاصطناعي ونحمله المسؤولية كاملة. وتقترح الدراسة توزيع المسؤولية بحسب مساهمة وربح كل طرف.

الوفرة قد تغير قيمة الموسيقى نفسها

تثير الدراسة مسألة لا تتعلق بجودة الأغنية منفردة، وإنما بحجم الإنتاج وسرعته وكثرته. فالذكاء الاصطناعي يستطيع توليد كميات هائلة من الموسيقى بسرعة وكلفة منخفضة وبجهد محدود. وإذا أصبح الإنتاج قريبًا من اللانهاية، فقد تتغير الشروط التي تمنح العمل قيمته واهتمام الجمهور به. وهنا لا يمكننا أن نحصر المشكلة بسؤال حول جودة الأغنية فقط، ولكن ماذا يحدث لمعنى العمل والجهد والتدريب والدراسة عندما نصبح ننتج آلاف الأغاني بسهولة شديدة؟

التنظيم ضروري لكنه لن يحل المشكلة نهائيًا

تقترح الدراسة الشفافية، والإفصاح عن استخدام الأنظمة التوليدية، ومعرفة مصادر المواد، واحترام الحقوق الفكرية، وسرعة وضع آليات للتعويض. لكنها لا تقدم هذه الإجراءات كحل مضمون. فالأنظمة تتطور وتنتشر أسرع من قدرة المؤسسات على تنظيمها وتطبيقها، ويمكن أن يتم الغش وتجاوز القواعد أو إخفاء مصادر المواد. لذلك ترى أن علاقة الموسيقى بالذكاء الاصطناعي ستظل مجالًا حساسًا ومعقدًا.

في الختام نود أن نشير إلى أن أهمية دراسة أون جي بارك تكمن في كونها لم تنشغل كثيرًا بالانبهار بما تستطيع الآلة إنتاجه، ولم ترفضه خوفًا من التقنية، هي حاولت ضبط بعض المفاهيم التي أصبحنا نستخدمها بسرعة أمام ظاهرة تتغير كل يوم. والباحثة أون جي بارك تنتمي إلى قسم علم الموسيقى في جامعة سيول الوطنية. وتبقى قيمة هذه الدراسة في أنها تترك لنا أبوابًا كثيرة مفتوحة أمام أسئلة سوف تزداد صعوبة في السنوات المقبلة.

ومن وجهة نظرنا فربما سيكون التحدي الأكبر خارج الدراسات والقوانين نفسها. فعندما يستطيع شخص مثل جوش فواز أن يحصد عشرات ملايين المشاهدات على يوتيوب وتيك توك ومنصات أخرى بتجربة موسيقية يدخل الذكاء الاصطناعي في صناعتها، فإن نجاحه سوف يشجع بالتأكيد مئات المغامرين على خوض تجارب مماثلة. وحتى لو تسارعت القوانين وكثرت الدراسات، سيبقى نجاح هذه التجارب وانتشارها شيئًا يصعب تجاهله، وهنا ندخل فعلًا أمام تحدٍّ كبير قد تكون سرعة تطوره أكبر من قدرة القانون والبحث الأكاديمي والنقاشات الفكرية.

4