سبعة فنانين يستعيدون أوطانهم من جغرافيا الوجوه

"ربما يوجد أحد هنا"... معرض في رومانيا يحوّل الذاكرة والمنفى وأسئلة الهوية إلى لغة بصرية عابرة للحدود
الاثنين 2026/07/20
الوجوه خرائط للغياب

 استقبلت قاعة After5 Art Space في رومانيا مؤخرا المعرض الفني التشكيلي "ربما يوجد أحد هنا" والذي جمع فنانين مغتربين مقيمين في أوروبا احتوتهم ثقافات متنوعة وتكاملت مع أعمالهم وبحثهم التجريبي، ضمن إحساس مشترك بالإنسان بالذاكرة بالهوية والانتماء للفن والبحث والتأمل في كل تفاصيله الباحثة عن معنى الوجود في عالم دائم التغير.

وضم المعرض الفنانين إبراهيم برغود (سورية النمسا)، يونس العزاوي (العراق ألمانيا)، كريم سعدون (العراق السويد)، سهف عبدالرحمان (سورية النمسا)، لايانا تيونا (السنغال رومانيا)، أنمار موران (العراق سويسرا)، ماريا بليا من رومانيا.

وقد شكّل العنوان، المستوحى من سلسلة أعمال التشكيلي سهف عبدالرحمن محاكاة بصرية بين تجارب فنانين متنوعي التجربة عميقي الرؤية، ليُصبح التكاثف الحسي والمفهوم وسيلة لفهم أن الذاكرة قد تكون أحيانًا أقوى من الحضور المادي.

ما بعد الهوية في مرايا الغربة

لا يبدو عنوان المعرض "ربما يوجد أحد هنا" جملة خبرية لأنه يتماهى مع سؤال مفتوح على احتمالات الوجود، إنه إعلان عن حضور ملتبس، وعن ذات لم تعد واثقة من مكانها، ولا من صورتها، ولا حتى من قدرتها على التعريف بنفسها، ففي هذه "الربما" تستقر المسافة بين الإنسان وذاته، وبين الوطن وذاكرته، وبين الجسد وما تبقى من أثره في الخرائط التي أعادت الهجرة رسمها.

يجمع هذا المعرض تجارب لفنانين عرب يقيمون في المهجر، لكن ما يوحدهم ليس الجغرافيا الجديدة، بل تلك المنطقة الرمادية التي تتشكل فيها الهوية بعد اقتلاعها من يقينها الأول، لتصبح الغربة انتقالا من مكان إلى آخر، وهو ما يعاود تفصيل الإحساس وتركيب المفاهيم من هوية مكتملة إلى هوية قيد التشكل، ومن ذاكرة مستقرة إلى ذاكرة تتشظى كلما ابتعدت عن منابعها.

بدت صورة الإنسان في التجارب المعروضة أكثر من مجرد موضوع بصري، إنها مساحات للتساؤل والقلق وللوجود الذي يتكاثف في ملامح وتفاصيل، فالوجوه ليست بورتريهات لشخوص محددين، بل خرائط للغياب.

تتداخل الملامح مع آثار الزمن والأمكنة، والخطوط تتآكل كما تتآكل الذكريات، فيما تنفتح الأجساد على فضاءات لا تنتمي إلى مكان واحد بل تنفتح على أماكن عدة، واحدة تعيش في الذاكرة وأخرى تحتوي خدوشها وكأن الفنان لا يرسم الإنسان كما يراه، بل كما يتذكره، أو على الهيئة التي يخشى أن يفقدها.

في هذا السياق، تتجاوز الأعمال مفهوم الهوية كتأمل فلسفي أو تعبير عن الانتماء لتقترب من مفهوم "ما بعد الهوية" حيث يصبح الإنسان كائناً يعيد كتابة نفسه باستمرار، محمولا بين لغتين، وثقافتين، وزمنين، ومنظومتين وذاكرة واحدة تحمل لونين، لم تعد الهوية تعريفا ثابتا، بل حالة سيولة دائمة، تتشكل عبر التفاوض المستمر مع الآخر، ومع المكان، ومع الذات في آن واحد.

ذاكرة للعبور

تتنوع المقاربات التشكيلية بين التعبيرية التي تجعل اللون انفعالا داخليا، والواقعية التي تستعيد التفاصيل كوثائق شخصية، والتشخيصية التي تمنح الجسد حضوره باعتباره شاهدا على التحولات، غير أن هذه الاتجاهات، على اختلاف لغاتها البصرية، تلتقي عند سؤال يطرح نفسه في عمق التجارب كيف يمكن للإنسان أن يحتفظ بصورة نفسه بينما تتبدل الأمكنة من حوله؟

يقول الفنان التشكيلي إبراهيم برغود عن مشاركته في هذا المعرض "هذه المشاركة تعتبر فرصة للقاء تجارب فنية متنوعة تشكلت في فضاءات الوطن والغربة أو في فضاء التعبير الوجودي عن الإنسان بين الذاكرة والانتماء، هذه الذاكرة التي ما تزال تحمل في جوهرها المكان الأول، بالنسبة إليّ، لا تنفصل اللوحة عن الإنسان، فهي تنطلق منه من جذوره، ومن المدن التي عاشت التحولات والدمار، ومن الحكايات التي بقيت عالقة كذكريات وكحقيقة".

ويضيف "هذا اللقاء مع تجارب بقية الفنانين، يلخص أن ما يجمعنا، إذ يحمل الثراء في التعبير تنوع واختلاف الأساليب، كإيمان مشترك بأن الفن قادر على حفظ الذاكرة، والتعبير عن معاناة الإنسان، وفي الوقت نفسه يحمل معنى للنجاة ورغم كل ما خلفته الحروب من فقد وغياب، ليبقى الأمل عنصرا أساسيا في أعمالنا في لغتنا التي نقدّمها للعالم، لأنه وحده يمنح الإنسان قدرته على الاستمرار، وحده يضمن أن هناك أحدا هنا بيقين يجعل من الإبداع رسالة تؤكد أن الحياة أقوى من الخراب."

تتحول الخامات والأسطح إلى حكايات تسردها الألوان أو تستردها من الذاكرة، فكل أثر لوني، وكل خدش، وكل مساحة مطموسة في حركتها الضاجة والقلقة والمتحوّلة، تحمل احتمالاتها على فكرة الاستقرار وتجربة الاقتلاع، بين الهدم والبناء، فلا تبدو الأعمال مشغولة بإنتاج صورة مكتملة، لأنها تنشغل بالكشف عن آثار الزمن على الصورة نفسها.

إن التشظي المستتر داخل التجارب والتفاصيل التي تبدو مندمجة ليس تقنية تشكيلية فحسب، بل موقف وجودي، حيث تتجاور الشروخ مع بقايا اليقين، ويتعايش الحنين مع ضرورة البدء من جديد.

ورغم أن المنفى حاضر بوصفه خلفية مشتركة نجحت في احتواء الروح، فإن الأعمال لا تستسلم لخطاب النوستالجيا المباشر، بشكل استرجاعي، فهي لا تستعيد الوطن باعتباره صورة رومانسية، بل رؤى عميقة من الوعي، تظهر أحيانا في ملامح وجه، أو في زخرفة عابرة لعمارة تشكل محاكاة بنيوية بين الروح والانتماء، في لون ترابي، أو في مفردة بصرية تنتمي إلى الذاكرة الجمعية.

فالجذور ليست موضوعاً للحنين، وإنما مادة يعاد تشكيلها داخل تجربة معاصرة، ترفض الثبات كما ترفض القطيعة الكاملة.

وهكذا يصبح الوجه الشرقي في هذه الأعمال أكثر من علامة إثنية، بل مساحة يتساكن فيها الوقع والواقع، تحمل في ملامحها ذاكرتها وآثار المكان الأول مع تأثيرات الأمكنة الجديدة، كما في مجموعة الأعمال التي قدّمها إبراهيم برغود عن المدن وتفاصيلها الحسية الداخلية، لتتداخل العلامات الثقافية مع اللغة البصرية العالمية، أو لينشأ خطاب فني لا يبحث عن تمثيل الهوية بقدر ما يختبر حدودها، ولا يطالب بالانتماء بقدر ما يتأمل هشاشته.

احتمالات السرد والاندماج

يحمل معرض "ربما يوجد أحد هنا" مع كل عمل معنى جديدا فذلك "الأحد" قد يكون الفنان نفسه، ذاكرته أو وطنه، كما يمكن أن يكون المتلقي الذي يعثر على جزء من حكايته في وجوه الآخرين، إنه حضور لا يُرى كاملا لكنه يُحسّ في التفاصيل الصغيرة، وفي الصمت الذي يملأ المساحات بين الأشكال وبين التجارب التي تتحاور فيما بينها، وكأنها تناجي المكان بالمكان وتستعيد الذاكرة بالصمت في الفراغات التي تتركها الهجرة داخل الإنسان، وهو ما عبر فيه الفراغ وعبّر عنه الصمت في تلك المحاورات البصرية بين التجارب.

لا يقدم هذا المعرض إجابات عن الهوية أو الغربة، بل يفتح باباً للتأمل في الإنسان باعتباره كائناً يحمل أوطانه داخله حتى عندما تتبدل الخرائط، فبين الملامح المتكسرة، والذاكرة المتشظية، والتجارب والأساليب الفنية تنشأ لغة بصرية تؤكد أن الفن ليس بحثاً عن المكان المفقود، بل عن الإنسان الذي ما زال، رغم كل شيء، يقول بصوت خافت أو صارخ ربما يوجد أحد هنا لا بل يوجد فعلا أحد هنا.

كما أشارت سيمونا برايت، قيّمة المعرض، فإن الرابط بين الفنانين السبعة يتجاوز مسيرتهم الفنية العالمية ليشمل اهتمامًا مشتركًا بالذاكرة والهوية والحضور في عالم دائم الحركة والتغير.

تستحوذ التعابير الجامدة في الألوان على انتباه المشاهد وكذلك المسافة الغامضة التي تُشع منها فهي ليست وجوها مألوفة، بل هي تجسيدات للذاكرة في صور مُحاطة بهالة من المشاعر، ولوحات وجدانية في تأملاتها يجتهد الفنانون في بنائها أسلوبيا من خلال تباينات لونية قوية، أو على العكس، من خلال درجات رمادية باهتة، لكنها لا تخلو أبدا من الحيوية.

تُظهر النظرات داخل الملامح، حتى التي يبالغ في تفاصيلها الداكنة، مقاومةً شديدة لأي تغيير من خلال كل تعبير فلا تعكس إحساسا بالفرح وهو ما يبدو ولكنها لا تعكس الألم أو المعاناة أيضا بل تتفوّق بصمود حسي على فراغ الانتماء بالحضور الكامل رغم ما تُخفيه من حزن واضطراب، تجارب راسخة في الماضي، لكنها مُجمّدة إلى الأبد في الصورة، ذاكرة مكتملة بذكريات راسخة تُغيّر ملامح الوجه تغييرًا جذريا قد تُفسَّر هذه الأعمال على أنها تعبيرات عن عدم التعبير، ولكن بعيدا عن هذا الانطباع الأولي، لا تُخفي هذه التكوينات سوى ظلالٍ غير مستقرةٍ للغياب، تمامًا كأشكالٍ عديدةٍ لإرادةٍ صامتةٍ للمقاومة، وللوجود، وللتذكر.

في أعمال الفنانين، تتجلى هذه التوترات بطرقٍ مختلفة، ففي أعمال إبراهيم برغود، تستحضر الرموز البصرية آثار الصراع وهشاشة الحالة الإنسانية، أما وجوه سهف عبدالرحمن القاتمة والمشوهة، فتُشكِّل حجر الزاوية في المعرض، لا سيما من خلال عنوان "ربما هناك شخصٌ ما"، المُقتبس من سلسلةٍ من أعمال الفنان لا يُوحي هذا العنوان بأي حيرةٍ أو شك، بل بشهادة تعبّر عن آثار تجارب يستحيل سردها بالكامل.

في أعمال كريم سعدون، تمتزج السريالية الضبابية مع الواقع الاجتماعي والداخلي، بينما تُعيد لوحة فان غوخ ليونس العزاوي تعليقًا لونيا على ذاكرة لا تُمحى، هوية باقية رغم التفتت الظاهر للشخصية، في المقابل، تلجأ هياكل أنمار موران الغريبة إلى الغموض لتذوّب العناصر في هاوية بلا شكل، تاركة فقط إيحاءات بوجود محتمل، غير محددة المعالم.

وفي محوارت مع هذه الأعمال، تُقدّم الرومانية ماريا باليا بُعدًا آخر للذاكرة، تتراكم المادة، حتى تُصبح الأسطح سرديات بصرية للزمن التصويري، تبني صورها ببطء، عبر ترسبات متتالية، وكأنها تترك المجال للوحات لاي ثيون المبهجة لتبث حيويةً وأملا واندفاعا آخر للتغيير ونشاطًا يقول نعم يوجد أحد هنا هو الفن، من يفتح مسحة من الفضول والدهشة، كأثرٍ يتوارى من الغموض الذي يُهيمن على المعرض بأكمله.

لا تقدم هذه الأعمال مجتمعة وحدة قسرية، بل صدى دقيقا في معرض لا تُمحى فيه الاختلافات، بل تُنسق مؤقتا حول سؤال واحد دقيق من وماذا يبقى، إذا كان كل شيء زائلا؟ ليكون الجواب ربما هو الفن، خلود الأثر.