مغالبة النهر ومرايا النسيان

"أغالب مجرى النهر" لسعيد خطيبي و"الكهل الذي نسي" لسمير قسيمي: الرواية الجزائرية في مواجهة الذاكرة والزمن والهوية
الجمعة 2026/09/18
سعيد خطيبي وسمير قسيمي كاتبان يروّضان النسيان

"وحدها الذاكرة أصبحت أثقل حملاً"، عبارة لأحلام مستغانمي في «ذاكرة الجسد»، على لسان خالد بن طوبال، استوقفتني وأنا أفتح نسختي من روايتي «أغالب مجرى النهر» لسعيد خطيبي (2025) و«الكهل الذي نسي» لسمير قسيمي (2026)، الصادرين عن دار نوفل ـ هاشيت أنطوان.

 ورغم القراءة المنفردة لكل رواية، لم أستطع عزل إحداهما عن الأخرى؛ إذ ظلت فكرة الذاكرة والتذكر، والبعدان النفسي والوجودي، حاضرة في الروايتين، ضمن كادر حواري بين السجن والمصحة، يفتح أبواب التأمل في عمق الرواية الجزائرية المعاصرة: ماذا تحمل وماذا تريد أن تقول؟

لم تبدأ قراءتي من الصفحة الأولى، بل من لحظة تأمل الكتابين، من الغلاف وصولًا إلى عتبة العنوان، ومن الشعور الحميم الذي يرافق القارئ حين يبدأ كتابًا ولا يعرف أي أثر سيتركه فيه. أخذتني القراءة إلى مفهوم الذاكرة وهي تنتقل من ظاهر الحكاية إلى ما يتخفى وراءها من جماليات ودلالات. وبعينين اعتادتا قراءة اللوحة والفنون البصرية، تتبعت إيقاع الجملة وحركة الزمن وحضور المكان، فوجدتني عالقة في مفهوم التذكر والذاكرة وهي تستعيد ما مضى، والنسيان وهو يهدد ما تبقى من الإنسان؛ شبيهان متناقضان، لكنهما من أبرز ملامح الرواية الجزائرية المعاصرة: النجاة في الذاكرة والخلاص بالنسيان.

فبين «مجرى النهر» الذي يستحضر زمنًا لا يتوقف عن الجريان، و«الكهل الذي نسي» دون إكمال الخبر عمّا نسيه، تضع الروايتان الذات في مواجهة ذاكرة تتآكل وأخرى تعتصر تفاصيلها لتنجو. وهنا تلتقيان في سؤال واحد: ماذا يبقى من الإنسان حين تصبح ذاكرته موضع مقاومة أو فقدان؟ وماذا يبقى منه حين يتعمد النسيان أو يهرب إليه؟

الذاكرة الجزائرية.. حاضر آخر

الذاكرة في الأدب الجزائري ليست عودة إلى ما كان، وإنما مساءلة لما بقي من الماضي داخل الحاضر. فهي لا تحفظ التجربة فحسب، بل تعيد إنتاجها، وتكشف عن الماضي بوصفه قوة ما تزال فاعلة في تشكيل الوعي الفردي والجماعي.

ومن هنا تتحدد خصوصية الإرث الأدبي الجزائري في كونه إرثًا للذاكرة أكثر من كونه إرثًا للنصوص؛ فالأجيال لا ترث الأحداث وحدها، وإنما ترث طرائق تمثلها، وأسئلتها المؤجلة وصمتها أيضًا. وقد التقت تجارب محمد ديب ومالك حداد وطاهر وطار ورشيد بوجدرة، رغم اختلاف مشاريعها الجمالية والإيديولوجية، عند وعي بأن الذات لا تستطيع التعرف إلى نفسها إلا عبر ما يسبقها، وأن الماضي، حتى حين يبدو منقضيًا، يظل كامنًا في اللغة والخيال وصورة الفرد عن ذاته وجماعته.

 

التاريخ في رواية "أغالب مجرى النهر" ليس مجرد تواريخ وأحداث فقط، وإنما أثر في الأجساد والأمكنة واللغة والوعي

فالذاكرة عند ديب ليست استعادة لعالم مفقود بقدر ما هي إبقاء لذلك العالم في مجال الرؤية، وعند حداد تحول فقدان المكان واللغة إلى ذاكرة للمنفى والاقتلاع، بينما كشف وطار وبوجدرة عن ذاكرة أكثر التباسًا، لا تستعيد التاريخ للاطمئنان إليه، بل لكشف تناقضاته وانكساراته وندوبه في الوعي.

بهذا المعنى، أصبح الأدب جهازًا للذاكرة، لا يشتغل بمنطق الأرشفة، بل يختبر الماضي ويعيد تأويله، ويمنح الأجيال الجديدة إمكانية أن ترث ما لم تعشه، وأن تدخل في حوار مع تجارب لم تكن جزءًا من زمنها المباشر.

وقد أسهم النقد الحديث في بلورة مفهوم الذاكرة، من موريس هالبفاكس الذي نظر إليها بوصفها بناءً جماعيًا يتشكل داخل الأطر الاجتماعية، إلى بول ريكور الذي ربطها بالتاريخ والنسيان، باعتبار استعادة الماضي فعلًا تأويليًا وانتقائيًا، ثم بيير نورا ومفهوم «أماكن الذاكرة». وتكتسب هذه التصورات أهمية خاصة في الرواية الجزائرية، لأن الذاكرة الوطنية ارتبطت بتجربة تاريخية عنيفة امتدت من الاستعمار إلى الثورة التحريرية، ثم الاستقلال والتأسيس، وصولًا إلى العشرية السوداء.

لذلك لم تعد الرواية الجزائرية تكتفي بتمثيل التاريخ، بل أخذت تؤسس لما يمكن تسميته «سرد الذاكرة»، حيث تتداخل الذاكرة الفردية والجماعية، ويتقاطع التاريخ الرسمي مع الذاكرة الهامشية، ويصبح استحضار الماضي وسيلة لفهم الحاضر والكشف عن آثاره المستمرة.

أغالب مجرى النهر

في «أغالب مجرى النهر» يحضر الماضي عبر تداخلات بين الحاضر والماضي، والمكان ووصفه، والسجن وقاعة التحقيق، وأسئلة التذكر وشرود المتهمة «عقيلة تومي» بين الأسئلة وما يتداعى في ذهنها من ذكريات. والعنوان نفسه يشي بصراع رمزي بالغ الدلالة: النهر صورة للزمن، ومجراه صورة لقوة التاريخ، أما المغالبة فهي فعل الإنسان الذي يرفض أن يكون مجرد ورقة تحملها المياه.

أن تغالب مجرى النهر يعني مقاومة اتجاه الزمن ومحاولة استعادة شيء من الذات قبل أن يجرفها التيار. غير أن النهر لا يعود إلى الوراء، ولذلك لا تعني مقاومته الانتصار عليه، بل اكتشاف الذات وهي تحاول السباحة ضد ما يبدو قدرًا لا يمكن تغييره. هنا تصبح الرواية كتابة ضد الاستسلام للزمن؛ فهي لا تقول إننا نستطيع العودة إلى الماضي، بل إننا لا نستطيع مغادرته تمامًا.

ويشتغل خطيبي على الذاكرة باعتبارها فضاءً لتقاطعات التجربة الشخصية والذاكرة الجماعية. فالتاريخ في الرواية ليس تواريخ وأحداثًا فقط، وإنما أثر في الأجساد والأمكنة واللغة والوعي. ويعود الماضي في هيئة شظايا: جريمة قتل، وتراكمات جثث، و«قرنية» تنتزع لتمنح عيونًا أخرى القدرة على الرؤية والتذكر. وهذا التفكك في بنية الذاكرة يفرض على الكتابة نفسها أن تكون متشظية، تتحرك بين ما قيل وما لم يقل، وبين ما بقي في الوعي وما دفنته السنوات.ومن هنا تبدو الكتابة عند خطيبي مسارًا تجريبيًا ينقّب في الذاكرة عن الأصوات التي غطاها التراب، وعن التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في الكتب التاريخية. فالتاريخ الرسمي يسرد الحروب والثورات والانتصارات والهزائم وأسماء القادة، أما الرواية فتهتم بما تتركه تلك الأحداث خلفها: الفقدان والانتظار والموت والحياة والمدن والبيوت وذاكرة عاجزة عن الخلاص، لتعيد التاريخ إلى إنسانيته.

 

رواية «الكهل الذي نسي» تذهب بالسؤال إلى منطقة أكثر قسوة: ماذا لو لم تعد الذاكرة قادرة على حمل صاحبها

سمير قسيمي.. النسيان مرآة للوجود

إذا كان سعيد خطيبي يتحرك في «أغالب مجرى النهر» في فضاء مقاومة النسيان، فإن سمير قسيمي في «الكهل الذي نسي» يذهب بالسؤال إلى منطقة أكثر قسوة: ماذا لو لم تعد الذاكرة قادرة على حمل صاحبها؟

العنوان شديد الدلالة؛ فـ«الكهل» ليس مجرد شخصية في مرحلة عمرية، وإنما كائن تقف خلفه سنوات الحياة وتراكم التجارب والأمكنة والوجوه والخسارات. أما «نسي» فتضرب هذا التراكم كله في العمق السردي، وتضعنا أمام مفارقة وجودية: نسي ماذا؟ وهل نسي كل شيء أم احتفظ بما يقاوم به وجوده؟

فالنسيان هنا ليس حالة ذهنية محضة، وإنما سؤال عن الهوية والمصير. ماذا يبقى من الإنسان حين تتساقط من ذاكرته الأسماء والوجوه والأحداث؟ وهل الإنسان هو مجموع ما عاشه، أم أنه يتجاوز ذاكرته نحو تلك المساحات البيضاء؟ يصبح النسيان صورة ملتبسة للموت؛ فالموت يضع نهاية واضحة للوجود، أما النسيان فيبقي الجسد حاضرًا بينما يهدد العالم الداخلي بالانطفاء.

المغالبة.. النسيان

في رواية خطيبي، هناك ذات تريد مقاومة مجرى الزمن، وفي رواية قسيمي، ذات يهددها فقدان قدرتها على التذكر. لكن الروايتين لا تستعيدان الماضي لتصدّقاه، وإنما لتسائلاه. ومن هنا تكشفان إحدى أهم سمات الرواية الجزائرية المعاصرة: الانتقال من سؤال التاريخ بوصفه ملحمة جماعية إلى سؤال الإنسان الذي يعيش داخل التاريخ ويفكك حضوره من خلال ذاكرته.

لم يعد الروائي يريد رسم صورة الجزائر باعتبارها وطنًا أسطوريًا مكتملًا، وإنما يريد رؤية التشققات الموجودة في هذه الصورة. لذلك لا تعني العودة إلى الماضي حنينًا بالضرورة، بل قد تكون محاكمة ونبشًا وتذكرًا وسؤالًا عن الهوية.

ولا يمكن الحديث عن الذاكرة في الروايتين بمعزل عن المكان؛ فالذاكرة لا تسكن الرأس فقط، وإنما الشوارع والبيوت والروائح والأصوات والأبواب القديمة. المكان الجزائري في الرواية المعاصرة ليس ديكورًا للأحداث، بل شخصية خفية تشارك في صناعة الوعي. المدينة تتذكر، والبيت يتذكر، والطريق يتذكر، وحتى النهر يتحول إلى استعارة كبرى للزمن الذي يعبر الأمكنة ويترك عليها ندوبه.

بين مقاومة النسيان في «أغالب مجرى النهر» وتهديده في «الكهل الذي نسي»، تلتقي الروايتان في قلق واحد: ذاكرة لا تنتهي عند استعادة الماضي، بل تعيد إنتاجه عند كل تذكر. فكلما ظن السارد أنه أمسك بالماضي، أعادته الذاكرة إلى نقطة أخرى من الدائرة، ليصبح الأدب في النهاية محاولة لترويض النسيان، لا للخلاص من الذاكرة.