ماذا يحدث للقصيدة حين تبتعد مائة وعشرين مترًا عن بيتها

خالد بن صالح يعيد تعريف المسافات عارفا من أين يأتي
الأربعاء 2026/09/02
شاعر لا يتخلى عن العالم من أجل القصيدة

"الكتابة فعل حب متطرّف» جملة يقولها خالد بن صالح، الشاعر الجزائري الذي حمل الفنون وانطلق بها، حمل الكتابة بشغف ليكون الفنان الذي يكتب من داخل ذلك الشغف، منذ الحرف الأول إلى اللون والرمز والعلامة. تشكّل حواره الإنساني الأيقوني مع الشعر في مساحات بلا حدود، مساحات الفن التي جعلته يترك كل شيء من أجل الكتابة.

احتفى خالد بن صالح مؤخرًا بصدور الترجمة الإيطالية لديوانه الثاني «مائة وعشرون مترًا عن البيت»، الديوان الذي صدر سنة 2012 عن منشورات الاختلاف الجزائرية وضفاف اللبنانية، وهي ليست المرة الأولى التي تُترجم فيها نصوصه إلى لغات متعدّدة، منها الفرنسية والإنجليزية والإيطالية واليونانية والبرتغالية. فقد استطاع، ومنذ سنة 2010، أن ينحت اسمه الشعري ولغته الحسية ومواقفه في ذاكرة الأدب والفنون الجزائرية والعربية والعالمية، وأن يحمل هموم بلاده وكل التفاصيل التي تحيط بمنطقته وطموحه الإنساني في مواجهات اللغة والثقافة والانتماء والبحث.

محطة أخرى في حياة النص

صدرت ترجمة الديوان عن «مركز-إلى- للدراسات» الإيطالي، «مائة وعشرون مترًا عن البيت" (Centoventi metri da casa)، ترجمتها الأكاديمية غابرييلا ماريا إلينا دوغوني، ضمن مشروع المركز الذي تشرف عليه الدكتورة يولاندا غواردي، والذي يهدف إلى نقل الأدب المكتوب باللغة العربية إلى الإيطالية، وفتح مسالك جديدة أمام النص العربي كي يعبر إلى فضاء ثقافي آخر دون أن يفقد ظلاله الأولى.

تأتي هذه الترجمة في لحظة تبدو فيها القصيدة أكثر حاجة إلى عبور الحدود من أي وقت مضى، فالنص الشعري لا يسافر من لغة إلى أخرى محمولًا على المعنى وحده، وإنما يحمل معه ذاكرته وإيقاعه وصوره وأسئلته.

فمائة وعشرون مترًا عن البيت، ومن رمزية عنوانها، ليست محاكاة للمسافة بقدر ما هي قصيدة عن المسافة بين الشاعر وبيته، بيته الشعري ومراحل تكوينه المعاصرة، وبيته الانتمائي والجذور التي ينحدر منها التكوين والتكوّن، وبين الذاكرة وحاضرها، بين الصور اللامعة وتلك المشوّهة المبتورة في عتمة الصراع بين الوجود والعدم أو الإعدام، وبين اللغة وما تعجز عن قوله.

فحين تنتقل هذه المسافة إلى الإيطالية، فإنها لا تُختصر، بل تُعاد صياغتها في لغة أخرى، كأن البيت نفسه يبتعد قليلًا كي يصبح مرئيًا في أمكنة جديدة قد تحمل غربتها أو اغترابها، لكنها تتسع بالفكرة والصورة بتاريخها وشخوصها وأطيافها وموروثها وثقافتها.

الكتاب من ثمانين صفحة، ويضم ثلاثة وثلاثين نصًا شعريًا موزعة على ثلاثة أبواب: «حديث أموات»، و«هواء ثمل»، و«الاعترافات الأخيرة لعائد من القبر»، عناوين تبدو كأنها ثلاث حركات في قصيدة واحدة، صوت الموتى حين يستعيدون كلامهم، والهواء حين يتحول إلى ذاكرة عابرة للجسد، ثم العودة من القبر بوصفها عودة إلى اللغة، وإلى الذات، وربما إلى العالم بعد اختبار الغياب.

بهذا المعنى، لا تبدو الترجمة الإيطالية مجرد إصدار جديد لديوان جزائري، بل محطة أخرى في حياة النص، حياة تخرج فيها القصيدة من بيت لغتها الأولى لتدخل بيتًا لغويًا آخر، حيث يمكن للمسافة أن تصبح جسرًا وللترجمة أن تتحول من فعل نقل إلى فعل اكتشاف، فالشعر، في النهاية، لا يعبر اللغات لأنه مكتفٍ بالمعنى، بل لأنه يحمل في داخله ما هو أبعد من ذلك المعنى، الجزء الغامض والحسي من التجربة الذي لا يعرف له وطنًا نهائيًا.

بيت لا نعود إليه

في الشعر، لا تكون المسافة دائمًا قياسًا للمكان. هذا ما تعوّدناه ونحن نعيد قراءة نصوص خالد بن صالح، ربما لأنه ينضج في الصمت وجدل لغته مع الزمن، وهو يشحذ مخالب الفقد والحنين والشوق والتفاصيل والأمكنة، ليجعل المسافة قياسًا لما تبقّى منا حين نبتعد، حتى بدا العنوان حمّالًا للتأويل: مائة وعشرون مترًا عن البيت، كأنه عتبة خادعة، رقم صغير، وفجوة هائلة بين الجسد ومصدره، بين الذاكرة ومشهدها الأول، بين البيت كمكان والبيت كفكرة لا تكف عن الانسحاب.

شكّلت المسافة عن البيت تفاصيل الغياب، وحدة قياس دقيقة: مائة وعشرون مترًا، لا أقل ولا أكثر، كأن الشاعر يريد أن يضع المنفى، ولو كان داخليًا، تحت مجهر. فالمسافة ليست جغرافيا صلبة، وإنما حالة حسية، كأن تكون قريبًا بما يكفي لترى النافذة، وبعيدًا بما يكفي كي لا تستطيع لمس ما وراءها.

في هذا التوتر والمجاز وتناقضات الموت والحياة ومراثي البقاء والبعد والهجر والفناء، يتحرك شعر خالد بن صالح كما يتحرك هو بين بيت ونثر، بين لغة وترجمة، بين حقيقة ومجاز. شاعر لا يبدو كمن يكتب من خارج العالم، بل من داخله، ومن كثافة الاحتكاك به، لغته التي لا تستعير معاصرتها من قاموس جاهز، تأثّر بكل ما التهم من قراءات، فهو فريد متفرّد الرؤية، لا يبحث في نصوصه عن غرابة مجانية كي يثبت اختلافها. لغته منطلقة، متيقظة، حسية حدّ الإيروتيك، سوداوية حدّ التأمل في الأمل، تعرف أن القصيدة تحتوي النص في رحم المجاز ولا تستطيع أن تعيش في عزلة عن الأسئلة التي تتحرك في العالم.

والشاعر لا يمكن أن يكون هامشًا ولا هامشيًا، إنه يحمي القصيدة من تهميشها وهامشها، ومن شعرائها الغرباء، ومن نقادها الأغرب، ومن قرائها المعزولين في قوالب الترند والتشكّلات السطحية التي جرّدتهم من ذوق الكلمة في ترادف الحنين وشتات القصيدة بين الجسد، المدينة، الركض والاكتظاظ، الذاكرة، التكنولوجيا، الحرب، السفر، الوحدة، الصورة، ذاكرة العشرية السوداء والقلق القديم الذي أخذ أشكالًا جديدة.

منذ 2010 اتخذ خالد بن صالح مساراته العنيدة في شقّ صداع اللغة بحكمة الثقوب التي تحدثها الرماح النثرية في رأس المعنى. خالد بن صالح يحمّل تجربته خصوصيته ووعيه وتمرّده، هدوءه وتسكّعه، همّه وحكمته، بأن الشاعر المعاصر لا يعود إلى ذاته كي يغلق عليها، بل كي يختبر هشاشتها أمام العالم، ونكران الذات عند تلك الغرف الداخلية الآمنة.

فهو المحارب بعناده البصري في مجازات المفاهيم والأفكار والمواقف التي يحوّلها إلى رؤى شعرية يعبر بها نحو العالم بكل ضجيجه، وتخرج منه القصيدة وهي تحمل شيئًا من غباره، من هوس الفنان فيه بخلق الصورة بأسلوب تعبيري وتجريب حسيّ للون، وتلك الصور ميزة خالد في انتقاله وهو يشكّل القصائد والنصوص لوحات في معرض الموت وصراعات الحياة: «كنت ثقيلًا جدًا كهواجسي. إذ انفلت من تلك اليد لأعود إلى ظلمة ورطوبة وعفن كقصيدة فاسدة".

لا تبدو «مائة وعشرون مترًا عن البيت» كتابة عن البيت وحده. البيت استعارة مركبة، عن الجزائر، الوطن، الطفولة، الجسد، اللغة، العائلة، الذاكرة، الفقد والموت والقتل والأشلاء والجثث، وربما ذلك المكان الأول الذي نظن أننا نغادره، ثم نكتشف لاحقًا أنه هو الذي غادرنا بطريقة ما.

في تفاصيل تلك الرؤى، قرأ الناقد والكاتب الجزائري عبدالوهاب معوشي تجربة خالد بن صالح بعمق، وأبحر في تقاطعات جمالية لخالد بن صالح بين التشكيلي والشاعر:

"ليس هو عمل في الشعر والملكات، في التجريد والذهنية والتفلسف، بل هو ليس عملًا أصلا في نحت اللغة وأبجدياتها، ثمة انصراف إلى بناء شيء لم يذكر بتاتًا في الديوان الشعري الجزائري، في أنطولوجيا الحضور والغياب وكثافة الترميزات، يطعم خالد بن صالح شعريته من الحياة ويتناصف مع التجربة الشخصية ولا ينتحل أو يزور أو يختم بالشمع الأحمر على مرجعيات غيره".

كمطرقة نجاة.. فوق زجاج أصم

ثمة شيء شديد الحساسية في اختيار «المتر» بوصفه وحدة شعرية، المتر لغة الأشياء القابلة للقياس، بينما الشعر يبدأ غالبًا حين تفشل المقاييس. يستطيع الإنسان أن يحسب المسافة بينه وبين باب البيت، لكنه لا يستطيع أن يحسب المسافة بينه وبين طفولته، يمكنه أن يقطع مائة وعشرين مترًا في دقيقة أو دقيقتين، لكنه قد يحتاج إلى عمر كامل ليعبر المسافة بينه وبين نفسه، وهنا يشتغل عنوان الديوان مثل مجاز فلسفي صغير، فالمسافة ليست بين نقطتين، بل بين نسختين من الإنسان.

 

ترجمة الديوان إلى الإيطالية تفتح أمامه مسافة أخرى، مختلفة هذه المرة. إنها مسافة اللغة واختلاف المعنى وتشكّل الوعي والعقلية التي تحملها كل لغة

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة شعر خالد بن صالح بوصفه تمرينًا على إعادة تعريف القرب والمسافات. ما الذي يعني أن نكون قريبين من شيء؟ هل يكفي أن نراه؟ أن نلمسه؟ أن نتذكره؟ أم أن القرب الحقيقي قد يحدث في الغياب، حين يتحول الشيء من مادة خارجية إلى أثر داخلي؟

ترجمة الديوان إلى الإيطالية تفتح أمامه مسافة أخرى، مختلفة هذه المرة. إنها مسافة اللغة واختلاف المعنى وتشكّل الوعي والعقلية التي تحملها كل لغة، تنتقل بين همومها وتطلّعاتها. فالترجمة الشعرية ليست نقلًا من ضفة إلى ضفة بقدر ما هي إعادة اختراع للجسر، القصيدة لا تنتقل كاملة، شيء منها يصل، وشيء يتبدل، وشيء آخر يظل عالقًا في اللغة الأصلية مثل معانٍ لا يمكن استنساخها.

حين تدخل «مائة وعشرون مترًا عن البيت» إلى الإيطالية، فإنها لا تعبر حدودًا لغوية فحسب، بل تعيد اختبار مجازاتها، ومدى نجاحها في الحفاظ على المسافات الشعرية والسكن الساكن في بيت الشعر من خلال بعض الكلمات العربية، وهي تحمل داخلها تاريخًا من الإيقاع والظل والقرابة الثقافية، وبعض الصور تبدو في العربية كأنها ولدت في الضوء، ثم تحتاج في لغة أخرى إلى ضوء جديد.

لهذا فإن ترجمة الشعر ليست خيانة للنص، كما يُقال أحيانًا، وليست أمانة مطلقة أيضًا، إنها مخاطرة، مغامرة المترجم في أن يمشي إلى جانب الشاعر في منطقة لا توجد فيها خرائط نهائية. عليه أن يحافظ على نبض الصورة دون أن يحبسها في قفص المطابقة، أن ينقل قبل المعنى ارتعاشه، أن يعرف أن الاستعارة ليست معلومة، وأن الشعر لا يقول الصور بل يغيّر طريقة رؤيتنا لها. الترجمة الإيطالية قدّمت الديوان أمام مرايا جديدة.

ففي شعر خالد بن صالح، المجاز يقرأ ويتحوّل إلى طريقة تفكير قبل أن يكون طريقة في التجميل، تجميل الغياب والموت والبشاعة والواقع المرير في أوطان المراثي.

الصورة الشعرية لا تأتي لتزيين الجملة، وإنما لتخلخل يقينها. حين يصبح البيت مسافة، أو الذاكرة مكانًا، أو الجسد أرشيفًا، فإن الشاعر لا يضيف استعارة إلى الواقع، بل يقترح واقعًا آخر أكثر قابلية للسؤال.

وهذا أحد أسرار الشعر المعاصر التي عرفها خالد بن صالح وتمكّن منها بجرأة: أنه لم يعد مضطرًا إلى أن يكون غامضًا كي يكون عميقًا، ولا واضحًا كي يكون قريبًا، لذلك استطاع أن يتحرك في المنطقة الرمادية بين الاثنين، حيث تجاورت الفكرة والصورة، الفلسفة والحس، اليومي والكوني، فخالد بن صالح يكتب من هذه المنطقة.

إنه لا يتخلى عن العالم من أجل القصيدة، بل يدخل العالم إلى القصيدة، بما فيه من تشققات وتناقضات. ولذلك لغته مشبعة بتجارب أوسع من المكان الذي انطلق منه، فالجزائر حاضرة وهي نقطة بدء.

هذه نقطة مهمة في تجربة شاعر معاصر ينتمي إلى جغرافيا ثقافية لها ذاكرتها الثقيلة وأسئلتها الخاصة، لكنه لا يكتبها وهو يرى نفسه سجينًا لهذه الذاكرة، إنه ينفتح على تجارب شعرية وإنسانية عالمية، لا ليتماهى معها، وإنما ليختبر صوته بينها. فاللغة العربية التي يكتب بها ليست متحفًا، ولا مادة خامًا محايدة. إنها كائن حي، له ذاكرة، لكنه قادر على استقبال الترجمات، وهنا تكمن رؤيتها المعاصرة وانفتاحها الرؤيوي. يمكن للقصيدة أن تحمل أثرًا من التراث دون أن تتحول إلى استعادة تراثية، وأن تستوعب حساسية العالم الحديث دون أن تقع في ابتذال «المعاصرة".

إنه نوع من التوازن الصعب: أن تعرف من أين تأتي، من دون أن تجعل الأصل قالبًا، وأن تعرف العالم، من دون أن تجعل العالم بديلًا عن ذاتك وهويتك.