السلطان على وجه العملة.. كيف كتبت النقود تاريخ السلطة؟

محمد الغضبان يفكك في «نقود السلطان وسلطان النقود» لغة السلطة والهوية والشرعية المنقوشة على العملات الإسلامية
الثلاثاء 2026/08/18
المسكوكات تروي تاريخ السلطة والهوية

كثيرًا ما أشعر أنني لا أذهب إلى الكتب بقدر ما تأتي هي إليّ، وربما تلك علاقة الشغف المتبادل في تفاصيل الصدف بين الانتظار والتلاقي؛ إذ تصل في أوقات لا أخطط لها، عبر صديق، أو حديث عابر، أو صوت من إذاعة، أكتشف بعد ذلك أن المصادفة كانت تُخفي وراءها موعدًا آخر مع المعرفة.

فأجمل ما في علاقتنا بالكتب أن بعضها لا يأتينا من باب الاختيار، وإنما من باب المصادفة، والصدفة، حين تلتقي بالفضول، تتحول إلى بحث، وحين تلتقي بالقراءة، تصقل المعرفة. هكذا جاءني كتاب الدكتور محمد الغضبان، «نقود السلطان وسلطان النقود»، قادني إليه صوت الإذاعي سفيان العرفاوي وهو يحاور مؤلفه في إذاعة تونس الثقافية. انتقل الكتاب من الأثير إلى يدي، ومن اليد إلى عيني، ومن العين إلى السؤال، وهنا بدأت المصادفة تفقد معناها العابر، لتصبح طريقًا صغيرًا نحو عالم واسع من الأسئلة عن تلك الأشياء الصغيرة التي تحاكي التاريخ بثقل معانيها الحضارية وعمق مدلولاتها، والتي اقتحمت كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

النقود وثائق تاريخية

قد لا تبدو، للوهلة الأولى، جديرة بأن تحمل كل هذا الثقل، ولكن البحث فيها أعاد تشكيل الرؤية المتكاملة للحضور الجغرافي وهوية السلطة والانتماء. قطعة ذهب، أو درهم من فضة، أو فلس من نحاس، دنانير أو قطع معدنية صامتة، أشكال دائرية أو مربعة لا تتجاوز في حجمها أصابع اليد، لكنها قد تحمل في وجهها دولة، وفي ظهرها عقيدة، وفي حروفها اسم سلطان، وفي وزنها صورة اقتصاد، وفي بريقها ذاكرة وثقافة وهوية وحضارة.

ولعل هذا هو أول ما دفعني إلى اكتشاف بحث الدكتور محمد الغضبان، أستاذ التاريخ والآثار الإسلامية بجامعة المنار تونس، والمتخصص في تاريخ النقود الإسلامية، ومدير المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس. كتاب «نقود السلطان وسلطان النقود: صراع الهويات السِّكّية في العالم العربي الإسلامي خلال العصر الوسيط»، كتاب أنيق، ودراسة أكاديمية من الحجم الكبير، صادر عن مجمع الأطرش للنشر، تونس، 2026، يقع في 643 صفحة موزعة على أربعة أقسام كبرى، مفصلة على أبواب متفرعة العناوين، تبدو مثل منافذ نفتحها بانسياب فضولي، ترصد تاريخ النقود والنقد وفق المرجعيات التاريخية بدقة، وعلى مهل بحثي، وبأسلوب شيق.

نجح الدكتور محمد الغضبان في تكثيفه كدراسة متخصصة وتقريبه كمرجع مبسط وعميق قدّمه للمهتمين، مختصين وقراء. وتضمّن الكتاب صورًا وخرائط ورسومًا بيانية وجداول توضيحية، وضعت الدراسة بين يدي القارئ ببذخ البحث والجهد الذي استمر وتعمّق فيه الدكتور الغضبان لسنوات، ليجعل منه مرجعًا يتجاوز حدود الكتابة في تاريخ النقود إلى مساءلة معنى السلطة نفسها.

فالكتاب لم يتعامل مع الدينار والدرهم والفلس بوصفها أدوات صماء لحساب القيمة وتبادل السلع، وإنما أعاد تقديمها باعتبارها وثائق أثرية وفنية وسياسية وأيديولوجية، واعتبرها خطابًا رسميًا متنقلًا للسلطة.

سلطة النقد والهوية

ينقسم البحث إلى أربعة أقسام هي: الهويات السِّكّية المرجعية: النموذج الأموي والعباسي، وسلطان الهوية العابرة للحدود، وهويات سِكّية مغربية: السيادات المتعددة وصراع الشرعيات، من الفاطميين إلى الإلخانيين، وهويات سِكّية مستقلة وعابرة للحدود، وأخرى تابعة ومحلية. ويفصّل الحديث في فلسفة الهويات السِّكّية بين الالتقاء والافتراق.

وفق هذه الأقسام التي فككها بأسلوب عميق وتفصيلي، تكمن أهمية الدراسة في أنها تدفع بنا إلى أن نرى التاريخ من خلال شيء كان الناس يتداولونه يوميًا دون أن يتوقفوا بالضرورة عند ما يقوله لهم. فالعملة لا تدخل السوق وحسب، بل تدخل الوعي، ولا تنتقل من يد إلى يد فحسب، بل تنقل معها صورة الجهة التي أصدرتها، ولا تحمل قيمة مادية فقط، بل تحمل أيضًا قيمة رمزية؛ لأنها تنقل معها، من حيث لا يشعر المتداول، تصورًا عن القوة والشرعية والانتماء والتأثير.

ليصبح السؤال عن النقود سؤالًا عن الإنسان الذي صنعها، وعن السلطة التي أصدرتها، وعن المجتمع الذي قبلها، وعن العالم الذي جعلها قابلة للتداول، ومن يملك حق أن يضع أو يخلّد صورته على الزمن.

يعود بنا البحث إلى ما قبل الإسلام، ليخبرنا في سفر زمني عن الأرض العربية، ويرصد تاريخ النقد باعتباره مجالًا يتعامل مع نقود قادمة من فضاءات سياسية وحضارية كبرى. كانت المنطقة تتلقى العملات الرومانية والبيزنطية والساسانية وغيرها، وكانت هذه النقود تحمل صورًا ورموزًا وكتابات ولغات تنتمي إلى القوى التي صنعتها.

 

الكتاب يعيد تقديم الدينار والدرهم والفلس باعتبارها وثائق أثرية وفنية وسياسية وأيديولوجية، واعتبرها خطابًا رسميًا متنقلًا للسلطة

لتكشف القطعة النقدية عن حقيقة تاريخية شديدة الدلالة: قد يدخل نفوذ الحضارة إلى مجتمع ما قبل أن تدخل إليه مؤسساتها. فالعملة الأجنبية ليست معدنًا محايدًا؛ حين تدخل قطعة تحمل صورة إمبراطور، أو رمزًا دينيًا، أو أثرًا من أسطورة مثل أثينا وبومتها، فإنها لا تدخل وحدها، إنها تحمل معها شيئًا من العالم الذي أنتجها، شيئًا من سلطانه وذاكرته ورموزه ومخيلته. وتلك هي إحدى أكثر صور الهيمنة نعومة: أن تصبح علامة الآخر مألوفة إلى درجة أن اليد تتداولها دون أن تتساءل عن عالمها.

من هنا يبدو المقتطف الذي ينطلق منه الكتاب حول النقود السابقة للإسلام أكثر من مجرد تمهيد تاريخي. إنه يضعنا أمام سؤال الهوية منذ البداية، سؤال السلطة: كيف يكون لمجتمع أن يصنع صورته النقدية الخاصة إذا كان فضاؤه الاقتصادي يستقبل صور الآخرين؟ ولعل المسألة لا تتعلق بالنقود وحدها، إنها تتعلق بتلك اللحظة الحضارية التي ينتقل فيها الإنسان من استعمال العلامة إلى صناعة العلامة، ومن قبول صورة الآخر إلى كتابة صورته بنفسه.

ومع تشكل الدولة الإسلامية واتساع مجالها، أخذت المسألة النقدية تتجاوز حدود التداول إلى حدود السيادة. ليأتي الإصلاح النقدي الأموي، ولا سيما في عهد عبدالملك بن مروان، كلحظة تأسيسية في هذا التحول؛ إذ انتقلت السكة من وضع بصري متداخل مع الموروثات البيزنطية والساسانية إلى بناء شخصية إسلامية أكثر استقلالًا، يتقدم فيها النص العربي والعبارة الدينية على الصورة التشخيصية.

من خلال هذا التماهي، يقودنا الدكتور محمد الغضبان إلى رحلة الانتقال إلى واحدة من أكثر التحولات دلالة في تاريخ تشكل مشهد العلامة، حيث تنسحب الصورة كي تتقدم الكلمة. لم تعد السلطة بحاجة إلى وجه إمبراطور كي تعلن وجودها؛ أصبح الخط العربي هو الوجه، هو العلامة. ولم يعد الذهب بحاجة إلى تاج مرسوم عليه كي يقول إن وراءه إمبراطورية؛ صار النص نفسه تاجًا.

وهكذا نشأت دلالة عميقة في الحضارة الإسلامية شكّلت خصوصيتها الحضارية، وهي تحويل الكتابة إلى صورة. فالخط الكوفي لم يكن مجرد أداة لكتابة العبارات، كان هندسة للسلطة؛ الدائرة تحيط بالكلمة، والكلمة تنظم المجال، والمجال يتحول إلى نظام بصري يعلن الوحدة والتماسك. في المساحة المحدودة للدينار أو الدرهم، نجد اقتصادًا بصريًا بالغ الدقة: مركزًا وهامشًا، نصًا وصمتًا، كثافة وفراغًا، تكرارًا وإيقاعًا.

إنها عمارة مصغرة، بنية فنية عميقة؛ ولذلك فإن النظر إلى المسكوكة الإسلامية بعين جمالية لا ينتقص من علميتها، بل يكشف جانبًا من قوتها الحضارية واهتمام السلطة بالجمال. فالسلطة لم تكن تريد أن تكون مقروءة فقط، وإنما أرادت أن تكون مرئية في طريقة القراءة نفسها.

لقد أصبحت المسكوكة، دون مبالغة، مساحة لهندسة بصرية فنية؛ حيث تداخلت الدوائر في السكة الفاطمية، وتزيّنت بالمثلثات المتشابكة وبالنجمة السداسية المتولدة عنها، ووضعت المثمنات، وبرزت المربعات الموحدية لتقلب موازين الشكل، معلنة عن هوية توحيدية مغربية أصيلة تكسر نمط الدائرة التقليدي وتتوق إلى العالمية.

كما تواشجت في فضاء السكة المثمنات والسداسيات والنجمة السداسية ذات الأشكال المتنوعة في نقود بني الرسي في اليمن، وفي نقود الفاطميين بصقلية، وفي نقود الأيوبيين وغير ذلك، مع زخارف فصوص الأزهار والأقواس المعمارية والمحاريب الرمزية في النقود الإلخانية والرسولية والعباسية في المرحلة الأخيرة من عمر الخلافة، فضلًا عن عديد العناصر الزخرفية والمعمارية، مثل التموجات في حرف Z اللاتيني في نقود المماليك البرجية وغير ذلك. بل وصلت الجرأة الهوياتية إلى استدعاء الصور الآدمية والحيوانية في نقود الأراتقة والزنكيين، كنوع من الاسترجاع الهوياتي أو التمييز الإقليمي.

كان هذا التحول نحو بلاغة الجذب الفني في نقود الأطراف خارج مجال انعكاس الهوية العباسية منذ نهاية القرن الثالث الهجري/ بين التاسع والعاشر ميلاديا، استراتيجية محبوكة لترسيخ الذاكرة البصرية قبل التمعن في الخطاب المضموني.

نقود عربية وإسلامية
عمارة مصغرة بنية فنية عميقة

لقد صار المشهد السِّكّي بأشكاله الهندسية من دوائر ومثلثات ومربعات ومثمنات وأقواس ومحاريب، وبزهوره المورقة وهندسته المتشابكة وبصوره الآدمية والحيوانية، هو الذي يصيغ هوية الدولة السِّكّية ويمنحها سلطانًا في قلوب الرعية وضمائرهم، وفي عيون التجار العابرين للحدود وعيون الجميع.

وهنا يمكن فهم واحدة من أعمق أفكار الكتاب: أن الهوية السِّكّية ليست مضمونًا مكتوبًا وحسب، وإنما هي أيضًا اختيار للشكل الذي سيحمل هذا المضمون، وهذا يدعم السلطة وتأثيرها وهويتها.

بما يجعل الصراع على النقود أكثر إثارة من الصراع الذي نقرأه في كتب السياسة وحدها. فالسلطة تستطيع أن تستولي على مدينة، ولكنها لا تصبح مكتملة في رمزيتها إلا حين تستطيع أن تضرب نقدها فيها؛ إذ يمكن لجيش أن يرفع راية جديدة فوق قلعة، لكن العملة تجعل الاسم الجديد يدخل إلى كل بيت، وكل سوق، وكل يد.

إن السلطان الذي يضع اسمه على النقد لا يعلن فقط ملكيته للمعدن، إنه يعلن ملكيته للزمن. اسمه يصبح قابلًا للتكرار آلاف المرات؛ كل عملية تجارية تعيد إنتاج الاسم، ليصبح النقد جهازًا يوميًا من أجهزة السلطة، وربما كان من أذكاها، لأنه لا يحتاج إلى إجبار الناس على النظر إليه، يكفي أنهم يحتاجون إليه.

الخضوع بين السيف والعملة

تأتي عبارة «سلطان النقود» في عنوان الكتاب كأكثر من مقابلة بلاغية لـ«نقود السلطان»، إذ هناك سلطان مزدوج: سلطان الحاكم على النقد، وسلطان النقد على المجال الذي يتحرك فيه. فالعملة القوية تستطيع أن تتجاوز حدود الدولة التي أصدرتها، وأن تحمل سمعتها الاقتصادية والسياسية إلى فضاءات بعيدة.

ومن أجمل الأمثلة في هذا السياق التجربة المرابطية، إذ ارتبط دينار المرابطين بجودة الذهب وبشبكات التجارة الواسعة، فتجاوز حضوره المجال المحلي وأصبح جزءًا من حركة نقدية أوسع، وأصبح النقد سفيرًا صامتًا لحضارة كاملة.

أراد الدكتور محمد الغضبان أن يخبرنا في بحثه العميق أن النقود مرآة شديدة الحساسية لموازين القوى. ففي التجربة العباسية، ومع ظهور القوى المنافسة، وفي الصراع الفاطمي العباسي، وفي التجارب الأموية بالأندلس، ثم في المغرب المرابطي والموحدي وما بعدهما، لم تعد العملة مجرد أداة اقتصادية مستقرة، بل أصبحت مجالًا تتصارع فيه الرؤى حول الشرعية والهوية والمركز في الحضارة الإسلامية نفسها، بامتدادها الجغرافي ورغبات السيطرة والهيمنة والسلطان.

إن ظهور اسم حاكم جديد ليس خبرًا، وظهور لقب جديد ليس تفصيلًا لغويًا، وتغيير صيغة دعاء ليس زخرفة، والانتقال من شكل إلى شكل ليس دائمًا مسألة فنية. إن كل ذلك يمكن أن يكون إعادة رسم لخريطة السلطة على مساحة معدنية صغيرة.

وفي الصراع العباسي الفاطمي تحديدًا، تبدو السكة وكأنها تدخل إلى قلب المعركة المذهبية والسياسية. فكل طرف يحتاج إلى أن يقول إن شرعيته ليست طارئة، وإن هويته ليست هامشًا، وإن المركز الحقيقي ينبغي أن يُقرأ من خلاله.

حتى تحولت العملة إلى معركة على الذاكرة قبل أن تكون معركة على السوق والاقتصاد. فالخصم السياسي لا يريد فقط أن يمنع الحكم داخل المدينة، بل يريد أن يمنع الاسم من الاستمرار في التداول، وهذا هو الجانب الأكثر عمقًا في المسألة: السلطة لا تخشى أن يفقدها الآخر الأرض فقط، بل تخشى أن يمتلك الآخر لغة تعريف الأرض.

انتقال الباحث بين بلاد المغرب والأندلس منحنا فضاءً بالغ الثراء لفهم ما يمكن تسميته سيادة الأطراف. فالمركز المشرقي لم يكن دائمًا قادرًا على احتكار صناعة الهوية، ولذلك أخذت المراكز الغربية تبني لغاتها السِّكّية الخاصة.

الأمويون في الأندلس أعادوا صياغة حضور الخلافة بعيدًا عن بغداد، والمرابطون حوّلوا الذهب إلى أداة قوة اقتصادية تجاوزت حدود دولتهم، ثم قدّم الموحدون بدرهمهم المربع واحدًا من أكثر الأمثلة إثارة على أن الشكل نفسه يمكن أن يتحول إلى موقف.

لأن الانتقال من الدائرة إلى المربع ليس مجرد لعبة هندسية؛ فالشكل حين يدخل التاريخ يفقد براءته، إنه يصبح ذاكرة لما سبقه وإعلانًا لما يريده الحاضر. ولهذا فإن الدرهم المربع الموحدي يفتح بابًا على القطيعة السِّكّية وإعادة تأسيس الهوية البصرية والتفرّد بالشكل، بما يواكب التحول السياسي والفكري الذي حمله المشروع الموحدي.

وهنا أوصلنا الدكتور الغضبان إلى واحدة من أجمل مساحات البحث: الحضارة لا تثبت ذاتها بالكلمات وحدها، وأحيانًا تثبت ذاتها بتغيير شكلها.

مشيرًا إلى تلك التفاصيل التي قد تبدو اعتيادية أو هامشية، ولكن أهميتها تكمن في عمق سلطتها، وهي الأدعية: «خلّده الله»، «عز نصره»، «لا غالب إلا الله». عبارات قصيرة، لكنها حين تُقرأ في سياقها السِّكّي تخرج من حيز التبرك لتدخل فضاء السياسة. فالدعاء على النقد ليس فقط دعاءً للسلطان، إنه أيضًا اقتراح لصورة السلطان: سلطان محفوظ، منصور، مؤيد، مخلّد. واللغة هنا لا تصف السلطة، إنها تساعد على إنتاجها.

فما يوضع على الحافة قد يقول أحيانًا ما تعجز عنه المساحة المركزية، ولذلك يصبح الهامش مركزًا، وتصبح الكلمات الصغيرة جزءًا من هندسة الهيبة.

المسكوكة وثيقة لها جسد

يمكن قراءة الكتابة، ولكن يمكن أيضًا لمسها، ويمكن رؤية تآكلها، وملاحظة أثر الضربة، ويمكن أن نتخيل المطرقة التي سقطت على المعدن أو نقشت عليه، واليد التي أمسكت القالب، والعامل الذي كان يضرب السكة، ثم اليد التي حملت القطعة إلى السوق. فهذا البعد الحسي ليس تفصيلًا جماليًا، إنه جزء من تاريخها.

فالعملة تتحرك في المجتمع، تنتقل من قصر إلى سوق، ومن تاجر إلى جندي، ومن مدينة إلى أخرى. تتعرض للخدش والتآكل وإعادة الصهر والادخار والتهريب، وحين تصل إلينا بعد قرون، فإنها لا تحمل نص السلطة فقط، بل تحمل أيضًا آثار الذين عاشوا تحت هذه السلطة. وهذا ما ينتاب القارئ بفضوله المزدوج بين التلقي والتخيّل؛ فهي معايشة لتلك المرحلة وقراءة في نفوذها المباشر وغير المباشر.

لتصبح المسكوكة جسرًا غريبًا بين السلطان والرعية. السلطان يضربها، لكن الناس يستهلكونها؛ السلطان يكتب اسمه عليها، لكن الأيدي هي التي تحفظها؛ السلطان يريد تخليد نفسه، والتداول الشعبي هو الذي يمنح هذا التخليد عمره الحقيقي.

من هنا يمكن القول إن الدكتور محمد الغضبان أعاد تشكيل رؤيتنا للنقود وسلطانها بتعريفها كوثيقة. فالوثيقة ليست بالضرورة مخطوطًا في مكتبة، ولا سجلًا في أرشيف، ولا نصًا كتبه مؤرخ. قد تكون الوثيقة قطعة نقدية صامتة، وقد يكون أكثر النصوص صدقًا هو ذلك الذي لم يكتبه المؤرخ، بل ضربته السلطة على معدن ثم تركته للزمن.

وهذا ما منح البحث أفقه النقدي الأوسع وانفتاحه على الأسئلة والإشكاليات والبحوث الموازية، فنقلنا من تاريخ ما قيل عن السلطة إلى تاريخ ما أرادت السلطة أن يبقى منها، ليصبح علم المسكوكات قريبًا من السيميائيات والأنثروبولوجيا والتاريخ السياسي وتاريخ الفن في آن واحد. فالنقد علامة، والعلامة تحتاج إلى تأويل، والتأويل يعيد بناء العالم الذي أنتجها.

ولعل من الإضافات المنهجية اللافتة في الكتاب اشتغاله على إشكالية «الوجه والظهر» في العملة الإسلامية، ومحاولة إعادة النظر في هذه المسألة من خلال نصوص عربية تراثية، ومنها شهادة الهمداني المتعلقة بآليات الضرب وهندسة السكة. وهذا يوسّع السؤال من مجرد وصف القطعة إلى فهم منطقها الداخلي وكيف كان أهل العصر أنفسهم ينظرون إليها.

إن قراءة النقود الوسيطة ليست بحثًا في المال فقط، وإنما في الطريقة التي صنعت بها الحضارة الإسلامية صورتها عن ذاتها، والطريقة التي تصارعت بها المراكز على حق امتلاك هذه الصورة.

لقد كان الصراع على السكة، في جانب منه، صراعًا على من يملك حق الكلام باسم المكان، ومن يملك حق تسمية الزمن، ومن يملك حق أن يجعل اسمه مألوفًا في يد الناس.

وهنا تتضح المفارقة التي يختزنها عنوان الكتاب كله: نقود السلطان، لأن السلطان يملك أمرها، وسلطان النقود، لأن النقود قد تملك ذاكرة السلطان أكثر مما يملك هو ذاكرته.

4