محمد إسرى لـ"العرب": لا يمكن للفنون المغربية التحول إلى قوة ناعمة في ظل تكرار الأفكار

الدراما لن تصبح رافعة للتسويق الثقافي إلا بإستراتيجية وطنية بعيدة المدى.
الأربعاء 2026/05/13
نحتاج إلى جرأة وتجديد لمواجهة تحديات العصر

يقدم الإعلامي المغربي محمد إسرى تشريحا لواقع المشهد الثقافي والفني بالمغرب، متناولا تحديات الدراما وأزمة التكرار في الأفكار الفنية، داعيا إلى صياغة إستراتيجية ثقافية مستدامة، تعيد ربط الإبداع بالإنسان والذاكرة الجماعية، بعيدا عن الموسمية، لتعزيز الهوية المغربية وتحويل الفنون إلى قوة ناعمة ومؤثرة.

في حوار مطول مع صحيفة “العرب” فتح الإعلامي المغربي محمد إسرى ملفات شائكة ترتبط بواقع الدراما المغربية والفن التشكيلي والإعلام الثقافي، مقدما رؤية نقدية هادئة تقوم على التحليل العميق والابتعاد عن الأحكام الانفعالية السريعة. وتناول إسرى، خلال هذا الحوار، عددا من القضايا المرتبطة بحضور الثقافة في الإعلام الوطني، ومستقبل الدراما المغربية، وأزمة الأفكار في الفن التشكيلي، إلى جانب تأثير التحولات الرقمية في الذائقة الثقافية للجمهور.

ويأتي هذا الحوار في سياق النقاش المتواصل حول واقع الإنتاج الثقافي والفني في المغرب والعالم العربي، خاصة مع تصاعد الأسئلة المرتبطة بقدرة الفنون على التعبير عن التحولات الاجتماعية والإنسانية الكبرى، ومدى نجاح الإعلام الثقافي في الوصول إلى الجمهور الواسع.

قدم إسرى تصورا متكاملا ينطلق من تجربته المهنية داخل القناة الثانية، ومن احتكاكه الطويل بالمشهد الثقافي المغربي بمختلف روافده. كما دافع عن ضرورة بناء مشروع ثقافي بعيد المدى يجعل من الإبداع قوة ناعمة قادرة على تعزيز الهوية المغربية والانفتاح على التجارب العالمية دون فقدان الخصوصية المحلية.

وتوقف عند عدد من الإشكالات التي يعتبرها مركزية في المشهد الفني المغربي، من بينها محدودية النقاش النقدي حول الدراما، وهيمنة المقاربة الموسمية المرتبطة بشهر رمضان، إضافة إلى أزمة التكرار في اللوحة التشكيلية المغربية، وغياب الاشتغال الفني على القضايا الإنسانية الكبرى، مثل الكوارث الطبيعية والتحولات الاجتماعية. كما شدد على أهمية الجرأة الفكرية والفنية، داعيا الفنانين والمبدعين إلى إعادة ربط أعمالهم بالإنسان والذاكرة الجماعية والواقع اليومي.

◄ الفن الحقيقي يفترض أن يكون شاهدا على واقعه داعيا الفنانين إلى العودة إلى الإنسان والواقع بجرأة أكبر

كما أبرز ملامح مشروع فكري وإعلامي يدعو إلى إعادة الاعتبار للثقافة والفن بوصفهما فضاءين للنقاش والتوثيق والتأثير المجتمعي، مع التأكيد على أن الإبداع الحقيقي يرتبط بالقدرة على ملامسة الواقع وتحويله إلى تجربة فنية وإنسانية ذات أثر مستدام.

يُعد الإعلامي محمد إسرى واحدا من أبرز الأصوات النقدية الهادئة والجريئة في المشهد الثقافي المغربي، حاملاً في صوته صدى قرى أزيلال الجبلية، وفي رؤيته عمق تجربة امتدت لأكثر من ثلاثة عشر عاما داخل القناة الثانية. يجمع بين الروبورتاج الميداني والتقديم الثقافي الأسبوعي، ليقدم قراءة متأنية للواقع الإعلامي والفني الوطني. ينطلق من قناعة راسخة بأن الثقافة ليست مجرد ترفيه، وإنما مرآة لروح المجتمع وذاكرته الجماعية. ويدعو إلى نقاش متواصل بعيد عن الموسمية الرمضانية وردود الفعل السطحية، محذرا من مخاطر النخبوية والتكرار والانفصال عن الواقع الإنساني. كما يقارن التجربة المغربية بالتجارب العالمية بجرأة وموضوعية، مؤكدا ضرورة اعتماد إستراتيجية ثقافية بعيدة المدى تحول الإبداع إلى قوة ناعمة حقيقية.

يروي محمد مساره المهني بكل تواضع وفخر في آن واحد. فقد نشأ في قرية وريد بإقليم أزيلال، هناك تتشكل الأحلام بهدوء الجبال وإصرار أهلها. التحق بالقناة الثانية سنة 2013 مباشرة بعد تخرجه من المعهد العالي للإعلام والاتصال. وراكم خبرة غنية في إعداد الروبورتاجات باللغتين العربية والأمازيغية لأكثر من ثلاثة عشر عاما، اقترب خلالها من نبض المجتمع بتعدد روافده وتنوعه الثقافي. ويقدم منذ أكثر من ثماني سنوات الفقرة الثقافية الأسبوعية كل جمعة ضمن النشرة المسائية. ويرى في الثقافة نافذة مثالية للاقتراب من الإنسان في أعمق تجلياته، بعيدا عن صخب العناوين اليومية العابرة. ويؤكد أن اختياره لهذا المجال نابع من قناعة راسخة لا من صدفة مهنية.

ويقيم الإعلامي المغربي حضور الثقافة في الإعلام الوطني بتوازن دقيق، بعيدا عن الإفراط في التشاؤم أو التفاؤل، معترفا بوجود جهود ملموسة عبر مختلف المنابر الورقية والرقمية والسمعية البصرية، ومثنيا بشكل خاص على دور القناة الثانية والقطب العمومي في تخصيص حيز معتبر للثقافة. كما يشير إلى تغطية التظاهرات الثقافية وبرامج متخصصة في الأدب والموسيقى والسينما والمسرح. وفي المقابل يؤكد أن هذا الحضور لم يصل بعد إلى المستوى المنشود، منبها إلى استمرار التحديات البنيوية العميقة. لذلك يدعو إلى تعزيز الحضور الثقافي عبر إستراتيجية واضحة ومستدامة.

ويرفض محمد إسرى النقاش الموسمي حول الدراما المغربية الذي يشتعل فقط في رمضان، مطالبا بنقاش مستمر قائم على تقييم موضوعي وتحليل عميق. في المقابل، يرى أن الإبداع في جوهره اجتهاد فردي قد يلقى قبولاً لدى فئة، ويثير تحفظ فئات أخرى. ويقر بأن الدراما حققت تراكما مهمّا كمّا وكيفا خلال السنوات الأخيرة، غير أن هذا التراكم يظل محدودا مقارنة بدول نجحت في تحويل الدراما إلى قوة ناعمة عالمية. ويدعو إلى إستراتيجية بعيدة المدى تجعل من الدراما رافعة للتسويق الثقافي، مع إبراز غنى وتنوع الهوية المغربية في الأعمال الدرامية.

ويحذر إسرى من ضعف إقبال الجمهور على المضامين الثقافية باعتباره أحد أبرز التحديات، رابطاً ذلك بتراجع القراءة وهيمنة البرامج الترفيهية. كما يشير إلى تأثير التحولات الرقمية والتكنولوجيا الحديثة في تغيير أنماط الاستهلاك الثقافي. وينتقد الطابع النخبوي الذي يطغى أحيانا على بعض البرامج الثقافية، لأن هذا الأسلوب يبعد المضامين عن الجمهور الواسع، خاصة فئة الشباب. لذلك يدعو إلى مصالحة الجمهور مع الثقافة عبر تبسيط الخطاب دون تسطيحه، مع تقديم الخبر الثقافي بأسلوب أكثر جاذبية وعمقا في الوقت ذاته.

وسجل محمد إسرى غيابا شبه تام للكوارث الطبيعية في اللوحة التشكيلية المغربية، معتبرا ذلك إخفاقا ثقافيا قبل أن يكون فنيا. ويؤكد أن الكارثة الطبيعية تمثل لحظة إنسانية واقعية ينبغي للفن توثيقها بصريا وفكريا. ويرى أن تجاهل هذه المواضيع يفقد اللوحة بعدها الإنساني ودورها التوثيقي. كما ينبه إلى أن الفن الحقيقي يفترض أن يكون شاهدا على واقعه، داعيا الفنانين إلى العودة إلى الإنسان والواقع بجرأة أكبر. ويعتبر هذا الغياب خللاً فكريا يستدعي مراجعة جذرية.

◄ لا بد من مشروع ثقافي يجعل من الإبداع قوة ناعمة تعزز الهوية المغربية والانفتاح على التجارب العالمية

ولفت الانتباه إلى ظاهرة التشابه اللافت بين الأعمال المعروضة في المعارض المغربية، مفسرا هذا التكرار بوجود أزمة أفكار حقيقية في الساحة التشكيلية. وينتقد إعادة إنتاج المواضيع والتقنيات ذاتها دون مشروع فني واضح أو رؤية متكاملة. ويرى أن هذا الوضع يحول المعارض إلى فضاءات متشابهة تفتقر إلى الهوية والتجديد. كما يؤكد أن الفنان بحاجة إلى مشروع فني شخصي ومتميز، محذرا من تحول التكرار إلى ظاهرة مزمنة تهدد حيوية الفن التشكيلي. لذلك يطالب بالجرأة على الابتكار والخروج من دائرة المألوف.

ويقارن محمد إسرى باستمرار بين التجربة المغربية والتجربة الأوروبية، خاصة خلال القرن التاسع عشر. ويشيد بقدرة الفنانين الأوروبيين على تحويل الكوارث والتحولات إلى وثيقة تاريخية بصرية. ويذكر أسماء مثل كلود مونيه وبول سيزان وفرانسيسكو غويا وجوزيف تيرنر بوصفهم نماذج حية. ويرى أنهم جسدوا الطبيعة في عنفها والإنسان في أزماته، عبر لوحات متناغمة ومنسجمة شكلت مشاريع فنية متكاملة. ويدعو الفنان المغربي إلى استلهام هذا المنهج مع الحفاظ على خصوصية الهوية، معتبرا هذه المقارنة ضرورية للكشف عن مواطن الخلل.

ويقيم واقع الفن التشكيلي في العالم العربي بتشخيص قاسٍ وموضوعي في الوقت نفسه. ويرى أن هناك أزمة فنية مزمنة تشمل التشكيل والسينما والمسرح والتلفزيون. كما ينتقد استيراد الأفكار من الخارج دون ارتباط حقيقي بالواقع المحلي، مؤكدا ضعف الصلة بالذاكرة الجماعية في عدد كبير من الأعمال. ويلاحظ أن الأعمال الجادة والأصيلة موجودة، لكنها قليلة ومهمشة. ويشدد على أن المشكلة لا ترتبط بغياب الموهبة، وإنما بغياب الرؤية والجرأة. لذلك يدعو إلى الاشتغال على القضايا الكبرى بصدق ومسؤولية.

ويوجه محمد إسرى رسالة مباشرة إلى الفنان التشكيلي المغربي، داعيا إياه إلى العودة للإنسان وللواقع بكل تجلياته. ويطالب بأن تفرض الكارثة الطبيعية نفسها موضوعا فنيا وأخلاقيا أساسيا، رافضا التعامل مع الحدث الكبير كأمر عابر يُستحضر بشكل مؤقت. ويرى أن الفن الحقيقي ينبغي أن يؤدي دور الشاهد التاريخي والإنساني. كما يحث الفنانين على بناء مشاريع فنية متكاملة ذات رؤية واضحة، مؤكدا أن هذا التحول ضروري لاستعادة هوية اللوحة المغربية.

واختتم إسرى رؤيته بدعوة شاملة إلى إعادة النظر في المنظومة الثقافية برمتها، مطالبا بإستراتيجية وطنية طويلة الأمد تجمع بين الإعلام والفن والدراما. ويرى أن الثقافة قادرة على أن تكون رافعة حقيقية للتنمية والهوية، محذرا من الاكتفاء بالتراكم الكمي دون جودة نوعية وتأثير عميق، وداعيا إلى فتح نقاش عمومي مستمر يشمل المبدعين والنقاد والجمهور، كما أكد على أهمية الجرأة والتجديد في مواجهة تحديات العصر، معبرا عن تفاؤل حذر بقدرة المغرب على تجاوز هذه التحديات وبناء مشهد ثقافي مشرق.

9