زكية الطاهري.. من أمام الكاميرا إلى صناعة سينما بصوت نسائي

مسيرة مغربية بدأت بالتمثيل وانتهت إلى معالجة قضايا المرأة والهوية والمجتمع بين السينما والتلفزيون.
الثلاثاء 2026/09/15
فنانة تولّف بين الكوميديا والدراما

بدأت زكية الطاهري مسيرتها الفنية ممثلة في منتصف الثمانينيات، حيث ظهرت لأول مرة في فيلم "Fort Saganne" عام 1984 للمخرج الفرنسي ألان كورنو، إلى جانب نجوم كبار مثل جيرار ديبارديو وكاثرين دينيف. ثم انتقلت إلى السينما المغربية لتؤدي دور البطولة في فيلم "باب السماء مفتوح" لفريدة بليزيد عام 1987، الذي عالج قضايا المرأة والهوية الروحية. وبهذا العمل رسخت حضورها كوجه نسائي قادر على تجسيد التحولات الاجتماعية والثقافية.

كما شاركت في أفلام أخرى مثل "باديس" لمحمد عبد الرحمن التازي عام 1989، مما جعلها تنتقل تدريجيًا من التمثيل إلى فهم عميق لصناعة السينما من الداخل. واستفادت من تجربتها في الكاستينغ والمساعدة الإخراجية لتبني رؤية فنية خاصة بها، فكانت تلك البدايات التمثيلية الأساس الذي انطلقت منه نحو الكتابة والإخراج لاحقًا.

قصص من منظور نسائي

لعبت زكية الطاهري أدوارًا رئيسية مهمة في أعمال المخرج محمد عبدالرحمن التازي، أبرزها فيلم "باديس" عام 1989 وفيلم "البحث عن زوج امرأتي" عام 1993، الذي حقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، حيث جسدت شخصيات نسائية تعكس واقع المرأة المغربية وصراعاتها اليومية بين التقاليد والحداثة.

وقد ساعدتها هذه الأدوار على فهم بنية السرد الدرامي والحوار المغربي الأصيل، كما ظهرت في أعمال أخرى مثل "ظلال بيضاء"، وهو ما وسع خبرتها أمام الكاميرا، وأكسبها معرفة دقيقة بتقنيات التمثيل والإخراج معًا. فتحولت هذه التجارب إلى رصيد فني غني استفادت منه عندما قررت الانتقال إلى الجانب الآخر من الكاميرا، لتصبح فيما بعد مخرجة تتقن التعامل مع الممثلين وتوظيف الحوار الشعبي ببراعة.

وبعد سنوات من التمثيل والعمل خلف الكاميرا كمديرة كاستينغ ومساعدة إخراج، انتقلت إلى مجال الكتابة والإخراج بشكل واضح بداية من عام 2001، مستفيدة من خبرتها الطويلة في السينما المغربية والفرنسية. وبدأت هذه المرحلة بالتعاون الوثيق مع زوجها، المخرج الجزائري أحمد بوشعالة، إذ شاركت في كتابة سيناريوهات عدة قبل أن تتولى الإخراج بنفسها.

وكان هذا التحول نتيجة طبيعية لرغبتها في سرد قصص من منظور نسائي واجتماعي أعمق، فاختارت أن تعالج قضايا الهوية والجندر والعلاقات الأسرية بأسلوب يجمع بين الكوميديا والدراما الاجتماعية، واستطاعت أن تفرض حضورها في مشهد كان يسيطر عليه الرجال نسبيًا، مما مهد الطريق أمام جيل جديد من المخرجات المغربيات.

وتعاونت مع زوجها أحمد بوشعالة في عدة مشاريع مهمة، بدأت بكتابة سيناريو فيلم "كريم" عام 1995، ثم فيلم "منى صابر" لعبد الحي العراقي عام 2001، قبل أن يشتركا في إخراج فيلم "Origine contrôlée" أو "صنع في فرنسا"، الذي تناول قضايا الهجرة والهوية لدى أبناء المغرب العربي في أوروبا بأسلوب كوميدي درامي.

 وقد ساهم هذا التعاون في تطوير أسلوبها الإخراجي الذي يجمع بين الحساسية الإنسانية والجرأة في الطرح، كما عملا معًا على أفلام قصيرة وتلفزيونية مثل "Pour l'amour de Dieu" واستفادت من هذه الشراكة الفنية في بناء رؤية مشتركة تركز على القضايا الاجتماعية دون الوقوع في الخطاب المباشر، فكانت أعمالهما المشتركة جسرًا بين السينما المغربية والفرنسية.

وأخرجت فيلمها الروائي الأول منفردة، "نامبر وان"، عام 2009، وهو عمل كوميدي اجتماعي ذكي تناول تحولات الرجولة والعلاقات بين الجنسين في المغرب بعد إصلاح مدونة الأسرة، حيث يتحول الزوج المتسلط إلى رجل مثالي بعد تعويذة زوجته، في طرح فكاهي ينتقد الذكورية دون وعظ.

وقد حقق الفيلم نجاحًا ملحوظًا بفضل أدائه الواقعي وحواراته الشعبية القريبة من الجمهور، واستطاعت من خلاله أن تثبت قدرتها على إدارة إنتاج سينمائي طموح بميزانية محترمة مقارنة بأفلام تلك الفترة. كما عكست فيه فهمها العميق للمجتمع المغربي المعاصر وتناقضاته، ليصبح الفيلم علامة بارزة في مسيرتها ويؤكد حضورها كمخرجة ذات صوت خاص.

وقدمت مجموعة من الأعمال السينمائية والتلفزيونية المتنوعة بعد "نامبر وان"، أبرزها فيلم "مرحبا" عام 2011، الذي شاركت في إخراجه مع زوجها، وتناول صدام الثقافات بين الجالية المغربية في الخارج والمجتمع الأصلي. ثم أخرجت فيلم "الكماط" عام 2014 وفيلم "الزوج المثالي" عام 2015، بالإضافة إلى مسلسل "حميمو" في العام نفسه.

 وأظهرت في هذه الأعمال قدرتها على التنقل بين الكوميديا الخفيفة والدراما الاجتماعية بسلاسة، مع الحرص على تقديم شخصيات نسائية معقدة بعيدًا عن الصور النمطية، واستطاعت أن تبني جمهورًا وفيًا من خلال هذه المشاريع التي جمعت بين المتعة والمعالجة الذكية للقضايا اليومية.

نجاح جماهيري

حققت زكية الطاهري نجاحًا جماهيريًا ونقديًا واسعًا مع مسلسل "رضاة الوالدة"، الذي أخرجته بين عامي 2017 و2019، وأصبح من أبرز الأعمال الرمضانية المغربية في تلك الفترة، إذ عالج العلاقات الأسرية المعقدة ومفهوم بر الوالدين بأسلوب درامي مشوق جمع بين العاطفة والصراع الاجتماعي.

 واستطاعت من خلاله أن تثبت أن الدراما التلفزيونية يمكن أن تكون على مستوى فني رفيع دون التنازل عن جماهيريتها، كما واصلت هذا النجاح مع الجزء الثاني عام 2019، مما عزز مكانتها كمخرجة قادرة على إدارة مسلسلات طويلة الحلقات بكفاءة عالية وتحكم درامي محكم.

أعمال زكية الطاهري

واستكشفت زكية الطاهري قضايا الشباب والتحولات الاجتماعية من خلال أعمال مثل الوثائقي "شباب" عام 2015، الذي رصد هموم الجيل الجديد في المغرب، ومسلسل "نعام ألالة" عام 2016، الذي قدم صورة معاصرة للعلاقات الأسرية والطبقية.

وقد اختارت في هذه الأعمال أن تبتعد عن الخطاب التقليدي لتقدم صورًا أكثر واقعية وتعقيدًا للمجتمع المغربي، مع التركيز على أصوات النساء والشباب المهمشين. واستطاعت أن توظف تقنيات سردية حديثة تجعل المشاهد يتعاطف مع الشخصيات دون أن يفقد المتعة الدرامية، فكانت هذه الأعمال امتدادًا طبيعيًا لاهتمامها بالقضايا الاجتماعية منذ بداياتها.

وأبدعت في السنوات الأخيرة في تقديم أعمال تلفزيونية حديثة مثل مسلسل "الصلا والسلام" ومسلسل "المختفي" عام 2023، الذي جمع بين الإخراج والتأليف والإنتاج، حيث أظهرت تطورًا ملحوظًا في أسلوبها الدرامي وقدرتها على التعامل مع أنواع مختلفة من القصص، سواء كانت كوميدية أو بوليسية أو اجتماعية. واستمرت في التركيز على بناء شخصيات قوية وحوارات طبيعية تعكس الواقع المغربي المعاصر، مما جعل أعمالها الأخيرة تحافظ على جاذبيتها لدى الجمهور رغم تغير الذوق العام وتنوع المنصات، وأكدت من خلالها استمرارية حضورها في المشهد الدرامي المغربي.

وواصلت زكية إثراء السينما والدراما المغربية على مدى أكثر من عقدين بأعمال تجمع بين الترفيه والمعالجة الاجتماعية العميقة، مستفيدة من خبرتها التمثيلية السابقة ومن تعاونها الطويل مع زوجها ومن تجربتها في السينما الأوروبية، لتصبح نموذجًا للمخرجة التي تتقن الانتقال بين الشاشة الكبيرة والصغيرة دون أن تفقد هويتها الفنية. وساهمت أعمالها في طرح قضايا المرأة والجندر والهوية بطريقة بعيدة عن الوعظ المباشر، وجعلتها واحدة من الأسماء التي أسهمت في تطوير الدراما المغربية وإتاحة مساحة أوسع للمخرجات في صناعة كانت تفتقر إلى هذا التنوع.

4