عصر الذكاء الاصطناعي أسقط أقنعة المبدعين

الخوارزميات تكشف هشاشة الإنسان وتعيد تشكيل علاقة المبدع بذاته وبالشهرة والإبداع.
الخميس 2026/09/17
الخوارزميات تأسر المبدعين المعاصرين

تستعر اليوم في الخطاب الثقافي المعاصر تلك النقاشات المحمومة التي تُحمّل التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي وزر انحراف الأخلاق وتفسخ الروابط الاجتماعية، مارّة عبر سرديات تبسط المعضلة بادعاء أن الهواتف الذكية قد أفسدت الطهارة الأصلية للإنسان، وكأن البشرية كانت تعيش في واحة من الفضيلة المطلقة قبل بزوغ عصر الشاشات.

تقف هذه المقاربة الشعبوية عند القشرة السطحية للظاهرة، متجاهلة تمامًا أن الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي لا تخلق شيئًا من العدم في ميكانيزمات السلوك، لأنها تعمل كمسرع كيميائي ومكبر صوت اجتماعي يكشف الكامن في عمق النفس البشرية. ولم تلوث التكنولوجيا سرائرنا النقية، وإنما هدمت الجدران الواقية وألغت كلفة العقاب الاجتماعي المباشر، ليطفو الإنسان على حقيقته العارية، مترددًا بين نرجسية مدفونة وهشاشة بنيوية تتكشف في أزهى صورها عبر الفضاء الافتراضي المفتوح.

حلقات الاغتراب الرقمي

تتطابق أدبيات علم النفس الاجتماعي والتحليل السلوكي المعاصر مع فرضية الحياد التكنولوجي التام؛ فالمنصات الرقمية ما هي إلا امتداد عضوي لدوافع الفرد الخفية التي تم تقييدها تاريخيًا بفعل الإكراه المجتمعي. ففي العقود الماضية، كانت الأعراف المجتمعية الصارمة تفرض شبكة من الرقابة الخارجية التي تجبر الأفراد على ارتداء أقنعة الاتزان والالتزام خوفًا من الإقصاء أو الوصم الأخلاقي.

ومع انتقال البشر إلى الفضاء الافتراضي المتحرر من الرقابة المباشرة، تلاشت ضوابط الحياء العام لتخرج الأحقاد الدفينة، والنهم المرضي للشهرة السريعة، ورغبات التسليع الذاتي بلا رتوش أو خجل. لقد أثبت الواقع الرقمي المعاصر أن الإنسان المضطرب قيميًا وجد في الخوارزميات بيئة حاضنة تصفق لسلوكاته المنحرفة، بينما استثمر الإنسان السوي الأدوات ذاتها لمعرفة العالم وتنمية وعيه، وهو ما أكدته الدراسة الصادرة في كتاب «المرآة الرقمية: النرجسية في عصر وسائل التواصل والمعلومات» (تارابي، 2025).

الجمود الذهني أمام التكنولوجيا يمثل شكلًا من أشكال التراجع التطوري، إذ يختار العقل البشري المتقاعس الاستسلام للجاهزية والراحة الفكرية

وتتجلى قمة هذه الأزمة الوجودية في قطاع المبدعين والفنانين العرب، إذ تحولت صناعة الفن بمرور الوقت من التعبير الوجداني العميق والتأمل الجمالي إلى التسليع المستمر والمبتذل للذات على مذبح «الترند» الخوارزمي. في حين يعاني الوسط الفني اليوم من تصاعد حاد ومقلق في الاضطرابات النفسية المزمنة، كالاكتئاب الإكلينيكي الحاد واضطراب القلق العام، نتيجة التورط القسري في حلقة مفرغة من تزييف الحياة الواقعية بأخرى افتراضية متصنعة للمثالية المطلقة. ومن منظور علم نفس الشخصية الإكلينيكي، يعاني هؤلاء الأفراد من تصدع عميق ومؤلم في مفهوم الذات، فالفنان الذي يبني قيمته الرمزية على أرقام المشاهدات الصماء والإعجابات الوهمية يعيش في فصام دائم ومزمن بين أناه الحقيقية وأناه الافتراضية المصنوعة.

وتتفاقم هذه المعاناة الإكلينيكية المستشهد بها بفعل الآليات العصبية للخوارزميات والذكاء الاصطناعي، التي تصمم بعناية فائقة حلقات تفاعل تُعرف عصبيًا بحلقات التغذية الراجعة الدوبامينية، وهي آليات مدمرة تعتمد على نظام التعزيز متغير النسب لإغراق الدماغ البشري بتدفقات غير متوقعة من هرمون الدوبامين، تمامًا كآليات الإدمان العصبي في ألعاب القمار.

وتؤكد أبحاث علم الأعصاب الحديثة، مثل الدراسة المعنونة «خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي وإدمان المراهقين: التأثير العصبي الفسيولوجي والاعتبارات الأخلاقية»، المنشورة في مجلة «كوروس» (ديباسميثا، إلد جمال وآخرون، 2025)، أن الاستخدام غير المنضبط لهذه المنصات يعيد تشكيل المسارات العصبية المسؤولة عن التحكم بالاندفاعات.

وتتداخل هذه المؤشرات العصبية الحيوية مع دراسات الاستجابات القشرية المتقدمة التي تثبت أن الأفراد المعرضين أصلًا للقلق والاكتئاب تتداعى عليهم تلقائيًا محتويات رقمية مصممة خصيصًا لتعميق مقارناتهم الاجتماعية السلبية، مما يضاعف من شعورهم بالعجز والدونية. هذا الانخراط القسري في حلقات الاغتراب الرقمي لا ينتج سوى فنانين مهزومين من الداخل، تتلاعب بهلوساتهم الخوارزميات وبرمجيات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي ترسم لهم صورًا زائفة عن النجاح، محولة إياهم إلى أسرى دائمين للوهم والخواء الافتراضي المستدام.

وهم الترند وهوسه

تتحول الشاشة الذكية اليوم إلى أداة لتعطيل آليات الدفاع النفسي الطبيعية، إذ يعجز الفنان عن مواجهة إخفاقاته الحقيقية ويلجأ إلى التعويض الوهمي عبر التفاعل الرقمي الزائف. بينما تشير نظريات الطب النفسي السلوكي إلى أن هذا الاعتماد المرضي يولد حالة من تآكل الهوية الفردية، إذ يصبح الكاتب أو الممثل تابعًا ذليلًا لردود فعل الجمهور الافتراضي عوضًا عن أن يكون صوتًا مستقلًا يعبر عن عمق المجتمع وأوجاعه الحقيقية.

وتتوسع هذه الهوة لتشمل انهيارًا في شبكة العلاقات الإنسانية الحقيقية داخل الوسط الثقافي، حينما يتم استبدال الروابط العاطفية والاجتماعية العميقة بتفاعلات سطحية عابرة تفتقر إلى أي محتوى وجداني حقيقي. كما يؤدي هذا الجفاف العاطفي المستمر إلى تفاقم مشاعر الوحدة القاتلة، وهي ظاهرة حذرت منها التقارير الطبية الحديثة باعتبارها مسببًا رئيسيًا لتراجع المناعة النفسية وزيادة معدلات الاحتراق النفسي لدى المشتغلين بالحقول الإبداعية.

وتتأكد خطورة هذه الظاهرة عندما ندرك أن الذكاء الاصطناعي أصبح كيانًا توليديًا يغذي خيالات الفنان بهلوسات بصرية وسمعية تفصله تمامًا عن نبض الواقع المعاش، تمامًا كما وثقتها «المراجعة المنهجية مع التحليل التلوي لاستخدام وسائل التواصل والصحة النفسية»، المنشورة في مجلة الاضطرابات العاطفية (أحمد وآخرون، 2024). وهذا الانفصال الممنهج يجعل المبدع عاجزًا عن التقاط التفاصيل الإنسانية البسيطة التي تشكل عادة المادة الخام لأي عمل فني عظيم، مستبدلًا إياها بقوالب جاهزة ومستهلكة تفتقر إلى الروح والصدق الفني.

وتتطلب مواجهة هذا التصدع البنيوي في وعي المبدع العربي وقفة نقدية شجاعة تعيد الاعتبار للعمق الإنساني والاستقلالية النفسية بعيدًا عن صخب الخوارزميات وأوهام الترند المضللة. إذ إن تحرير الفن من أسر المنصات يقتضي تفكيك هذا الارتباط المرضي بين قيمة الإبداع وأرقام المشاهدات، والعودة إلى الجذور النفسية السليمة التي تجعل من العمل الفني مرآة صادقة لترجمة هموم المجتمع، عوضًا عن أن يكون صدىً لبرمجيات واهية.

الفنان الذي يبني قيمته الرمزية على أرقام المشاهدات والإعجابات يعيش فصاما مزمنا بين أناه الحقيقية وأناه الافتراضية

وتستقيم الحياة الإبداعية حصرًا متى أدرك الفنان أن قيمته الحقيقية تكمن في قدرته على مقاومة زيف الفضاء الافتراضي والاشتباك الخلاق مع الواقع الملموس بآلامه وآماله، معتمدًا على وعي نقدي واعٍ يضع الإنسان أولًا، وينتصر للجوهر الإنساني على حساب الشكل الاستهلاكي العابر الذي تفرضه خوارزميات العصر الرقمي الحديث.

وتعيش النخبة الإبداعية اليوم في شرك سيكولوجي مدمر يُعرف بـ«وهم الترند» ونشوة المشاهدات اللحظية، إذ يتقاطع هذا الهوس مباشرة مع العقد النفسية الدفينة في الواقع المخالف للواقع الافتراضي. بينما يعوض الفنان المهزوم نفسيًا عجزه البنيوي عن مواجهة إخفاقاته الحقيقية في الميدان الفني بجرعات وهمية من التصفيق الرقمي، متأثرًا باضطرابات الشخصية النرجسية التي تجعل قيمته متوقفة حصرًا على استجابة الجماهير العابرة.

وتشير نظريات الطب النفسي التحليلي إلى أن هذا التعلق المرضي يعكس هروبًا دفاعيًا من القلق الوجودي والشعور بالنقص، حينما يتحول العمل الإبداعي من رسالة إنسانية نبيلة إلى وسيلة تعويضية لإشباع طفولي متأخر في لفت الانتباه، ليزيد من تآكل الهوية الفردية ويغرق المبدع في مستنقع من الاغتراب النفسي والعزلة المزمنة بعيدًا عن جوهر الفن الحقيقي.

مقاومة التجديد

وتكشف الثورة التكنولوجية المعاصرة بوضوح قاطع عن هشاشة العقول الكسولة التي ترفض بذل الجهد المعرفي لمواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، محتمية خلف مواقف دفاعية متصلبة. إذ يعجز هؤلاء الأفراد عن استيعاب البنيات البرمجية المعقدة وتقنيات التعلم الآلي، فيلجأون إلى تسفيه المكتسبات العلمية الحديثة باعتبارها «فقاعات عابرة» تفتقر إلى العمق البشري.

إن هذا العجز الاستيعابي لا يعدو أن يكون عرضًا كلاسيكيًا لمقاومة التغيير النابعة من الخوف من قصور الكفاءة الشخصية، إذ يفضل الكسول عقليًا إنكار التقدم العلمي برمته عوض الاعتراف بقصور أدواته المعرفية. تؤكد الدراسات السلوكية في علم النفس المعرفي أن الجمود الذهني أمام التكنولوجيا يمثل شكلًا من أشكال التراجع التطوري، إذ يختار العقل البشري المتقاعس الاستسلام للجاهزية والراحة الفكرية على حساب الاشتباك الخلاق مع منجزات العصر الرقمي.

ويقع العديد من الأساتذة الجامعيين المتقدمين في العمر، لا سيما ممن تخطوا عتبة الخمسين عامًا، في فخ الإنكار الممنهج، فيرون في منجزات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي «موضة تافهة» أو أدوات سطحية، بينما الحقيقة الساطعة تؤكد عجزهم التام عن مواكبة هذا العلم العظيم الذي أعاد هندسة العالم بأسره.

ويمارس هؤلاء الأكاديميون إسقاطًا نفسيًا واضحًا للتغطية على أميتهم الرقمية المتجذرة، متحصنين خلف أبراجهم العاجية وتقاليدهم البيداغوجية البالية التي تجاوزها الزمن. إن الرفض الأكاديمي المتعالي لتقنيات العصر ليس سوى آلية دفاعية تحميهم من مواجهة شعورهم بالتهميش المعرفي أمام جيل رقمي يتقن لغة المستقبل، وهذا يجعل المؤسسات التعليمية في أحيان كثيرة رهينة لعقول جامدة تقاوم التجدد خوفًا من زوال سلطانها الوهمي.

4