مهرجان سلا.. سينما المرأة في مواجهة أسئلة المجتمع
تضع الدورة التاسعة عشرة للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا قضايا المرأة في قلب برنامج متنوع يجمع السينما بالفكر والذاكرة والنقاش الثقافي. وبين تكريم أسماء مغربية واستعادة إرث فاطمة المرنيسي، وحضور سينما كيبيك ضيف شرف، تفتح الدورة أسئلة المجتمع والهوية والمساواة، وتمنح الأجيال الجديدة مساحة للحوار والتعبير.
تستعيد الدورة التاسعة عشرة من المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، الممتدة من 28 سبتمبر إلى 3 أكتوبر 2026، موقع السينما باعتبارها مساحة للذاكرة والحوار والتفكير في التحولات الاجتماعية والثقافية. وتنظم الدورة جمعية أبي رقراق في سنة تحتفل فيها الجمعية بمرور أربعين عامًا على تأسيسها، فيما يقترب المهرجان نفسه من عقدين على انطلاقته سنة 2004.
ويمنح هذا التقاطع الزمني للدورة طابعًا خاصًا، لأنها تجمع بين استعادة الذاكرة الفنية والثقافية المغربية والانفتاح على تجارب سينمائية جديدة، وفي مقدمتها سينما كيبيك التي تحضر ضيف شرف.
المرأة في قلب البرنامج
تضع الدورة المرأة في قلب برنامجها من خلال أفلام ومسابقات وندوات وتكريمات تلامس قضايا العنف والتحرش وحماية الأسرة والمناصفة في الحقوق المدنية وحماية الطفولة والشباب. ويعامل المهرجان هذه القضايا باعتبارها جزءًا من وظيفة السينما في قراءة المجتمع وتوثيق تحولاته، لذلك تتجاور في برنامجه الأفلام الروائية والوثائقية مع النقاشات الفكرية والكتب واللقاءات، بما يجعل التيمة النسائية مدخلًا إلى أسئلة اجتماعية وثقافية أوسع.
ويستعيد المهرجان إرث فاطمة المرنيسي من خلال فقرة خاصة تنظم بشراكة مع جمعية أصدقاء فاطمة المرنيسي للأنشطة الثقافية، في محاولة لربط الصورة السينمائية بالأسئلة الفكرية التي رافقت مسار المفكرة والباحثة المغربية. ويعرض ضمن هذه الفقرة فيلم «فاطمة، السلطانة التي لا تُنسى» لمحمد عبد الرحمن التازي، إلى جانب تقديم أربعة كتب للمرنيسي ترجمت حديثًا من الفرنسية إلى العربية، هي «الحريم السياسي» و«المرأة في اللاوعي الإسلامي» و«الحب في البلدان الإسلامية» و«الخوف من الحداثة: الإسلام والديمقراطية»، بترجمة الحسين سحبان.
ويجعل هذا الاختيار من حضور المرنيسي أكثر من مجرد تكريم لشخصية فكرية، لأنه يعيد إدخال أفكارها إلى فضاء مهرجان يجعل المرأة محورًا للسينما والنقاش الثقافي. وتلتقي هنا السيرة الفكرية مع الصورة، والكتاب مع الفيلم، بما يوسع وظيفة المهرجان من عرض الأعمال إلى استعادة الأسئلة التي أنتجتها التجارب الثقافية المغربية.
تكريمات تستعيد الذاكرة الفنية
تمنح الدورة مكانة بارزة لعدد من الأسماء المغربية التي راكمت حضورًا في السينما والمسرح والتلفزيون والعمل الثقافي، فتكرم أمل عيوش ومريم الزعيمي وابتسام العروسي ومحمد عبد الرحمن التازي، إلى جانب التكريم بعد الوفاة لعائشة بنخضرة.
وتكشف هذه القائمة عن تعدد مواقع الحضور داخل الحياة الفنية والثقافية، من التمثيل إلى الإخراج والإنتاج والعمل المسرحي والمدني.
ويستعيد تكريم أمل عيوش مسار ممثلة ارتبط حضورها بالسينما والدراما وبأعمال تناولت قضايا اجتماعية وإنسانية متنوعة. ويضع المهرجان هذا الاحتفاء ضمن تصوره للتمثيل باعتباره جزءًا من الذاكرة السينمائية، إذ لا يقتصر دور الممثل على أداء الشخصيات، وإنما يساهم أيضًا في تشكيل الطريقة التي يرى بها الجمهور قضايا المجتمع والمرأة والأسرة والعلاقات الإنسانية.
وتضيف مريم الزعيمي إلى قائمة التكريم بعدًا مرتبطًا بتداخل السينما والمسرح، باعتبارها ممثلة ومخرجة مسرحية. ويبرز هذا الاختيار تعدد أشكال المشاركة النسائية في الفعل الثقافي، إذ تنتقل المرأة من موقع الأداء إلى الإخراج وبناء المشاريع الفنية، بينما تفتح تجربة المسرح مجالًا للتكوين والتجريب وصناعة الأدوات التي تنتقل لاحقًا إلى السينما.
وتحضر ابتسام العروسي في موقع يجمع التمثيل والإنتاج، بما يلفت الانتباه إلى موقع المرأة داخل العملية الإنتاجية نفسها. ويمنح هذا التكريم بعدًا إضافيًا لفكرة المشاركة النسائية في الصناعة السينمائية، لأن الإنتاج يرتبط بصناعة القرار واختيار المشاريع وإدارة عملية تحويل الفكرة إلى عمل على الشاشة.
المهرجان يجمع في دورته الجديدة بين استعادة الذاكرة الفنية والثقافية المغربية والانفتاح على تجارب سينمائية عالمية مختلفة
ويحتل محمد عبد الرحمن التازي موقعًا خاصًا داخل البرنامج، إذ يجتمع في مساره الإخراج والتصوير والإنتاج وكتابة السيناريو، كما يتقاطع اسمه مع فقرة «المرأة.. في عيونهم» ومع فيلم «فاطمة، السلطانة التي لا تُنسى». ويجعل هذا الحضور تكريمه مرتبطًا بثلاثة مسارات متقاطعة: تاريخ السينما المغربية، وتمثلات المرأة في الصورة، واستعادة شخصية فكرية مغربية بارزة.
ويستعيد المهرجان عائشة بنخضرة من خلال تكريم بعد الوفاة، باعتبارها شخصية فاعلة في المجتمع المدني وعضوًا في المكتب التنفيذي لجمعية أبي رقراق. ويمنح هذا التكريم للذاكرة الجمعوية مكانًا داخل دورة سينمائية، خصوصًا أن المهرجان نفسه ثمرة عمل مؤسساتي وثقافي طويل، ويتقاطع حضور بنخضرة مع ندوة «السينما وقضايا المجتمع المدني».
سينما كيبيك ضيف شرف
يفتح المهرجان نافذة على سينما كيبيك باعتبارها ضيف شرف الدورة، من خلال أربعة أفلام هي «إمبيتوس» لجينيفر ألين، و«إلهة اليراعات» لآناييس باربو-لافاليت، و«دنيا، البلد الأبيض الكبير» لأندريه كادي وماريا ظريف، و«فانتاس» لحليمة الخطابي. ويواكب هذه العروض لقاء حول سينما كيبيك بمشاركة حليمة الخطابي وجينيفر ألين وآناييس باربو-لافاليت وإيموند.
ويكتسب حضور حليمة الخطابي خصوصية إضافية باعتبارها مخرجة كيبيكية من أصل مغربي، إذ يخصص لها المهرجان درسًا في السينما تتقاسم خلاله تجربتها الفنية ومقاربتها للإبداع مع الشباب والطلبة والمهنيين، بالتزامن مع عرض فيلمها القصير «فانتاس». ويحوّل هذا الاختيار حضور كيبيك من نافذة للعرض إلى مساحة للتبادل المباشر بين السينمائيين والجمهور.
أصوات جديدة وخلف الكاميرا
يفتح المهرجان مساحة واضحة أمام الجيل الجديد من السينمائيين المغاربة من خلال برنامج «نظرة معينة على الأفلام الروائية الطويلة المغربية»، إلى جانب نافذة للأفلام القصيرة التي صممت أو كتبت أو أخرجت أو أنتجت من قبل نساء.
وتتنافس على جائزة الجمهور الشبابي أفلام «آخر اختيار» لرشيدة سعدي، و«2 رواح» لعلاء أكعبون، و«الخطابة» لعبد الله توكونا، و«قصة وفاء» لعبد العالي طاهري. وتشمل الأفلام القصيرة «وشم بيزة» لفاطمة الزهراء أوباحة، و«فستان الجنازة» لإنصاف جنيد، و«هنا حيث البركة» لزينب زيدان، و«بين الجبال» لوصال الجابري، و«البقاء» لأمل بولعالة.
وتمنح «جائزة الضفة الأخرى» هذا التوجه بعدًا إضافيًا، إذ تخصص لفيلم مغربي طويل من إنتاج 2025 أو 2026، على أن يتناول قضايا النساء ويدافع عنها، وأن يشرك أكبر عدد ممكن من النساء في مواقع رئاسة الأقسام ضمن الفريق الفني والتقني. ويجعل هذا الشرط الجائزة مرتبطة ليس فقط بتمثيل المرأة داخل الفيلم، وإنما أيضًا بموقعها في صناعة الفيلم وخلف الكاميرا.
ويستضيف المهرجان هند بنصاري وصوفيا العلوي ضمن فقرة «حوار السينمائيين»، إذ تتقاطع تجربتان سينمائيتان نسائيتان من خلال قراءة كل واحدة لمسار الأخرى وأفلامها. ويمنح هذا الحوار مساحة لمناقشة الاختيارات الجمالية والموضوعات والرؤية الإبداعية، في انسجام مع الحضور الواسع للسينما النسائية المغربية في هذه الدورة.
من الشاشة إلى الكتاب والمدينة
يخرج برنامج الدورة من حدود الشاشة إلى الكتاب، من خلال تقديم مؤلفات مرتبطة بتيمة المهرجان وبواقع السينما المغربية. ويشمل ذلك كتاب «المساواة بين النساء والرجال: النسويات في مواجهة الاختبار» لعائشة بلعربي، إلى جانب مؤلفات فاطمة المرنيسي المترجمة حديثًا إلى العربية.
ويؤكد هذا المسار أن المهرجان لا يتعامل مع السينما باعتبارها صورة منفصلة عن الفكر، وإنما يفتح أمامها مساحات للتفاعل مع البحث الاجتماعي والكتابة والنقاش الثقافي.
وتخرج العروض كذلك من القاعات إلى فضاءات المدينة من خلال عروض الهواء الطلق بشراكة مع جماعة سلا ومقاطعة باب لمريسة ومؤسسة سلا للثقافة والفنون. ويحتضن فضاء «سوق الكبير» بالمدينة العتيقة عروضًا للرسوم المتحركة الموجهة إلى الجمهور الشاب، إلى جانب أفلام مغربية طويلة وقصيرة، في محاولة للاقتراب من جمهور جديد وربط السينما بالفضاء العام والحياة اليومية للمدينة.
لجان تحكيم مغربية ودولية
تجمع لجان التحكيم في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة والوثائقية وجائزة الجمهور الشبابي أسماء مغربية ودولية، بما يعكس الطابع المنفتح للدورة.
وتضم لجنة الأفلام الروائية الطويلة بادي مينك رئيسة، إلى جانب زكية الطاهري وجوليا كوفالسكي وتانيا الخوري وبريسيلا أديدي، بينما تترأس كاترين بيزيرن لجنة الأفلام الوثائقية إلى جانب مريم الجزولي وريجينا ماريانوفسكا-دافيدزون. وتتولى هدى الإدريسي رئاسة لجنة جائزة الجمهور الشبابي، إلى جانب خولة الركراكي وهبة الله الحارثي.