مفارقة ترامب: هل تكون الحرب على إيران بوابة غير متوقعة للدولة الفلسطينية؟
"ماذا لو كان دونالد ترامب، الرجل الذي نقل السفارة الأميركية إلى القدس واعترف بضم الجولان، هو نفسه من سيعلن قيام الدولة الفلسطينية من على منصة الأمم المتحدة؟".
هذا السؤال ليس استفزازاً مجانياً، ولا هو تمنٍ سياسي، بل محاولة لتفكيك مفارقة قد تكون الأغرب في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي: هل يمكن لحرب واسعة على إيران أن تخلق الظروف ذاتها التي تؤدي إلى سلام غير متوقع؟ ما يطرحه هذا المقال ليس توقعاً لأحداث مستقبلية، بل هو تمرين فكري في سيناريو معكوس، حيث تتحول الحرب من عقبة إضافية في طريق السلام إلى بوابة محتملة لإنهاء الصراع.
في الرؤية الأميركية المحتملة، خاصة في عهد ترامب، تمثل إيران عنصراً دائماً لعدم الاستقرار يعطل أي مشروع سلام إقليمي. لكن التحليل الأعمق يظهر أن العائق ليس أحادياً، فسياسات إسرائيل، بحكومتها اليمينية وتوسعها الاستيطاني ورؤيتها التوراتية لإسرائيل الكبرى، تمثل عقبة موضوعية لا تقل أهمية على الأرض. طالما يستمر الزحف الاستيطاني في التهام الأرض الفلسطينية، وتستمر إسرائيل في الاعتداء على الجميع وفي كل مكان دون رادع، يظل الحديث عن حل الدولتين مجرد سراب. ومن هنا، فإن الحرب على إيران، في هذا السيناريو الافتراضي، تهدف إلى تطهير الساحة من المؤثرات الخارجية التي تغذي خطاب المقاومة ومحورها، لكنها وحدها غير كافية، إذ يجب أن يعقبها ضغط سياسي هائل على تل أبيب. وهنا تكمن المفارقة: تحييد الخصم قد يكون مجرد مقدمة لمواجهة الحليف وإجباره على تقديم تنازلات.
مفارقة ترامب تكمن في قدرته على تحويل رصيد القوة الذي يمنحه الأمن المطلق لإسرائيل إلى وسيلة لفرض تنازلات تاريخية تفتح الطريق أمام دولة فلسطين
بعد أن يقدم ترامب لإسرائيل أمنها المطلق عبر تدمير التهديد الإيراني، سيكون قد بنى لنفسه رصيداً سياسياً هائلاً لدى الداخل الإسرائيلي، ما يضعه في موقف قوة غير مسبوق لممارسة الضغط. المفارقة الأكبر هي أن نتنياهو أو أي خليفة له قد يجد نفسه في فخ ترامب، فبعد الخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي ستتكبدها إسرائيل في حرب واسعة النطاق، وبعد استنزاف مواردها الاقتصادية والعسكرية، ستكون في أضعف موقف لها منذ عقود، ولن تكون قادرة على رفض مبادرة سلام يطرحها الرئيس الذي يعتبره الرأي العام الإسرائيلي المنقذ. يمكن تخيل خطاب ترامب لنتنياهو بعد الحرب: “لقد أعطيتك الأمن الذي حلمت به، دفعت إسرائيل ثمناً باهظاً، والآن حان وقت السلام الحقيقي، أعطني الدولة الفلسطينية، ولنجعل من الشرق الأوسط منطقة استقرار، ولنخلد أسماءنا في التاريخ”. هذه ليست سابقة غريبة، ففي أزمة السويس عام 1956 استخدم الرئيس أيزنهاور القوة الاقتصادية والسياسية لفرض الانسحاب على بريطانيا وفرنسا، حليفيه اللدودين، لأن استمرار العدوان كان يهدد المصالح الأميركية العليا ويخدم الاتحاد السوفيتي.
ترامب، بصفته براغماتياً، يدرك أن المشهد السياسي في واشنطن يشهد تحولاً كبيراً، فالرأي العام الأميركي، خاصة بين الشباب والنخب الأكاديمية، يتجه نحو موقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية. حرب غزة الأخيرة كشفت عن عمق هذا التحول، وأظهرت استطلاعات مؤسسة غالوب تراجعاً غير مسبوق في تأييد إسرائيل بين الديمقراطيين والشباب. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يمكن لأي رئيس أميركي، حتى ترامب، أن يكسر قبضة اللوبي الموالي لإسرائيل؟ هذا اللوبي يمتلك مصادر قوة متجذرة منذ عقود، من التمويل الضخم للحملات الانتخابية عبر منظمات مثل إيباك، إلى الهيمنة الإعلامية والثقافية في وسائل الإعلام وهوليوود ومراكز الأبحاث، إلى تحوّل دعم إسرائيل إلى عقيدة مقدسة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وصولاً إلى الشبكات التنظيمية الواسعة التي تخترق مراكز القرار في الإدارة الأميركية. قد يرى ترامب في اللحظة التي تعقب الحرب فرصته التاريخية لتحرير السياسة الخارجية الأميركية من هذه القبضة، وبعد أن يقدم الخدمة الكبرى بتدمير التهديد الإيراني، يستطيع أن يقول لهذا اللوبي “لقد أعطيتكم أقصى ما يمكن أن تطلبوه، وجعلت إسرائيل آمنة أكثر من أي وقت مضى، والآن السياسة الخارجية تعود للأميركيين، وأنا من يقرر كيف ومتى يُصنع السلام، فهل ستعارضون سلاماً يضمن بقاء إسرائيل؟”، لكن نجاحه مرهون بقدرته على تعبئة تحول الرأي العام وتحويله إلى ضغط فعلي على الكونغرس، وهي مهمة قد تكون أصعب من الحرب نفسها، فاللوبي ليس خصماً عسكرياً يمكن قصفه، بل شبكة مصالح متجذرة في نسيج النظام السياسي الأميركي.
يبقى السؤال الأكبر: ما الذي سيحدث في إيران بعد الحرب؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مصير أي مشروع سلام لاحق
هنا تدخل مجموعة الدول التي راهنت على خطة ترامب للسلام ذات العشرين نقطة، والتي تضم خمس دول عربية هي السعودية ومصر والأردن وقطر والإمارات، وثلاث دول إسلامية هي باكستان وإندونيسيا وتركيا. وجود دول وازنة مثل السعودية ومصر وتركيا يمنح هذه المجموعة شرعية وثقلاً هائلين، وفي سيناريو ما بعد الحرب يمكن لهذه الدول أن تتحول من مجرد داعم لخطة أميركية إلى ضامن رئيسي لأي تسوية عادلة، فهي قادرة على ممارسة ضغط سياسي مباشر، ولديها خطوط حمراء واضحة تجاه الحقوق الفلسطينية، كما أن مصر والأردن بصفتهما دولتين حدوديتين مع إسرائيل وفلسطين ضروريان لأي ترتيبات أمنية مستقبلية، فيما تمتلك قطر والإمارات والسعودية القدرات المالية الهائلة اللازمة لإعادة إعمار فلسطين ودفع عجلة التنمية فيها، مما يجعل الدولة الفلسطينية المنشودة قابلة للحياة اقتصادياً. هذه الدول ليست أدوات في يد ترامب، بل هي فاعل رئيسي، وإذا التزم بتحقيق سلام عادل فسيجد فيها حلفاء أقوياء، أما إذا حاول الالتفاف على الحقوق الفلسطينية الأساسية فسيخسر هذا الغطاء الإقليمي الثمين.
يبقى السؤال الأكبر: ما الذي سيحدث في إيران بعد الحرب؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مصير أي مشروع سلام لاحق. فإذا أدت الحرب إلى انهيار الدولة الإيرانية كما حدث في العراق بعد 2003، فستواجه المنطقة فوضى عارمة قد تطغى على أي مشروع سلام، وتصبح الدولة الفلسطينية قضية ثانوية أمام تهديد وجودي أكبر. وإذا خرجت إيران منهكة لكنها موحدة، فقد تنشغل بمعالجة أوضاعها الداخلية لعقود، مما يفتح المجال أمام تحولات إقليمية كبرى ويتحقق هدف تطهير الساحة. أما إذا خرجت إيران محتفظة بقدرات وكلائها مثل حزب الله والحوثيين والميليشيات في العراق، فقد تستخدمهم لزعزعة استقرار المنطقة وتعطيل أي مشاريع سلام.
قد تبدو هذه الأفكار أقرب إلى الخيال السياسي، بل وقد يراها البعض استفزازية، لكن المثير للتفكير أن قطاعات واسعة من أقصى اليمين الإسرائيلي وأقصى اليسار الفلسطيني تتفق على استحالة أن يكون ترامب صانع سلام، فماذا لو كان هذا الإجماع نفسه هو ما يجعل السيناريو المعاكس ممكناً؟ في النهاية، يبقى هذا المقال مجرد تمرين فكري ومادة للنقاش، فهو يقدم سيناريو يظل بعيداً عن أن يكون واقعياً إذا طبقنا عليه قوانين السياسة الواقعية بدلاً من قوانين الدراما والمفاجآت. ما يزيد من تعقيد المشهد أن اللوبي الموالي لإسرائيل يمتلك أدوات يصعب كسرها، وأن مستقبل إيران الأكثر ترجيحاً قد يكون الفوضى أو الانتقام. في الشرق الأوسط غالباً ما يحدث غير المتوقع، لكنه نادراً ما يحدث بهذه البساطة. تبقى هذه القراءة مجرد تأمل في احتمالات بديلة، والأيام وحدها كفيلة بكشف المفاجآت الحقيقية التي تخبئها المنطقة.