هل بدأت إسرائيل بتشكيل العدو الجديد؟
في 18 آب/أغسطس 2026، شنت إسرائيل ثماني غارات جوية على قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب السوري، على بعد نحو 70 كيلومتراً من الحدود التركية. القاعدة، التي كانت خارج الخدمة منذ عام 2013، كانت تخضع لإعادة تأهيل من قبل الجيش السوري الجديد بمساعدة تركية. وقد بررت إسرائيل الهجوم بأن سوريا كانت “على وشك الإخلال بالوضع القائم المتفق عليه” من خلال السماح لقوات تركية بالانتشار في القاعدة، مؤكدة أنها “لن تتسامح مع تهديدات لأمنها”. لكن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، حذر من أن الغارة “كانت على بعد خطوة واحدة من مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا”، مشيراً إلى أن القوات التركية لم تكن تعلم أن الطائرات الإسرائيلية في طريقها، وكان بإمكانها أن تظن أنها تتعرض للهجوم فتشن هجوماً مضاداً.
باعتقادي أن هذا المشهد ليس مجرد حلقة عسكرية عابرة، بل هو مرآة لتحول استراتيجي أعمق، حيث أن إسرائيل، التي بنت عقيدتها الأمنية على استمرارية وجود “عدو خارجي”، تبحث اليوم عن خصم جديد بعد أن أوشكت إيران وحلفاؤها على الخروج من دائرة التهديد الوجودي. لكنها هذه المرة تواجه لعبة كبرى لا ترسم قواعدها وحدها، بل يرسمها الأميركيون أنفسهم.
ولفهم هذا الموضوع بشكل أكبر، يجب علينا النظر إلى أن إسرائيل منذ نشأتها اعتمدت على استراتيجية “العدو” كأداة مركزية للحفاظ على وحدتها الداخلية وقوتها. ففي عقيدتها الأمنية، لا تقوم الدولة العبرية على حدود جغرافية بقدر ما تقوم على وجود عدو خارجي يبرر عسكرتها، ويوحد صفوفها الداخلية، ويمنحها تفويضاً أخلاقياً مفتوحاً، داخلياً وخارجياً.
فمنذ تأسيسها عام 1948، جعلت إسرائيل من العرب العدو الوجودي لها حتى العام 1978، حينما خرجت مصر من المعادلة بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، ثم انتقل العدو ليكون حركة فتح وفصائل منظمة التحرير في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ثم حزب الله في لبنان في التسعينيات، ومعهم حماس والجهاد في نفس الفترة. لكن الحقائق والتاريخ يكشفان أن إسرائيل لم تكتفِ فقط بمواجهة أعدائها، بل ساهمت في خلق بعضهم. فحركة حماس، التي تأسست في أواخر الثمانينيات، كانت تُرى في أوساط المخابرات الإسرائيلية كـ”بديل روحي” لمنظمة التحرير، حيث سهّلت إسرائيل إنشائها وتقويتها ومن ثم تمكينها من الوصول إلى السلطة في قطاع غزة عام 2006، بموافقتها على إجراء الانتخابات التشريعية دون أن تعترف حماس على الأقل باتفاق أوسلو الذي تندرج تحته تلك الانتخابات، وكذلك غضّت الطرف عن استيلائها بالقوة على القطاع في العام الذي تلاه، وعزّزت تواجدها بطرق مختلفة ووصل بها الأمر لتسهيل تمويلها. أما حزب الله، فقد فعلت إسرائيل الشيء نفسه ولكن بطريقة مختلفة، وذلك من خلال الانسحاب من لبنان عام 2000 مع الإبقاء على مزارع شبعا، التي ليست لها أيّة أهميّة إستراتيجيّة، محتلة، لتوفير الذريعة لبقاء الحزب بحجة المقاومة، وغضّت الطرف عن تسليحه وإنشاء بنيته التحتية بالتواطؤ مع إيران وسوريا لبعض الوقت. وما حدث لاحقاً من عملية “البيجر” واغتيال العديد من الشخصيات البارزة وعلى رأسها حسن نصر الله يؤكد أن إسرائيل كانت تمتلك المعلومات والإمكانيات لوقف حزب الله، منذ البداية، لكنها فضّلت الاحتفاظ به لبعض الوقت كورقة استراتيجية.
وعليه، أرى أن هندسة الخوف ليست انعكاساً للواقع بقدر ما هي حاجة إسرائيلية داخلية لإعادة إنتاج الخوف بوصفه أداة حكم وذريعة استراتيجية. وإسرائيل تدرك جيداً أن وجود عدو خارجي يمنحها القدرة على السيطرة على الانقسامات الداخلية العميقة؛ وهذا ما نراه في استطلاعات الرأي المختلفة، حيث يعترف 59% من الإسرائيليين بأن الشرخ الاجتماعي الداخلي هو الخطر الأكبر على دولتهم، وفقاً لاستطلاع أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي(IDI). وهكذا، يتم إعادة إنتاج العدو الخارجي مرة بعد مرة لتحويل الأنظار عن التصدعات الداخلية.
وأرى أيضاً أنه بعد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وتآكل قدراتها العسكرية وشبكة وكلائها الإقليميين، وخاصةً بعد سقوط نظام الأسد في سوريا وإضعاف حزب الله، لم تعد طهران تشكّل الخطرَ الوجوديَّ نفسه الذي كانت عليه. فقد حدّدت الولايات المتحدة ملامح هذه النهاية، فيما أيقنت إسرائيل أن التهديد الإيراني لم يعد يبرر استمرار حالة التعبئة الشاملة.
إسرائيل التي بنت عقيدتها الأمنية على استمرارية وجود “عدو خارجي” تبحث اليوم عن خصم جديد بعد أن أوشكت إيران وحلفاؤها على الخروج من دائرة التهديد الوجودي
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من سيملأ الفراغ الذي تخلفه إيران؟ وبما أن إسرائيل لا تستطيع العيش بلا عدو، كما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وغيره، فقد بتنا نرى اليوم أنها بدأت توجيه بوصلتها نحو اتجاه جديد. ففي الأشهر الأخيرة، تصاعد الخطاب العدائي الإسرائيلي تجاه تركيا بشكل غير مسبوق. ففي مقابلة مع شبكة CNN، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تركيا بأنها “ليست قوة للسلام والاستقرار” وأنها “لديها طموحات عدوانية”. وحسب تقارير إعلامية مختلفة، ناقش الكابينت السياسي الأمني الإسرائيلي بشكل شبه علني اعتبار تركيا عدواً. فوفقاً لصحيفة جيروزاليم بوست، برزت تركيا كأكبر تهديد استراتيجي لإسرائيل مع تراجع إيران، وأطلق نتنياهو حملة علنية في واشنطن لمنع بيع طائرات F-35 لتركيا، معتبراً أن ذلك سيخل بتوازن القوى في الشرق الأوسط. وحذّر المحللون الإسرائيليون من أن تركيا، التي كانت إيران تسعى لتطويق إسرائيل بحلقة شيعية، تبدو الآن عازمة على بناء حلقة سنية مماثلة.
لكن لماذا تركيا تحديداً؟ تمتلك أنقرة ثلاث ميزات تجعلها “عدواً مثالياً” في العقيدة الإسرائيلية: الجوار الجغرافي والتداخل في سوريا والعراق، والقوة العسكرية التقليدية التي تختلف عن التهديد غير المتناظر لحزب الله، والطموح الأيديولوجي المتمثل في الإرث العثماني والرهان على القيادة الإسلامية السنية. هذه الميزات تسمح لإسرائيل بتسويق التهديد كـ”خطر وجودي جديد” للغرب، وتبرير استمرار عسكرتها.
ومع الاعتراف بذكاء إسرائيل في هندسة أعدائها، فإن قراءة المشهد اليوم تظل ناقصة دون إدراك أن تركيا ليست مجرد “عدو مُصنّع” لملء فراغ إيراني، بل هي فاعل إقليمي يمتلك مشروعاً طموحاً خاصاً به. فأنقرة، التي تراهن على إرثها العثماني وقوتها العسكرية التقليدية (ثاني أكبر جيش في الناتو)، لم تكتفِ بالرد على الاستفزازات الإسرائيلية، بل بادرت إلى تعزيز نفوذها في سوريا وشرق المتوسط، ووقّعت “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” مع السعودية وباكستان، وكأنها ترسم خرائط جديدة للمنطقة لا تستأذن فيها أحداً. وعليه، فإن التنافس الحالي ليس لعبة من طرف واحد يصنع خصمه، بل هو تصادم بين مشروعين إقليميين طموحين؛ أحدهما صهيوني يرتكز على الردع الأمني والتوسع، والآخر عثماني جديد يراهن على العمق الإسلامي والقيادة السياسية، مما يجعل المواجهة القادمة أشبه بصراع وجودي على قيادة الشرق الأوسط، وليس مجرد حلقة في مسلسل إسرائيلي لإعادة إنتاج الخوف.
غير أن قراءة هذا التحول الإسرائيلي لا تكتمل بمعزل عن المتغير الأميركي العميق. فالولايات المتحدة، التي كانت طوال عقود الحاضن والداعم الأكبر لإسرائيل، بدأت اليوم ترسم خريطة جديدة للشرق الأوسط والتي لا تضع تل أبيب في مركزها، بل تمنح دوراً محورياً لثلاث قوى إقليمية مهمة إحداها نووية في إطار إعادة تشكيل الشرق الأوسط ما بعد إيران، وهي المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان. فقد وضعت الولايات المتحدة تركيا كحجر الزاوية في الإستراتيجية الأميركية، ولكن ليس وحدها، بل في تحالف ثلاثي مع السعودية وباكستان، حيث يشكّل هذا المثلث الجديد من وجهة نظري العمود الفقري للمشروع الأمريكي الذي يهدف إلى إعادة ترتيب الوضع الإقليمي تحت مظلة واشنطن. وقد حظي الحلف الدفاعي الأخير بين هذه الدول بإشادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصفه بـ”خطوة تاريخية نحو الاستقرار”، وهو ما يُقرأ كضوء أخضر أميركي مفتوح للدول الثلاث، ولا سيما أنقرة، لتعزيز نفوذها، حتى على حساب حليفتها القديمة إسرائيل.
الجديد هنا ليس المنافسة بين الرياض وأنقرة، فهي قائمة منذ زمن، بل أن واشنطن أصبحت هي من تضع القواعد بين الطرفين بل يمكن القول الأطراف المختلفة. فالسياسة الأميركية الجديدة تقوم على “تقسيم الأدوار”، حيث تسمح لتركيا بالنفوذ في سوريا ومنع عودة التطرف، وتعطي السعودية دوراً اقتصادياً ومالياً في مشاريع مثل الممر الهندي-الأوروبي، وتطلب من إسرائيل دوراً أمنياً مضبوطاً ضد التهديدات العابرة للحدود فقط، وليس كقوة تقرر مصير المنطقة بمفردها. وتعطي لباكستان دورا محوريا في الوساطة، ونوويا في الخلف الدفاعي. وقد باتت إسرائيل اليوم يطلب منها التنسيق مع واشنطن قبل أي خطوة، وهذا لم يكن يحدث سابقاً على الإطلاق.
وما يجري اليوم في سوريا وفلسطين ولبنان وأيضاً في العراق ليس مجرد تحركات عسكرية أو أمنية محلية، بل هو مشهد لسيطرة أميركية متزايدة على كل المفاتيح في المنطقة. ففي سوريا، تتعامل واشنطن مع تركيا كشريك في إدارة المرحلة الانتقالية، وتغض الطرف عن تحركات أنقرة العسكرية شمالي البلاد، بينما تضغط على إسرائيل لضبط ردود فعلها. وفي فلسطين، تعمل الإدارة الأمريكية على فرض تسوية عبر خطة الرئيس ترامب ذات العشرين نقطة، وفي الوقت نفسه تضع قيوداً على التوسع الاستيطاني. يضاف إلى ذلك التحرك السياسي والدبلوماسي الذي تقوده المملكة العربية السعودية. وفي لبنان، ترعى أميركا ترتيبات تمنع انزلاق البلاد نحو فوضى شاملة. والمحصلة أن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر إسرائيل اللاعب الوحيد، بل باتت تنظر إليها كأداة تحتاج إلى ضبط، وليس كشريك على قدم المساواة.
في هذا السياق الجديد، بدأت إسرائيل تفقد تدريجياً أدوات هامة كانت تضمن لها تفوقاً سياسياً خارجياً. فقد تراجعت قوة اللوبي الصهيوني في واشنطن (أيباك) بشكل كبير أمام صعود أصوات ناقدة داخل الحزبين، خاصة مع تنامي المد التقدمي بين الشباب الديمقراطي وارتفاع الأصوات المؤيدة لحقوق الفلسطينيين. وفي الانتخابات الأخيرة، خسر العديد من مرشحي أيباك أمام خصوم أقل دعماً لإسرائيل، مما يؤكد تراجع القوة المطلقة للوبي.
وفي أوروبا، بدأت حكومات عديدة تبتعد عن التزاماتها التاريخية وتعلن مواقف أكثر توازناً، بل معادية في بعض الأحيان. كذلك، فقدت إسرائيل فعالية أداة “معاداة السامية” التي لطالما وظّفتها لإسكات منتقديها؛ فجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية الموثقة في غزة ولبنان، وصور الدمار التي طافت العالم، جعلت هذا التصنيف يفقد مصداقيته. لم يعد بالإمكان تغطية الفظائع تحت عباءة التاريخ، وتحولت إسرائيل في وعي شعوب العالم من “دولة مظلومة” إلى “دولة مرتكبة للفظائع”، حتى في نظر بعض حلفائها التقليديين.
ما يجري اليوم في سوريا وفلسطين ولبنان وأيضاً في العراق ليس مجرد تحركات عسكرية أو أمنية محلية بل هو مشهد لسيطرة أميركية متزايدة على كل المفاتيح في المنطقة
كذلك، فقدت إسرائيل ما يمكن تسميته “المقبولية الأميركية المطلقة”، فما كانت تفعله دون حساب خلال العقود الماضية، من احتلال وتوسع استيطاني واغتيالات وحروب، لم يعد مقبولاً بنفس السهولة من قبل واشنطن. فالإدارة الأمريكية الحالية ترى في التطرف الإسرائيلي عبئاً استراتيجياً يعرقل مشروعها الجديد الذي يعتمد على التكامل الإقليمي القائم على التحالف الثلاثي، وليس مع إسرائيل كحليف أوحد. ويتجلى ذلك في التوبيخ العلني الذي طال إسرائيل ورئيس حكومتها من قبل الإدارة الأميركية الحالية وعلى لسان الرئيس ترامب نفسه، وهو ما كان نادراً بل يمكن القول من المحرمات قبل عقد من الزمن.
في مواجهة هذه التحولات الهامة، تحاول إسرائيل التكيف عبر استراتيجيات مضادة: تعميق التحالف مع الهند وقبرص واليونان، وتكثيف الضربات الاستباقية في لبنان وغزة وزيادة الضغط في الضفة الغربية عبر توسيع الاستيطان وإفلات قطعان المستوطنين ليعيثوا فساداً، للتأكيد على استقلاليتها وإبراز قيمتها لأميركا كحليف أمني، وكذلك في سوريا في محاولة تجميد العلاقات التركية-السورية ومنع أي تقارب يعزز النفوذ التركي.
غير أن قراءة هذه التحركات، من غارات أبو الظهور إلى الخطاب العدائي تجاه أنقرة، تظل مثار جدل. هل هي محاولات يائسة من دولة تبحث عن دور لها في عالم لا يعترف بأحقيتها التاريخية؟ أم هي إعادة تموضع استراتيجي ضمن قواعد اللعبة الجديدة التي ترسمها واشنطن؟ الحقيقة، كما يبدو، تقع في منطقة رمادية: إسرائيل تحاول الحفاظ على زخم الردع وقيمة إضافية في نظر واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تواجه أزمة ثقة استراتيجية وتراجعاً في المكانة الدولية.
في نهاية المطاف، تكشف إعادة تشكيل الأعداء الإسرائيلية عن حقيقة أعمق: إسرائيل لم تعد تمتلك القدرة على فرض أجندتها بمفردها، ولم تعد قادرة على الاعتماد على الحصانة الأميركية والأوروبية التي كانت تحميها. وجودها اليوم يعتمد على قدرتها على التكيف مع مشروع أميركي جديد لا يحتمل غطرستها، وعلى واقع إقليمي تتقاسم فيه تركيا والسعودية وباكستان النفوذ مع واشنطن في هذه البقعة من العالم.
غير أن التحليل يظل مفتوحاً على سيناريوهات بديلة: ماذا لو نجحت إسرائيل في إقناع أميركا بأن تركيا تهدد مصالحها النفطية في سوريا؟ ماذا لو تدهورت العلاقات التركية-السعودية مجدداً، فانهار المثلث الأميركي؟ هذه الاحتمالات تذكرنا بأن السياسة الشرق أوسطية تبقى سائلة، وأن اليقين المطلق في التحليل قد يكون فخاً.
وإذ تبدأ إسرائيل بتشكيل عدوها الجديد (تركيا)، فهي تواجه في الوقت نفسه أزمة شرعية وجودية في الداخل الدولي. والعبرة أن من صنع الأعداء طوال عمره، قد يكتشف يوماً أنه أصبح هو العدو لمن كانوا حلفاءه، وأن المشروع الإسرائيلي في الشرق الأوسط، كما عرفناه خلال عقود، يواجه اليوم أعنف امتحاناته في لعبة كبرى أصبح فيها مجرد لاعب ثانوي، لا محوراً، ولا حتى حجر زاوية.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بأي حال عن وجهة نظر رسمية.