انقلاب الأدوار ورهان الميليشيات على سراب الماضي
“زمن أول حول”. يضرب العامة هذا المثل الشعبي للتعبير عن قطيعة حتمية مع الماضي؛ حيث كانت تُفعل أشياء في زمان مضى لم يعد ممكناً تكرارها، لأن الظروف تغيرت والمعادلات انقلبت. وإذا كان هذا المثل يُطلق في العادة على العلاقات الاجتماعية أو العادات، فإنه اليوم يجد تطبيقه الأكثر دراماتيكية وإيلاماً في واقع الميليشيات المسلحة في الشرق الأوسط، وتحديداً حركة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان.
فالمعادلة التي قامت عليها هذه الميليشيات لم تعد قائمة الآن. فإسرائيل التي مكّنت تلك الميليشيات وقوّتها واستفادت منها لعقود، هي أيضاً من جعلتها اليوم تدفع ثمن هذا التمكين، ليس لأنها صارت ضحية فجأة، أو لم تعد تؤدي الدور المطلوب منها، بل لأن مشروعها انتهت صلاحيته. والمتغير الأهم الذي أنهى هذا المشروع ليس صمود الميليشيات ولا قدراتها، بل هو تغيّر السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، التي لم تعد تقبل بمنطق “الاحتواء الدوري” و”الميليشيات المفيدة”، بل باتت تسعى إلى ترتيب إقليمي جديد يقوم على تصفية هذه الميليشيات وإنهاء دورها بالكامل، لإرساء نظام جديد يعتمد على مركزية الدولة.
وفي حين أن حماس بدت كمشروع إسرائيلي ناجح في “زمن أول”، فقد تحولت اليوم إلى مشروع فاشل بامتياز. فحركة حماس في مرحلة البداية لم تكن مجرد حركة مقاومة ناشئة، بل كانت بمثابة “ورقة رابحة” في اللعبة الإسرائيلية الاستراتيجية، حيث كان هناك إجماع ضمني في المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية على تقوية حماس كحائط صد أمام المد القومي العلماني الذي كانت تمثله حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية.
ونرى ذلك بوضوح في مرحلة ما قبل أوسلو، حيث تغاضت إسرائيل عن نشاط حماس في قطاع غزة والضفة الغربية، بل وسمحت لها باكتساب شرعية اجتماعية ودينية عبر العمل المجتمعي والدعوي، لتكون القطب المضاد لسلطة ياسر عرفات. وقد بلغت ذروة هذا التواطؤ خلال الانتفاضة الأولى، حيث ظهرت “القيادة الموحدة” التي كانت تضم الفصائل الوطنية، لكن حماس بقيت خارجها، مُشكِّلةً بذلك “قيادة موازية” تغذيها إسرائيل بهدف إضعاف القيادة الموحدة. وكذلك لم تكتفِ إسرائيل بإغماض عينيها عن تهريب الأسلحة وتمكينها عسكرياً، بل راهن اليمين المتشدد، وبخاصة في فترة انطلاق أوسلو، على عمليات حماس الانتحارية مع شريكتها الجهاد الإسلامي (التي وجدت فجأة المتفجرات والقدرات الفنية المطلوبة لتنفيذ تلك العمليات!) لتوفير الذريعة لنسف أي تقدم سياسي نحو حل الدولتين.
ويجب الإشارة إلى أن ما سبق ليست قراءة معزولة أو نظرية مؤامرة. نتنياهو نفسه قال ذلك علناً في اجتماع لكتلة الليكود عام 2019: إن من يريد إفشال قيام دولة فلسطينية عليه دعم تعزيز حماس وتحويل الأموال إليها. وهو تصريح موثق ومتداول، ويأتي استكمالاً لنمط سياسي متكرر أوضحه مسؤولون إسرائيليون سابقون في مناسبات مختلفة. بل إن صحيفة “معاريف” كشفت أن نتنياهو أدار قناة اتصال سرية ومباشرة مع القيادي في حماس غازي حمد عبر رجل الأعمال شلومو فوغل، بعيداً عن علم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، خلال عملية “الجرف الصامد”. المسؤولون الأمنيون واجهوا نتنياهو، فنفى علمه وطلب منهم إبلاغ فوغل بوقف التواصل، لكن تبين لاحقاً أن فوغل كان يتصرف بتفويض من نتنياهو نفسه. مكتب نتنياهو نفى التقرير ووصفه بأنه “أخبار كاذبة”. وهذا ما يوسّع نطاق هذا النمط ليتجاوز مجرد التساهل إلى قناة تواصل مباشرة ومنفصلة عن أجهزة الدولة الرسمية. ويضاف إلى ذلك ما قاله موسى أبو مرزوق في أحد البرامج الشهيرة مع طوني خليفة من أنهم ساهموا في فترة ما في إسقاط حزب العمل في الانتخابات والمساعدة في وصول نتنياهو لسدة الحكم، وأن إسرائيل رفضت استلامه من واشنطن عندما تم اعتقاله هناك لأنها لا تريد مشاكل! كل هذا يطرح علامات تساؤل كبيرة عن طبيعة تلك العلاقة بين الطرفين.
إسرائيل صنعت عدوها عبر تمكين حزب الله لتوحد الداخل وتبرر الحل العسكري لكن الحسابات تغيرت مع الضغوط الأميركية والتحولات الإقليمية التي أنهت المشروع
واستمر هذا المد التصاعدي لحماس، من خلال الانسحاب الأحادي من قطاع غزة الذي قام به شارون عام 2005، مروراً بموافقة إسرائيل على دخول حماس الانتخابات التشريعية عام 2006 على الرغم من عدم اعترافها باتفاق أوسلو أو مخرجاته، حيث كان الهدف تمكينها من الحصول على شرعية شعبية داخلية. واستمر ذلك وصولاً إلى الانقلاب الذي قامت به حماس على السلطة في غزة عام 2007، والذي كانت تعلم به إسرائيل ودعمته من وجهة نظري، ثم إلى السابع من أكتوبر 2023.
وهنا لا بد من التوقف عند ما بات موثقاً وليس مجرد تكهن: فبعد الهجوم، كشفت تحقيقات صحفية إسرائيلية متتالية أن نتنياهو تلقى تحذيرات فعلية قبل السابع من أكتوبر ولم يتصرف بناءً عليها، لدرجة دفعت أربعة من قادة المعارضة الإسرائيلية البارزين — غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان ويائير غولان — لإصدار بيان مشترك نادر يسأل بشكل مباشر: “ماذا كان نتنياهو يعلم، ومتى علم، ولماذا لم يُطلع المؤسسة الأمنية، ولماذا لم يتخذ أي إجراء لحماية المدنيين الإسرائيليين؟”. وقد وصف بينيت تجاهل هذه التحذيرات بأنه “إهمال جنائي”.
وفي بداية حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، ظن كثيرون أن المعادلة الإسرائيلية القديمة ما زالت قائمة، بهدف العودة إلى “زمن أول”؛ أي إعادة تدوير الصراع بشكل دوري، حيث تعود الحركة لتنفس الصعداء وإعادة بناء قوتها تحت مظلة ما كان يسمى صفقات تبادل أسرى وهدوء مقابل هدوء. لكن سرعان ما حدث التحول الأكبر، حيث انقلبت الطاولة رأساً على عقب؛ ولم يعد قرار الحرب والإدارة بيد إسرائيل وحدها. فبعد أن كانت إسرائيل تمسك بالملف الفلسطيني منفردة، صارت الولايات المتحدة الأميركية شريكاً ولاعباً أساسياً فيه، وتعزز ذلك بوصول دونالد ترامب لسدة الحكم، وباتت هي التي تفرض سقوفاً زمنية وتوجهات إستراتيجية.
واليوم، وبعد أن خسرت كل شيء، تحاول حماس جاهدةً تقديم كل ما تملك من تنازلات أو مرونة في ملف المفاوضات وتسليم السلطة في القطاع وتسليم السلاح، لكن إدراكها للواقع جاء متأخراً؛ فالأمر لم يعد مجرد احتواء إسرائيلي، بل أصبحت واشنطن تريد حلاً جذرياً لا يعيد إنتاج حماس ككيان سياسي أو عسكري في غزة كما كانت تفعل إسرائيل دائماً. وهذا ما يجعل رهان الحركة على العودة للماضي ضرباً من الجنون الاستراتيجي.
وينطبق النموذج نفسه بشكل شبه مطلق على حزب الله في لبنان. ففي “زمن أول”، ساهمت إسرائيل في جعل حزب الله “المعشوق” الشعبي والقوة الأكبر المهيمنة على مفاصل الدولة اللبنانية، ليس عن طريق المصادفة، بل عبر حسابات دقيقة. تجلى ذلك بوضوح في الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، وأصرت على الإبقاء على مزارع شبعا كمنطقة متنازع عليها، رغم أنها لم تكن لبنانية من وجهة نظر القانون الدولي الضيقة، وكذلك لم تكن تشكل أية قيمة إستراتيجية أو عسكرية لإسرائيل. وقد كان ترك هذا الملف مفتوحاً بمثابة “المبرر الذهبي” الذي منح حزب الله شرعية استمرار سلاحه وهيمنته على القرار اللبناني تحت ذريعة المقاومة، وبروز نجم حسن نصر الله.
وقد يقول البعض إن إسرائيل راهنت حينها على أن وجود حزب الله القوي والمتحكم بزمام الأمور في لبنان قد يكون أفضل من فوضى التنظيمات الفلسطينية أو الفراغ الأمني على حدودها الشمالية، لكني أقول إن إسرائيل قامت بما برعت فيه على مدار عقود، وهو صناعة عدوها الذي بموجبه تقوى جبهتها الداخلية، وتوحد الجميع وراء الهدف المشترك، وتعالج عقدة الخوف التي تسيطر على الشعب الإسرائيلي عن طريق الحل الأمني العسكري. لكن هذا الحساب تغير اليوم بصورة جذرية. فمع التحولات الإقليمية والضغوط الأميركية المتصاعدة، وتغير سياسة الولايات المتحدة فيما يتعلق بمشروع الميليشيات الذي رعته وغذته مسبقاً، لم يعد حزب الله ذلك الشريك المقبول لإدارة النزاع، على الرغم من أن إسرائيل كانت على معرفة ودراية كاملة بكل صغيرة وكبيرة عما تقوم به تلك الميليشيا (والشاهد على ذلك عملية “البيجر” واغتيال حسن نصر الله وغيره من قيادات الحزب)، لكنه تحول إلى عبء استراتيجي على المشروع الجديد، ولم تعد إسرائيل تستطيع تحمل كلفة إدارته وحدها كما كان في السابق، خاصة وأنه جزء من محور إقليمي إيراني مناهض للوجود الأميركي.
حزب الله يتمسك بمعادلات “زمن أول” يفرض قواعد اشتباك محدودة ويربط لبنان بغزة لكنه يفشل في إدراك أن القرار أصبح بيد واشنطن لا إسرائيل
وقد بتنا نرى اليوم أن حزب الله يحاول، بكل قوته، أن يتمسك بمعادلات “زمن أول”: محاولاً فرض قواعد اشتباك محدودة على الحدود الجنوبية، أو الاستمرار في ربط مصير لبنان بمصير غزة، أو حتى تسويق نفسه كحامي للبنان رغم تورطه في الأزمات اللبنانية المالية والسياسية. ولكنه يفشل في الوقت نفسه في إدراك أن اللعبة تغيرت؛ فالقرار لم يعد بيد إسرائيل وحزب الله اللذين كانا يقبلان بترتيبات أمنية محدودة تحت الضغط الأميركي والدولي، بل أصبح بيد الولايات المتحدة التي تقود مشروعاً إقليمياً جديداً يقوم على إنهاء دور الميليشيات الإيرانية بالكامل في المنطقة، وتفكيك المحاور المسلحة التي تهدد مشروعها الجديد. فالولايات المتحدة اليوم تدير مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان، ولكن هذه المرة مع السلطة الشرعية اللبنانية وليس مع الفصيل المسيطر كما كان يحدث في “زمن أول”.
والخلاصة من وجهة نظري أن مشروع الميليشيات قد انتهت صلاحيته، حيث كان القاسم المشترك بين حماس وحزب الله يتلخص في أنهما وُلدا وترعرعا كأدوات في مشروع إسرائيلي قديم، لكن هذا المشروع انكشف وتعطل. ففي “زمن أول”، كانت إسرائيل قادرة على توظيف الميليشيات لخدمة أجنداتها الضيقة وضد خصومها الآخرين، وفي تعزيز العدو الذي يوفر لها وحدة داخلية مزعومة على حساب تجاهل تحذيرات من صفوف مؤسستها الأمنية نفسها، كما تكشف اليوم بيانات ساستها ومعارضتها.
أما اليوم، فقد أصبحت واشنطن هي العراب الحقيقي للإستراتيجية الأمنية في الشرق الأوسط — وإن ظلت خلافاتها العلنية مع تل أبيب حول وتيرة ما يحدث وأهدافه دليلاً على أن الملف لم يُحسم بالكامل بعد — وعليه فإن محاولة هاتين الحركتين العودة إلى مربع “المقاومة المدارة” أو “الاحتواء الدوري” تعد ضرباً من العبثية، لأن الاتجاه العام لدى واشنطن لا يميل إلى احتواء الأزمة، بل إلى حسمها وفق رؤيتها للشرق الأوسط الجديد.
وأختم بالقول إن “زمن أول” قد ولى بالفعل، وحل محله زمن آخر تفرض فيه واشنطن قواعدها بقوة. ولم تعد إسرائيل تملك السيادة المطلقة على قرار الحرب والسلم حين يتعلق الأمر باستراتيجيات كبرى، لا لأنها أصبحت ضحية، بل لأن مشروعها الذي أطلقته وأدارته لعقود انتهت صلاحيته، وجاء الوقت الذي تفرض فيه واشنطن رؤيتها الخاصة للترتيب الإقليمي الجديد، وهي رؤية لا تعيد إنتاج حماس ولا حزب الله كما كانا في “زمن أول”.
ويبقى أن المأساة الحقيقية تكمن في أن حماس وحزب الله، باستمرارهما في التأجيل والمماطلة والتأخير، يستنزفان نفسيهما وجيوبهما وشعوبهما في محاولة مستميتة لإحياء ماضٍ لن يعود، وكأنهما يمسكان برماد يحاولان إعادة إشعاله في عاصفة لا ترحم. والحقيقة الأكبر أن هذا الماضي لم يصنعاه هما، بل صنعته إسرائيل بيدها، ثم جاء الوقت الذي انتهت فيه صلاحية هذا المشروع، لأن السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط تغيّرت، ولم تعد تقبل بمنطق “زمن أول” ولا بأدواته.
– المقال يعبر عن وجهة نظر شخصية ولا يعبر بأي حال عن وجهة نظر رسمية.