الحملة التي كشفت عن الخوف من السعودية الجديدة

زيارة ولي العهد إلى باريس أبرزت شراكة استراتيجية مع أوروبا، بعقود مليارية، لتؤكد أن السعودية شريك لا غنى عنه في معادلة الاستقرار الدولي.
الجمعة 2026/08/28
شراكة استراتيجية مع أوروبا

قد يتساءل قارئ هذا المقال: لماذا أنا، كفلسطيني، مهتم بهذا الحد؟ ولماذا كل هذا الاهتمام بالمملكة العربية السعودية؟ أقول إن الإجابة قد تكون بسيطة في جوهرها، لكنها عميقة في تأثيرها. فأنا شخصياً أؤمن إيماناً راسخاً بأن كلما كانت السعودية أكثر قوة واستقراراً وفاعلية على الساحة الدولية، كلما زادت حظوظ قضيتنا الفلسطينية في التحرر من الجمود الذي يعتريها. فالرياض اليوم ليست مجرد دولة خليجية، بل هي القائدة الفعلية وحاملة لواء الحل السياسي، سواء من خلال تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن، أو شراكاتها المتينة مع أوروبا، أو انفتاحها على مختلف دول العالم. إنها تملك الأدوات -السياسية والاقتصادية والدبلوماسية- لدفع الجميع نحو تسوية عادلة، وهذا ما يجعل أي حملة إعلامية تستهدف تضعيفها بمثابة حملة تستهدف مستقبل القضية الفلسطينية ذاتها. لذا، حين أرصد هذه الهندسة السردية ضد الرياض، فإنني لا أدافع عن دولة شقيقة فحسب، بل أدافع عن الركيزة الأقوى القادرة على ترجمة حل الدولتين إلى أرض الواقع.

ومن هنا، وقبل الخوض في التفاصيل، يجب القول إن هذا التحليل لا ينكر حقيقة أن المنطقة تمر بمرحلة اضطراب غير مسبوق، وأن مشاريع التحول الكبرى كـ”نيوم” تواجه تحديات تشغيلية ومالية طبيعية في خضم حرب إقليمية، كما لا يقلل من حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها جميع الأطراف. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تعكس التغطية الإعلامية الغربية المكثفة خلال ستة عشر يوماً فقط هذا الواقع المعقد، أم أنها تسعى إلى صياغة سردية مغايرة تخدم أهدافاً تتجاوز المهنية الصحفية؟

من خلال متابعتي اليومية للأخبار، لفتني أمر بالغ الأهمية، وهو أنه في غضون ستة عشر يوماً فقط (من 9 إلى 24 آب/أغسطس 2026)، تداولت خمس من أهم المنصات الإعلامية الغربية خمس روايات متطابقة في جوهرها، في تناغم زمني مذهل: تمهيد من (CNN 9 أغسطس)، ثم تعليق تحريري من ذات المنصة يحوّل النجاح إلى فشل (18 أغسطس)، يليه تحقيق مصور من وول ستريت جورنال عن انهيار نيوم (19 أغسطس)، ثم عمود في النيويوركر عن الهزيمة العسكرية الأمريكية (20 أغسطس)، وأخيراً مقال في نيويورك تايمز يدعو للاستسلام لإيران في مضيق هرمز (24 أغسطس)، بالتزامن مع محاولة ممنهجة لتصغير زيارة ولي العهد السعودي إلى باريس في اليومين ذاتهما.

السعودية تواجه حملة إعلامية غربية متزامنة، لكن القراءة النقدية تكشف أن الرياض باتت لاعبًا جيوسياسيًا مؤثرًا، لا مجرد تابع في المعادلة الإقليمية.

هذه الخماسية، وإن لم تثبت وجود “غرفة عمليات واحدة” بمعنى المؤامرة التقليدية، إلا أنها تشير بوضوح إلى تطابق أدوات وأهداف بين كبرى المؤسسات الإعلامية الغربية، وكأنها تستجيب لأجندات سياسية واستخباراتية معلنة. فالمتابع المحترف، الذي ينظر خلف الستار الدعائي، يجد أن الصورة المعكوسة هي الأقرب إلى الحقيقة؛ فالسعودية تلعب الشطرنج على جميع المستويات، وأمريكا تدير حرباً هجينة ذكية، وإيران تعاني شللاً تمويلياً وتآكلاً حاداً في قدراتها الردعية.

ولفهم ما أقصده، سأعرض الأمر في خمس نقاط متتالية تغطي الفكرة بشكل كامل:

أولاً، تناقضات CNN وفريد زكريا (9 – 18 أغسطس): في 9 أغسطس، قدّم زكريا في برنامج (Fareed Zakaria GPS) تقريراً صوّر فيه دول الخليج بـ”المترنحة”، والسعودية بـ”المستهدفة”، وإيران بـ”المنيعة”، حيث استضاف كلاً من طارق مسعود، مدير مبادرة الشرق الأوسط في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، وداني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لشعبة إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والباحث حالياً في معهد دراسات الأمن القومي بتل أبيب. وتجاهل التقرير أن الرياض كانت قد وقّعت للتو “حلف مكة” مع تركيا وباكستان، وهو تحالف دفاعي يجمع خصوماً تاريخيين، أحدهم دولة نووية. وبعد تسعة أيام، عاد زكريا في تعليقه التحريري ليعترف -رغماً عنه- بـ”زلزال جيوسياسي” تمثله اتفاقية مكة، لكنه سارع إلى تحويله إلى دليل على “تآكل الثقة بتعهدات ترامب”، مستدلاً بقصة ديغول وإخراج فرنسا من الناتو. وهنا يكمن التناقض: فالاستقلالية عن أميركا هي سمة القادة الأقوياء، وليست علامة ضعف، وما فعله ديغول هو ما تفعله الرياض اليوم بشكل آخر، مما يضعها في مصاف القادة العظماء.

ثانياً، تحقيق وول ستريت جورنال عن نيوم (19 أغسطس): جاء التحقيق ليوجه الضربة الأكثر تخصصاً، مقدماً وثائق مالية عن خسائر انخفاض القيمة وصوراً فضائية لتوقف الأعمال. لكن توقيت التقرير -بعد اعتراف زكريا بـ”زلزال مكة” وقبل انتخابات التجديد النصفي- يشير إلى رغبة في معاقبة الرياض على استقلاليتها، وضرب ثقة المستثمرين. بطبيعة الحال قد يرى البعض أن تجميد نيوم هو فشل ذريع، لكن القراءة الموضوعية تثبت العكس؛ فإيقاف مشروع عقاري عملاق في خضم حرب تهدد منشآت الطاقة هو عين الحكمة. فإعادة توجيه السيولة نحو تأمين البنية التحتية وتعزيز التحالفات العسكرية هو قرار قائد عاقل يضع الدولة فوق الأحلام الشخصية. أما الأرقام فتُقرأ في سياقها: خسائر انخفاض القيمة هي إعادة تقييم محاسبي في سياق حربي، وإجمالي الإنفاق البالغ 50 مليار دولار ليس باهظاً مقارنة بالمشاريع العملاقة عالمياً، والرقم المذهل (8.8 تريليون دولار حتى 2080) هو خطة استراتيجية طويلة الأمد. أما “الأفكار الخيالية” كالقمر الاصطناعي وجوراسيك بارك، فكانت أدوات تسويقية ودبلوماسية ذكية، وليست دليلاً على جنون العظمة. وعليه يطرح السؤال: لماذا الآن؟

ثالثاً، النيويوركر والروح المعنوية الأمريكية (20 أغسطس): وصف إيشان ثارور الحرب الأمريكية على إيران بأنها “انهيار متسارع للقوة”، مستنداً إلى “استنزاف الذخائر” بمقدار 1.5 مليون رطل (نحو 680 طناً). لكن تفنيد هذه الحجج بسيط وفق المعطيات الرقمية: هذا الاستنزاف هو أقل من 1% مما استُخدم في حرب الخليج 1991 (أكثر من 88 ألف طن)، مما يعني أن أمريكا تحتفظ بترسانتها ربما للحظة الحاسمة. وحتى لو صحت تقارير تراجع الروح المعنوية، فالإرهاق اللوجستي في حرب طويلة أمر طبيعي، وأعتقد أن البحرية الأمريكية قادرة على تدوير القطع متى شاءت، وأن الأهداف الفعلية للولايات المتحدة (إضعاف إيران اقتصادياً واستنزاف وكلائها) تتحقق بصمت، وكذلك أن إيران لم تجرؤ على رد واسع النطاق، وهو ما يفند سردية “الانهيار”. ورغم أن هذه السردية الانهزامية لا تعكس بالضرورة الموقف الدقيق داخل البنتاغون، إلا أنها تُوظف لخدمة أجندات سياسية داخلية وخارجية واضحة، وهو ما يفسر هذا التناقض الظاهري بين ما يحدث في الميدان وما يُروَّج له في الإعلام.

رابعاً، هدية كيلانيك المجانية لإيران والدعوة للاستسلام في هرمز (24 أغسطس): جاءت الضربة الأخيرة والأكثر تطرفاً من وجهة نظري من روزماري كيلانيك في صحيفة نيويورك تايمز، والتي دعت فيها لقبول سيطرة إيران على المضيق مقابل رسوم. لكن الغريب أن كيلانيك، دون أن تدري، قدّمت في مقالها الدليل الأكبر على ضعف إيران. فقد اعترفت بأن أضرار الحرب بلغت 270 مليار دولار، وأن إيران تحتاج إلى 20 عاماً من رسوم المضيق (بأقصى تقدير 14 ملياراً سنوياً) للتعافي. دولة خسرت في ستة أشهر ما يعادل ضعف ميزانيتها السنوية ليست دولة “منيعة”. والمحادثات العُمانية ليست دليلاً على قوة إيران، بل دليل على أنها تبحث عن مخرج دبلوماسي من حرب خسرت فيها قدرتها على الردع. وذلك وفقاً لبيانات تتبع الناقلات (Kpler) التي تؤكد أن عبور النفط استمر بمعدلات قياسية بلغت 15 مليون برميل، وهو رقم يقترب كثيراً من المعدلات التي كانت تعبر قبل إغلاق المضيق، مما يؤكد أن التهديدات الإيرانية لم تترجم إلى أفعال. كما أن سعر برميل النفط ظل تحت سقف التسعين دولاراً، وهو سعر اعتبره مقبولاً نسبياً في ظل هذه الظروف. وعليه، فإن ما يصرح به الرئيس ترامب حول المضيق يبدو -في نظري- الأقرب إلى التصديق.

 

إيقاف مشروع نيوم في زمن الحرب ليس فشلًا، بل قرار استراتيجي لإعادة توجيه الموارد نحو الأمن والتحالفات، ما يعكس حكمة القيادة السعودية.

خامساً، زيارة باريس بين التصغير الجيوسياسي والحقيقة المؤسسية: بينما كانت هذه الحملة في ذروتها، ترأس ولي العهد محمد بن سلمان والرئيس ماكرون الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجي، الذي وصفه الإليزيه بأنه “إشارة مهمة” واعتبر الرياض “شريكاً لا غنى عنه”. حيث تم توقيع عقود تجاوزت 9 مليارات دولار ضمن خطة توسع أوروبية تستهدف الوصول إلى 170 ملياراً. وعليه، فمحاولات اختزال الزيارة في “حفل ألعاب” هي امتداد للسردية الانهزامية، وتجاهل متعمد لحقيقة أن السعودية تقود اليوم التحالف الدولي لحل الدولتين وعضوية مجلس السلام، وترعى التفاهمات في لبنان وسوريا، وكذلك معالجة موضوع اليمن والسودان وغيره من الملفات الإقليمية الهامة، وأنها العنصر الأكثر تأثيراً في الخليج والوضع العربي بشكل عام والشريك الاستراتيجي الأهم للولايات المتحدة الأمريكية.

عند تجميع خيوط هذا التطابق، تتشكل خمس فرضيات تستحق الوقوف عندها. تتوزع هذه الفرضيات على النحو التالي: أولها: الدافع الإسرائيلي الذي يظهر في توقيت CNN واستضافتها لمحلل عسكري إسرائيلي، في محاولة لإظهار أن إيران لا تزال قوية ليظل الخليج بحاجة لإسرائيل. ثانيها: دفع النخب الأكاديمية نحو الانسحاب الأمريكي تحت غطاء “الواقعية” في NYT. ثالثها: استغلال انتخابات التجديد النصفي لتشويه صورة ترامب عبر النيويوركر. رابعها: ضرب استقلالية السعودية المالية عبر تشويه صورة نيوم. وخامسها -وهو الأكثر جرأة-: محاولة أوروبية خفية لتصغير الرياض في باريس رغم الإعلان الرسمي الفرنسي المعاكس، وهو ما يفسر تجاهل فرانس 24 وتحليل جورج مالبرونو في بداية الزيارة للأبعاد الجيوسياسية لها.

المقالات الخمسة، إلى جانب محاولات تصغير زيارة باريس، تشكل جبهة دعائية تهدف لتكريس صورة “العربي الضعيف” و”الإيراني القوي”. لكن القراءة الناقدة، التي تربط التواريخ بالسياقات وتفكك الحجج بالأرقام، تكشف حقيقة معاكسة تماماً. إن إيقاف نيوم في زمن الحرب هو دليل على حكمة قيادتها، وليس فشلاً. وإيران التي فقدت قدرتها على فرض الإغلاق في هرمز، وسماؤها مكشوفة، واقتصادها منهك، ليست في موقف قوة. الحقيقة الأكثر إحراجاً لهذه الحملة هي أنه لو كانت السعودية ضعيفة حقاً، لما احتاجت خمس من أهم المنصات الغربية للاجتماع -ضمنياً أو صراحةً- لتوجيه ضربتها الإعلامية في توقيت واحد دقيق. القوة لا تحتاج إلى دعاية لتثبت وجودها؛ الضعف هو الذي يستجدي الشرعية من أقلام المدافعين عنه. والسعودية، التي تستهدفها اليوم ضربات إعلامية متعددة، تقدم الدليل الأكبر على أنها لم تعد ذلك التابع الهادئ، بل أصبحت فاعلاً جيوسياسياً مؤثراً يُحتسب له ألف حساب في غرف تحرير صحف العالم وعواصم القرار الغربي.

  • هذا المقال يعبر عن رأيي الشخصي ولا يعبر بأي حال عن موقف رسمي
3