ميلادينوف في مجلس الأمن: قبول ورقي وتعثر ميداني
في مشهد يعكس تعقيدات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وقف نيكولاي ميلادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي ليقدّم إحاطة هي أشبه ببطاقة تقرير مصيرية عن مسار تنفيذ القرار 2803. لم تكن كلماته مجرد تحديث روتيني، بل كانت تشخيصاً دقيقاً لحالة الجمود التي تهدد بتحويل “الاختراق التاريخي” إلى “نقطة اللاعودة”.
استهل ميلادينوف إحاطته بتذكير المجلس بما اعتبره إنجازاً غير مسبوق، ألا وهو قبول حماس والفصائل الفلسطينية، في 30 تموز/يوليو، بخريطة طريق مكونة من 15 بنداً لتنفيذ الخطة الشاملة لغزة. وقد وصفها الرئيس ترامب بأنها “اختراق” حقيقي، حيث وافقت الفصائل لأول مرة على تسليم أسلحتها ونقل سلطة الحكم الكاملة، مدنياً وأمنياً، إلى إدارة انتقالية تعترف بها الأمم المتحدة.
لكن ميلادينوف، الذي سبق أن وصف الوضع في غزة بأنه “صعب للغاية”، حرص على وضع النقاط على الحروف، مؤكداً أن “الاتفاق على وثيقة بشأن نزع السلاح لا يعني فوراً غزة منزوعة السلاح”. وأوضح أن خريطة الطريق التي قدمها تقوم على ثلاث ركائز: أولها قبول حماس العلني بنزع السلاح الكامل، وثانيها الاتفاق على مبدأ “سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد”، وثالثها هيكلية تقدم قائمة على الأداء وليس على التقويم الزمني. أما نهج التنفيذ، كما أكد، فسيكون قائماً على قاعدة صارمة: “لا تثقوا بأي شيء، وتحققوا من كل شيء”.
ومن اللافت في إحاطة ميلادينوف اعترافه الضمني بأن العقبة الأكبر لا تكمن في رفض إسرائيلي للخطة، بل في موافقة تؤدي عملياً إلى تعطيلها. فإسرائيل، كما أوضح، ليست موقعاً على خريطة الطريق، بل طُلب منها فقط “إعادة تأكيد التزاماتها” بموجب الخطة الشاملة وبروتوكول شرم الشيخ. وهذه الثغرة القانونية تمنح حكومة نتنياهو حرية المناورة، فهي غير ملزمة بجدول زمني أو بآلية جزاء واضحة، ما يسمح لها بتحويل النقاش من السياسة إلى “طاولة الهندسة”، على حد تعبيره.
الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تجعل أي تنازل أو انسحاب من غزة انتحاراً سياسياً لنتنياهو ما يفسر بطء التنفيذ وتحويل الخطة إلى تفاصيل هندسية بلا التزام زمن.
لكن هذا التحويل إلى “طاولة الهندسة” لا تُفسره الثغرات القانونية وحدها، بل حسابات سياسية أكثر إلحاحاً. فالانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026 تجعل أي انسحاب من غزة أو قبول ترتيبات لنزع السلاح بمثابة انتحار سياسي داخل الساحة الإسرائيلية. إذ يجد نتنياهو نفسه محصوراً بين مطرقة إرضاء حليفه الرئيس ترامب وسندان إرضاء قاعدته اليمينية المتطرفة، التي تُقرأ أي تنازلات على أنها تخلي عن أهداف الحرب. وقد أبلغ نتنياهو مقربيه أن المضي قدماً في الخطة “إشكالي” بسبب الانتخابات، وهو ما يفسر التناقض الظاهري بين رفضه العلني للخطة واستمراره في العمل على تفاصيلها الفنية بوتيرة بطيئة. في هذه الفترة الانتخابية الحساسة، وحتى موعد الاقتراع، تبقى حماس “حجةً” يُحتاج إليها لتبرير عدم التنفيذ، والوقت يُستهلك بانتظار ما بعد الانتخابات، على أمل أن يحمل المشهد السياسي الإسرائيلي الجديد ما قد يغير المعادلة… أو يعيد إنتاجها.
وهكذا، ومع هذا التعقيد الداخلي الإسرائيلي، تتكشف مفارقة كبرى كشفتها الإحاطة. فبينما تعهدت حماس بوقف جميع الأنشطة العسكرية رسمياً، يظل هذا الالتزام بحاجة إلى إثبات عملي وملزم على الأرض. ومن هذا المنطلق، تبدو تصريحات حماس المتضاربة، لا سيما تصريحات أسامة حمدان بشأن ملف السلاح، وكأنها تعمل بشكل كامل في مصلحة نتنياهو، بل وكأنها مقصودة لتقديم الحجج له على لسان حماس نفسها لتعطيل التنفيذ. في المقابل، تستمر الغارات الإسرائيلية شبه اليومية التي أدت إلى سقوط مزيد من الضحايا الفلسطينيين. وقد حذّر ميلادينوف صراحة من أن “وقف إطلاق النار الذي لا يزال المدنيون يُدفنون تحته، ليس بعد وقفاً يشعر به شعب غزة حقاً”. وأضاف أن كل ضربة لا ترد على تهديد فوري، وكل حادث لا تُحال إلى آلية تجنب النزاع، “يكلف العملية شيئاً يصعب جداً استعادته”.
وفي سياق تحليله، طرح المبعوث الأممي سؤالاً مصيرياً، قال فيه: “بعد ثلاث سنوات من الحرب وعشرين عاماً من العمليات العسكرية، هل ضربة أخرى على مستودع ذخيرة ستمنع حماس من إعادة التسليح؟” وكان جوابه واضحاً وحاسماً: “لن تفعل. إنها فقط تؤخر نزع السلاح الذي سيتحقق، وتعيق الانتقال المدني الذي يجب أن يحدث”.
باستحضار الخلفية الدولية للقرار، يجدر التذكير أنه في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2803 بأغلبية 13 صوتاً وامتناع روسيا والصين، ليكون تتويجاً دبلوماسياً لخطة الرئيس ترامب المكونة من 20 نقطة. وقد أنشأ القرار آليات رئيسية تهدف لكسر جمود التسويف؛ أولها “مجلس السلام” كهيئة إدارية انتقالية ذات شخصية قانونية دولية يرأسها الرئيس ترامب، وثانيها “قوة التثبيت الدولية” التي تُنشر تحت قيادة موحدة، لضمان الاستقرار والإشراف على نزع السلاح والفصل بين الأطراف، وثالثها الانسحاب الإسرائيلي المشروط المرتبط بمعايير وجداول زمنية محددة بنزع السلاح. وبهذا، حوّل القرار الاتفاق من مجرد تفاهم إلى إطار دولي ملزم، مجرداً إسرائيل من حجة “عدم وجود إطار واضح”. غير أن ميلادينوف أقرّ في إحاطته بأن “الأسئلة المهمة بشأن التنفيذ لا تزال مفتوحة”، وأن اللقاءات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أسفرت عن “تضييق الخناق” على بعض المخاوف، لكنها أحيلت في النهاية إلى لجان فنية.
أما دول الوساطة، وفي مقدمتها مصر وقطر وتركيا، بصفتها دولاً ضامنة، فقد لعبت دوراً محورياً في إنجاح الخطة، وقد وجّه ميلادينوف الشكر لها على جهودها المتواصلة. لكنها، من وجهة نظر تحليلية، تواجه تناقضاً جوهرياً. فبينما تسعى هذه الدول بجدية إلى تنفيذ الاتفاق، فإن استمرار الحوار مع إسرائيل، حتى أثناء انتهاكاتها، قد يُفسر من منظور نتنياهو على أنه قبول دولي ضمني بإيقاعه البطيء، مما يمنحه مساحة إضافية للمماطلة.
الخيار المطروح أمام المجتمع الدولي واضح: إما غزة منزوعة السلاح ومعاد بناؤها أو غزة منقسمة ومهددة بحرب جديدة مع جيل متطرف ينشأ داخلها
وقد كان ميلادينوف واضحاً تماماً في تحديد ثلاثة متطلبات لدفع العملية قدماً، وهي: انتشار قوة التثبيت الدولية، وتنفيذ تعهدات إسرائيل بموجب بروتوكول شرم الشيخ، والتزام حماس بتعهداتها. وعندها فقط يمكن للجنة الوطنية وقوة التثبيت الدخول إلى غزة، وبدء الانتقال الحقيقي.
وبالانتقال إلى الدور الإقليمي الأكثر تعقيداً وتأثيراً، تبرز السعودية كفاعل رئيسي. فقد دعمت الرياض خطة ترامب والقرار 2803، وكان دعمها محورياً لكسب التأييد العربي. وأكدت في بيان لها ترحيبها بـ”الاتفاق التاريخي”، مع التزامها الكامل بتنفيذ الخطة كما أقرها مجلس الأمن. لكن الرياض شددت في الوقت نفسه على ثوابت لا تقبل المساومة، تتعلق بضرورة الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من غزة، وعودة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى القطاع، والحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية. كما أكدت على أهمية تنفيذ جميع المراحل “ضمن إطار زمني محدد، بصورة موثوقة ونهائية لا رجعة فيها”. وبهذا الموقف، تكون الرياض قد وجّهت رسالة واضحة بأن “خيار التسويف” الإسرائيلي لم يعد مقبولاً، وأن هناك إرادة دولية-عربية لتنفيذ ترتيبات جديدة. في المقابل، تذكّر إسرائيل بأن أي تقدم نحو التطبيع مرتبط بحل عادل، وأن هذا موقف نهائي غير قابل للنقاش.
في ختام إحاطته، وضع ميلادينوف مجلس الأمن أمام خيارين لا ثالث لهما. الأول هو إعادة الاحتلال الإسرائيلي لغزة، بتكلفة بشرية واقتصادية هائلة، وسمعة دولية بالغة السوء. والثاني هو السماح للوضع الراهن الذي أنتج السابع من أكتوبر بإعادة تجميع نفسه بهدوء؛ أي غزة حيث حماس ليست منزوعة السلاح ولا مطرودة من الحكم، بل مدارة ومحتواة. ميلادينوف اعتبر أن كلا الخيارين “ليس استراتيجية، وكلاهما في الواقع تأجيل، وكلاهما ينتهي في نفس المكان”. وأكد أن ما تبقى هو خيار حقيقي وحيد: “غزة منزوعة السلاح، معاد بناؤها، ومعاد ربطها بالعالم، أو غزة معاد تسليحها، منقسمة، وفي أنقاض، مع جيل متطرف نشأ بداخلها، وحرب قادمة بالفعل في الأفق”.
الخلاصة أن ما قاله ميلادينوف في مجلس الأمن يرسم صورة لمعركة دبلوماسية مفتوحة، حيث تحاول الآليات الدولية تضييق الخناق على التسويف الإسرائيلي، بينما يحاول الطرف الإسرائيلي استغلال كل ثغرة – قانونية أو انتخابية – لإطالة أمد الجمود. القرار 2803، بدعم من دول الوساطة والسعودية، صُمم ليكون عقبة في طريق إستراتيجية نتنياهو القائمة على “استهلاك الوقت”، من خلال تحويل الالتزامات إلى إطار قانوني دولي، وربط الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار بمعايير أداء، وبناء إجماع إقليمي يجعل عرقلة الخطة مكلفة سياسياً.
لكن يبقى نجاح هذه الآليات في كسر الجمود مرهوناً بقوة الإرادة الدولية لمواجهة المماطلة، ومدى فعالية مجلس السلام وقوة التثبيت في فرض الأمر الواقع على الأرض. فغزة، كما حذّر ميلادينوف، “لا تحتمل كارثة أخرى”. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل سيكون مجلس الأمن قادراً على ترجمة كلماته إلى أفعال قبل فوات الأوان؟
هذا المقال يعبر عن وجهة نظري الشخصية ولا يعبر بأي حال عن وجهة نظر رسمية.