حين تصبح الشهرة أقوى من المعرفة.. من يحاسب المؤثرين؟

المنصات الرقمية لا تمنح الشهرة لمن يملك المعرفة بالضرورة، وإنما لمن يستطيع جذب الانتباه، وهذه نقطة جوهرية في فهم صناعة المحتوى الجديدة.
الجمعة 2026/09/25
حين تتحول الشهرة إلى سلطة

لم تعد الشهرة تحتاج إلى موهبة استثنائية، ولا إلى سنوات طويلة من العمل، ولا حتى إلى معرفة حقيقية بالمجال الذي يتحدث فيه صاحبها. يكفي هاتف وكاميرا وعدد كبير من المتابعين، حتى يتحول شخص عادي إلى “مؤثر” قادر على الوصول إلى مئات الآلاف أو الملايين، والتأثير في الجمهور حول موضوعات تتجاوز أحيانًا حدود تجربته ومعرفته.

المشكلة تبدأ عندما تتجاوز الشهرة حدود الترفيه، ويصبح صاحب الحساب مصدرًا للمعلومة والنصيحة والتفسير والتعليق على الدين والتاريخ والثقافة والصحة والمجتمع والسياسة، بينما لا يملك في كثير من الأحيان الأدوات التي تسمح له بالتمييز بين ما يعرفه وما يجهله.

هنا تحديدا تكشف حادثة التيكتوكر التونسية ضحى العريبي في مزار سيدة لبنان في حريصا جانبًا من أزمة أكبر من مجرد فيديو أثار الجدل. فقد أثارت مقاطع من زيارتها للمكان موجة من الانتقادات في لبنان بسبب طريقة تناولها لاسم الموقع وتصويرها داخله، قبل أن تقدم اعتذارًا وتوضح أنها لم تكن تعرف طبيعته الدينية وأنها لم تقصد الإساءة. كما أعلنت إدارة المزار متابعة الواقعة إداريًا، مع الإشارة إلى إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية.

لكن السؤال الأهم ليس ماذا قالت ضحى العريبي أو كيف انتهت هذه الواقعة، وإنما كيف وصلنا إلى مرحلة يمكن فيها لشخص أن يمتلك جمهورًا ضخمًا قبل أن يمتلك بالضرورة المعرفة التي توازي حجم هذا الجمهور؟

 

المشكلة ليست أن المؤثر يجهل بعض الأشياء، فالجهل جزء من طبيعة الإنسان، المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الجهل إلى محتوى جماهيري

هذه هي المفارقة التي صنعتها منصات التواصل الاجتماعي، فقد فتحت تيك توك وإنستغرام ويوتيوب أبواب الشهرة أمام ملايين الأشخاص، وهو تحول أتاح بالفعل فرصا جديدة أمام المواهب وصناع المحتوى، لكن هذه المنصات أسقطت في الوقت نفسه كثيرا من الحواجز التي كانت تفصل بين صاحب الرأي والمتخصص، وبين التجربة الشخصية والمعلومة العامة.

لم يعد المتابع يسأل دائما: من أين جاء هذا الكلام؟ وما مؤهلات صاحبه؟ وهل يملك معرفة كافية بهذا المجال؟ يكفي أحيانا أن يكون الشخص محبوبا، أو مثيرا، أو قادرا على جذب المشاهدات، حتى تتحول آراؤه إلى مادة يتداولها الجمهور وكأنها حقائق.

وهنا تصبح الشهرة نفسها مصدرًا للشرعية.

عدد المتابعين لا يجعل صاحبه مؤرخًا، وملايين المشاهدات لا تمنحه مؤهلا طبيا، والقدرة على الحديث أمام الكاميرا لا تعني امتلاك المعرفة الدينية أو الثقافية أو الاجتماعية، ومع ذلك، أصبحنا نشاهد مؤثرين ينتقلون من الحديث عن حياتهم اليومية إلى تقديم نصائح صحية، ومن الموضة إلى التاريخ، ومن العلاقات الشخصية إلى قضايا الدين والمجتمع، وكأن النجاح في مجال واحد يمنح صاحبه تلقائيا حق الحديث في كل المجالات.

الأخطر أن بعض الجمهور أصبح يتعامل مع الثقة في المؤثر كما يتعامل مع الثقة في الخبير، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، لأن الخطأ الذي يصدر عن شخص مجهول قد يظل محدودا، بينما الخطأ الذي يصدر عن مؤثر لديه ملايين المتابعين يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى قناعة جماعية.

في الصحة، قد تكون العواقب أكثر خطورة عندما يقدم شخص غير متخصص نصيحة تتعلق بعلاج أو دواء أو حمية. وفي التاريخ والثقافة، يمكن لرواية غير دقيقة أن تنتشر لأنها قُدمت بأسلوب جذاب. وفي الدين، قد يتحول الجهل بسياق مكان أو رمز إلى إساءة غير مقصودة، كما أظهرت واقعة حريصا.

ولا يتعلق الأمر هنا بتحميل مؤثر بعينه مسؤولية كل ما يحدث في فضاء التواصل الاجتماعي، بل بمراجعة ثقافة كاملة أصبحت تقيس قيمة الأشخاص بعدد من يتابعونهم، بدلا من قيمة ما يعرفونه وما يقدمونه.

فالمنصات الرقمية لا تمنح الشهرة لمن يملك المعرفة بالضرورة، وإنما لمن يستطيع جذب الانتباه، وهذه نقطة جوهرية في فهم صناعة المحتوى الجديدة، فالخوارزميات لا تسأل دائمًا إن كان المحتوى دقيقا أو عميقا، بقدر ما تهتم بقدرته على إبقاء المستخدم أمام الشاشة.

لهذا أصبح الجدل نفسه جزءا من صناعة الشهرة. خطأ، ثم غضب، ثم انتقادات، ثم رد، ثم اعتذار، ثم رد على الاعتذار، وفي النهاية يتحول الحدث الذي كان يمكن أن ينتهي في ساعات إلى مادة تتداولها المنصات أياما طويلة.

 

المنصات الرقمية أسقطت كثيرا من الحواجز التي كانت تفصل بين صاحب الرأي والمتخصص، وبين التجربة الشخصية والمعلومة العامة

وهنا يجب أن تتغير نظرتنا إلى مفهوم “المؤثر”. فالتأثير ليس امتلاك جمهور فقط، وإنما مسؤولية تجاه هذا الجمهور. وكلما اتسعت دائرة المتابعين، أصبحت الحاجة إلى التحقق والوعي واحترام خصوصية الأماكن والثقافات والرموز أكبر، لا أقل.

ومن حق أي شخص أن يصنع المحتوى، وأن يروي تجربته، وأن يعبر عن رأيه، لكن التعبير عن الرأي شيء، وتقديم الرأي باعتباره معرفة شيء آخر، والفرق بين الاثنين هو الذي يبدو أنه يتلاشى تدريجيا في عالم المنصات.

وهنا لا يكفي أن نقول للمؤثرين “كونوا أكثر حذرا”، بل يجب أن نعيد التفكير في ثقافة الجمهور نفسه. لماذا نمنح شخصًا ثقتنا لمجرد أنه مشهور؟ ولماذا نعتبر الانتشار دليلًا على صحة المعلومة؟ ولماذا أصبح عدد المتابعين أقوى من الشهادة والخبرة في تحديد من نستمع إليه؟

حادثة ضحى العريبي يمكن أن تنتهي باعتذار، وقد ينتهي معها الجدل القانوني أو الإعلامي، لكن القضية التي كشفتها أكبر من الواقعة نفسها، إنها قضية جيل جديد من المشاهير أصبح يمتلك قوة إعلامية ضخمة، من دون أن يمر دائمًا بالمسار الذي كان يجعل الشهرة مرتبطة بالخبرة أو الموهبة أو التخصص.

لسنا بحاجة إلى محاربة التيكتوكر والإنستغرامر واليوتيوبر، ولا إلى التعامل مع كل صانع محتوى باعتباره جاهلا أو غير مسؤول. هناك نماذج تقدم معرفة حقيقية وتستعين بالمتخصصين وتحترم جمهورها، لكننا بحاجة إلى التوقف عن الخلط بين الشهرة والمعرفة، وبين الانتشار والمصداقية.

المشكلة ليست أن المؤثر يجهل بعض الأشياء، فالجهل جزء من طبيعة الإنسان، المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الجهل إلى محتوى جماهيري، وعندما يصبح عدد المتابعين غطاءً يحجب السؤال الأهم: هل يعرف صاحب هذا الصوت فعلا ما يتحدث عنه؟

في النهاية، ربما تكون المعادلة الجديدة بسيطة: المتابعون يمنحون المؤثر الشهرة، لكن المعرفة وحدها هي التي تمنحه المصداقية.

والسؤال الذي يجب أن يرافق كل فيديو ينتشر أمامنا ليس “كم شخصا شاهده؟”، وإنما: هل يستحق ما قيل فيه كل هذا التصديق؟