"سمك ميت يتنفس قشور الليمون".. سردية متعددة الأصوات تنبأت بانفجار سوريا
في روايته الأخيرة "سمك ميت يتنفس قشور الليمون"، يُهدي الراحل خالد خليفة لمدينة اللاذقية تشريحا سيميائيا لجسدها المثخن بالتحولات. وعبر أربعة أصوات روائية، ينسج خليفة ملحمة الفوضى والفساد في ثمانينات القرن العشرين، معريا تغول السلطة الأمنية الذي شوه الذاكرة البصرية والمجتمعية، ليترك لنا وثيقة إنسانية تزاوج بين المقاومة والاندثار.
في عام 2023 رحل السيناريست والروائي السوري خالد خليفة تاركا وراءه رواية وحيدة لم يتسن له نشرها بعنوان “سمك ميت يتنفس قشور الليمون” فقامت دار هاشيت أنطوان (نوفل) في لبنان بنشرها بعد عام من رحيله.
هذه الرواية يشرح فيها مجتمع مدينة اللاذقية في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين؛ إذ تتمحور قصتها حول عدد من الشخصيات التي عاشت في هذه المدينة وانخرطت في مجتمعها المتنوع طائفيا، حيث استلم السرد فيها أربعة رواة تربطهم الصداقة َوالحب والعمل المشترك، وروت كل شخصية من هذه الشخصيات قصتها وعلاقتها مع باقي الشخصيات التي تتقاطع مصائرها معها. كانت رواية مونوفولينية متعددة الأصوات دون وجود راو عليم واحد وإنما عدة رواة ضمن سرد متصاعد يتأرجح زمنيا بين ماضي الشخصيات وحاضرها.
قُسمت الرواية إلى أربعة فصول كل فصل منها ترويه شخصية من هذه الشخصيات الأربع وهي على التوالي سام ومريانا وموسى ومنال، وهناك شخصيات أخرى تربطها معهم الصداقة والعمل ضمن الفرقة الموسيقية التي شكلوها كأنس ومروة وروني ويارا بالإضافة إلى شخصيات من خارج “الشلة” كشخصيتي ميسون ولميس.
اختزال مدينة
يصور خالد خليفة في روايته هذه مجتمع اللاذقية من خلال عيون شلة الأصدقاء التي تنتمي إلى طوائف وطبقات اجتماعية مختلفة: سام الذي يبدأ الفصل الأول بصوته ينتمي إلى عائلة كبيرة من الطائفة العلوية ولها نفوذ، عمه هو اللواء في المخابرات فوزي أبومضر الذي يستغل منصبه لتحقيق الثراء والسطوة الاجتماعية، تساعده في تسيير أعماله القذرة أخته أمل من خلال استغلال هذا النفوذ بشراء الإجازات للمجندين في جيش النظام وتسهيل مقابلة لأبنائهم المعتقلين لدى الفروع الأمنية مقابل مبالغ كبيرة. سام ابن أختها نفسه منخرط في هذا الفساد من خلال نفوذ عائلته فهو موظف حكومي يقبض راتبه دون أن يذهب إلى وظيفته، بينما ابن عمته الأخرى غسان على النقيض منه، فهو معارض لهذا النظام الذي يمثله عمه ويتم اعتقاله وتفتخر أمه فاطمة بهذا الشيء.
أما الشخصية الثانية في هذه الشلة فهي مريانا الشابة المسيحية المتمردة والتي يروى الفصل الثاني من الرواية بلسانها، تجمعها علاقة حب بسام وتتفاخر بأنه هو الذي فض بكارتها بينما الذي فعل ذلك هو محمود مدرس الرياضيات أخو موسى صديقهم عندما كانت طالبة في الثانوية، لكن حبها لسام عازف الغيتار في الفرقة لا يستمر بسبب الدين الذي يقف عائقا بينهما فتضطر إلى الزواج بجورج الشاب البخيل الذي تسافر معه إلى الولايات المتحدة، لكن طيف سام لا يفارقها وكأنه يقول “سأكون بينهما وهما يمارسان العلاقة الحميمة”.
أما الشخصية المحورية التي يُروى الفصل الثالث بصوتها فهي موسى الشاب الثري ابن العائلة الأرستقراطية الراقية المعروفة في المدينة. يروي لنا كيف وقفت أمه شاهيناز وخالته جورجيت ذات يوم ضد قرار إزالة الكورنيش الغربي وتوسيع المرفأ حيث تم ردم البحر وشوهت أجمل منطقة في المدينة وواجهتها البحرية. موسى هذا يحب منال التي تروي الفصل الرابع والأخير بصوتها. منال هذه الشاعرة الرقيقة النقية تنحدر من عائلة حقيرة لا تشبهها في شيء، فوالدها قواد يسهل زواج القاصرات بكبار السن من أجل المتعة ولا يتوانى عن تزويج إحدى بناته منهم بينما ابنته الكبيرة عاهرة وابنه منعم جلاد في أحد سجون النظام العسكرية يقوم بتعذيب المعتقلين حتى الموت.
يروي هذا الجلاد لعروسه خضرة في حوار يدور بينهما كيف يعذبون المعتقلين عندهم حتى يموتون ويستمرون في تعذيبهم مرة ثانية وثالثة بعد موتهم ويحكي لها كيف أن أخاها غدير صديقه في الفرع يتبول على جثث الأموات وهو منتشٍ ويقول”هذا مصير كل من يرفع رأسه في وجه الرئيس”.
تجد منال في موسى مخلصا لها من هذا القاع الذي تعيش فيه، حيث تقول “أعتبر نفسي قد ولدت من جديد وأصبحت لي أم جديدة”، ويتزوجان في النهاية.
هناك أيضا شخصيات أخرى في هذه الفرقة الموسيقية التي أقامت حفلا واحدا في كنيسة ذات مرة كان هو الحفل الأخير لها كشخصية أنس ومروة العاشقين. ترفض مروة الهرب مع أنس إلى لبنان للزواج منه وتقرر معاقبة أهلها متمسكة بعنوستها، بينما يقضي أنس وقته وهو يتعاطى الحشيش ويكتب القصائد الموزونة ثم يتزوج من مها عنبري، لكن زيجته تفشل لأن طيف مروى يتلبسه ويسيطر على علاقته بزوجته فصوتها لا يفارقه “النساء أصوات” وفي آخر الحكاية يطلق مها.
وهناك أيضا روني ويارا العاشقان أيضا، ويكرر علينا في الرواية “لم أستمتع بالمعاشرة مثلما استمعت معها فكل من عاشرتهم من قبل فقمات”. هكذا تتفرق هذه الفرقة التي كانت تجتمع ذات يوم لتعاطي الحشيش والخمر في السر وتتخذ كل شخصية من شخصياتها طريقها في الحياة؛ فهم السمك الميت الذي ما زال يتنفس وهم قشور الليمون، “قشور الليمون هي نحن حين نقاوم الاندثار”.
تنبأ بالثورة
خليفة قدم توثيقا لعقدين من تاريخ اللاذقية ولم يفته ذكر حادثة توسيع المرفأ وتبليط البحر التي أحزنت أهاليها
هناك شخصيات أخرى في الرواية كشخصية ميسون التي تكره الرجال وتشتمهم بعد ترك حبيبها لها وتزوجه من فتاة أخرى بعد علاقة حب دامت عشر سنوات، وهناك لميس المخبرة في جامعة تشرين التي زرعها النظام عام 1987 بين مجموعة من الطلاب اليساريين المعارضين للتجسس عليهم وكتابة التقارير بشأنهم، فتم القبض عليهم جميعا ودخلت هي معهم إلى السجن للتمويه، لتخرج بعد عدة أيام ويكافئها النظام السياسي بجعلها مذيعة في التلفزيون الرسمي وأصبحت تقدم برنامجا فنيا.
وبالإضافة إلى شخصيات الرواية المتخيلة هناك شخصيات حقيقية ذُكرت أسماؤها الحقيقية كشخصية المترجم أسامة منزلجي الذي توفي العام الماضي وذكر ترجمته لرواية “ربيع أسود” للكاتب الأميركي هنري ميللر، والشاعر منذر مصري الذي شجع منال على كتابة الشعر ومكتبته “فكر وفن” التي كانت ملتقى لمثقفي المدينة، والمفكر إلياس مرقص الذي رحل عام 1991 وكان يلتف حوله رجال الفكر في اللاذقية.
كما مر كاتب الرواية على الموسيقى التي كانت رائجة في تلك الأيام كأغاني بوب مارلي وعازف الساكس الأميركي لويس أرمسترونغ.
قدم خالد خليفة توثيقا لعقدين من تاريخ المدينة في روايته هذه من خلال شخصياته وحياتها فيها، ولم يفته ذكر حادثة توسيع المرفأ وتبليط البحر التي أحزنت أهالي المدينة في حينها وسببت ندبة في نفوسهم ما زالت حتى الآن بسبب هذا الاعتداء على ذاكرتهم و أيامهم الجميلة في هذا الكورنيش البحري الذي تمت إزالته.
لقد صاغ لنا الكاتب الراحل نموذجا مصغرا عن سوريا اختزله في مدينة اللاذقية، مفككا مجتمعا متنوعا، ومصورا نظاما دكتاتوريا كان يسيطر على كل مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية في البلاد، من خلال مخابراته، ففخّخ هذه المجتمعات وزرع الكراهية بين مكوناتها حتى وصلت إلى الانفجار وثارت عليه في عام 2011.
وكانت هذه الرواية هدية أخيرة من خالد خليفة لمدينة أحبها ولم يعش ليراها مطبوعة باستثناء صفحتين فارغتين تركهما وهما لقصيدة خاصة بمنال واسم فيلم إيطالي على الأغلب هو “ميمي العامل المطعون بشرفه”. ونوهت دار النشر بأن الكاتب ترك هاتين الصفحتين فارغتين ولم يستطع إكمالهما لأن الموت باغته وتوفي بسكتة قلبية.