"أيام الفاطمي المقتول".. رواية تشرّح المجتمعات العربية الحديثة

في هذه الرواية نحن لسنا أمام تشريح جثة بقدر ما نحن عليه من تشريح للمجتمع الذي تنتمي إليه هذه الجثة والتشوه الذي أصاب المجتمعات العربية.
الأربعاء 2026/02/18
حكاية رجل حكاية وطن (لوحة للفنان يوسف عبدلكي)

لم يكن مصادفة فوز رواية “أيام الفاطمي المقتول” للكاتب التونسي نزار شقرون الصادرة عن دار مسكيلياني في تونس ودار صفصافة في مصر بجائزة نجيب محفوظ في معرض القاهرة للكتاب بدورته الأخيرة، بالإضافة إلى وصولها إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر).

 هذه الرواية التي تدور أحداثها عام 2030 في تونس بمدينة البيضاء أو سيدي بوسعيد، التي تلقب بالمدينة البيضاء، تروى بلسان جثة سافر صاحبها ذات يوم إلى مصر في بعثة استكشافية وعاد إلى بلده بعد عام في تابوت، ليتم استخراج جثته من القبر بعد حوالي عشرين عاما لمعرفة أسباب الوفاة الحقيقية، فيمتزج فيها حاضر هذه الجثة مع ماضيها القريب والبعيد ليقدم لنا الكاتب بأسلوب بوليسي مشوق الأوضاع الاجتماعية في بلدين هما تونس ومصر بعد ثورات الربيع العربي والتغيرات التي أصابت مجتمعاتهما بعد هذه الثورات.

مذكرات جثة

 رؤية استشرافية للمستقبل
رؤية استشرافية للمستقبل

في عام 2030 تأتي قوة من الشرطة إلى المقبرة لفتح قبر مختار بن منصور الفاطمي المولود عام 1978 والمتوفى عام 2012 لإخراج جثته وإرسالها إلى المشرحة بغية معرفة سبب موته، مختار هذا توفي في مصر منذ ما يقارب العشرين عاما عندما كان هناك يبحث عن تاريخ أجداده الفاطميين الذين حكموا مصر في أحد الأيام، ولم يبق لهم أثر، حيث أرسل في بعثة دراسية على نفقة الحكومة التونسية بعد اندلاع الثورة.

بعد إخراج الجثة تهيم الروح فوق المدينة التي عمت بها الفوضى بسبب انتشار إنفلونزا الخنازير الذي أصاب سكانها الذين ثاروا في وجه الرئيس، فكانت الشرطة تقتل كل من تشتبه بإصابته، والخنازير في كل مكان والجثث المتعفنة تملأ المدينة، فالمدينة تغيرت كثيرا عن وقت مغادرة مختار لها رغم نصيحة والده -الذي ينتمي إلى الطائفة الشيعية الإسماعيلية- له في حينها بعدم السفر، الوالد الذي توفي أثناء اندلاع الثورة في تونس ولم يستطيعوا دفنه حتى اليوم الثاني حيث وضع الجيران جثمانه في منزل رجل يهودي هاجر من المدينة، تاركا مفاتيحه لجاره.

يتذكر مختار أيامه في مصر التي قضاها بين القاهرة والإسكندرية باحثا عن تاريخ أجداده الذين حكموا مصر ذات يوم، ففي القاهرة عمل في مركز الأبحاث التاريخية الذي جمعته فيه علاقة صداقة بمديره السبعيني، وتعرف إلى بيرسا الفتاة اليونانية التي انتقلت من الإسكندرية إلى القاهرة للعمل في المركز، وجمعته بها قصة حب أيقظت داخله ذكرى حبه لخديجة حبيبته التونسية الشاعرة التي اعترضت أمه على زواجه منها، فسافرت من تونس بطريقة غير شرعية قاصدة أوروبا وماتت غرقا، وبعدها قرر عدم الزواج رغم إلحاح أخته نعيمة عليه “متى تكسر الجرة وتفعلها”.

ثم يتعرف إلى كانوبي الرجل اليوناني القادم من الإسكندرية أيضا ويذهب معه إليها برفقة بيرسا ويزورون أماكن ما زالت باقية من المدينة الكوزموبوليتانية القديمة مثل محل “سوفيانو بولو” وفندق متروبول ومكتبة الإسكندرية، لكنه في النهاية يموت في مصر ويرسل جثمانه إلى تونس محنطا في تابوت وملفوفا بكفن كالذي كانوا يلفون به الفراعنة ليدفن دون أن يفتحوا التابوت.

يخبرون أهله بأن سبب الوفاة هو تعرضه لصعقة كهربائية أثناء وجوده في إحدى القلاع الأثرية في مصر، حيث هبت عاصفة رعدية فجأة فأودت بحياته، لكنّنا نكتشف في النهاية أنه توفي في مظاهرة خرجت ضد حكم الإخوان، حيث أصيب بطلق ناري في صدره وتم التكتّم على سبب الوفاة في بلده بسبب التواطؤ بين السلطات الحاكمة في تونس آنذاك والسلطات التي كانت تحكم مصر في حينها.

تشريح للمجتمعات

في النهاية بعد هذا الطواف تصل الجثة إلى المشرحة التي اعتبرها الطبيب المسؤول عنها نحسا عليها بسبب امتلائها بالجثث بعد وصول جثة مختار إليها. في هذه الرواية نحن لسنا أمام تشريح جثة بقدر ما نحن عليه من تشريح للمجتمع الذي تنتمي إليه هذه الجثة والتشوه الذي أصاب المجتمعات العربية وخطاب التطرف الإلغائي الذي سيطر عليها يقابله خطاب الأنظمة القمعية الدكتاتورية الذي يفوقه فظاعة.

يقدم نزار شقرون رؤية استشرافية للمستقبل بروايته هذه التي تدور أحداثها عام 2030، إذ يضعنا أمام سردية تروى بلسان جثة -في سابقة بالأدب العربي الحديث- لشاب بريء أراد فقط البحث عن الحقيقة فقتلته، ليذكرنا هذا بمقولة هاملت بطل شكسبير أثناء دفن حبيبته أوفيليا “لو أن أحدا يعود إلينا من هناك يخبرنا الحقيقة”، يقصد الموتى.

8