"الشيخ الأحمر" رواية عن التذرع بالدين لتحقيق الملذات الشخصية

الرواية المكتوبة بحس ساخر تشرح مجتمع قرية صغيرة جنوب لبنان وهي ليست إلا جزءا من مجتمع أكبر.
الأربعاء 2026/01/28
عباس بيضون يكشف خفايا المجتمع اللبناني

في الكثير من الأحيان يقوم بعض رجال الدين باستغلال ما يحلله هذا الدين لتحقيق مآربهم الشخصية في الحياة الدنيوية، ومن هذه الثيمة بنى الشاعر والروائي اللبناني عباس بيضون أحداث روايته “الشيخ الأحمر”، التي تدور أحداثها في لبنان نهايات القرن التاسع عشر زمن الحكم العثماني.

يشرح بيضون في روايته، الصادرة عن دار الشروق في مصر، مجتمعا أقليّا مصغرا من مجتمعات لبنان ملقيا الضوء على عاداته وتقاليده، حيث يحكي فيها بلسان راو عليم وفق سرد متصاعد مكثف قصة الشيخ عبدالحسين، رجل الدين الشيعي الذي درس الفقه والفلسفة في النجف الأشرف في العراق، وتزوج فيها وقرر ذات يوم العودة إلى بلدته جباع في جنوب لبنان ليصبح الشيخ الجديد فيها هو الذي سافر منها ذات يوم طلبا للعلم.

شيخ النساء

تدور أحداثها في لبنان نهايات القرن التاسع عشر زمن الحكم العثماني
رواية تدور أحداثها في لبنان نهايات القرن التاسع عشر زمن الحكم العثماني

يعود عبدالحسين من العراق إلى بلدته جباع محملا بأفكار فلسفية ونهضوية مما يجعله يصطدم مع شيخ البلدة القديم، فالفلسفة والدين لا يجتمعان، لكن شباب البلدة يلتفون حوله ناصتين إلى أفكاره وأحاديثه التي تناسبهم وتواكب تطور الحياة، وهم الذين لا مستقبل جيدا ينتظرهم إلا إذا تطوعوا في الجيش العثماني وأصبحوا ضباطا، فيجدون فيه منقذا من الجهل الغارقين فيه ويطلقون عليه لقب “الشيخ الأحمر” وهو العنوان الذي اختاره الكاتب لروايته.

 لكن عبدالحسين لا يكتفي بنشر أفكاره وإنما يقوم بزيارة منازل الأرامل والمطلقات لمعاشرتهن جنسيا وأخذ المال منهن، فهو بذلك يحافظ عليهن ويمنعهن من الانحراف والفساد ويصون أعراضهن بحسب رأيه، وهذا من جوهر الدين. وهذا الأمر لا يضايق زوجته المسالمة الهادئة خديجة، وإنما تبرر له هذا الفعل وهي ابنة أحد شيوخ العشائر في العراق التي تزوجها أثناء إقامته هناك، وأنجب منها خمسة أبناء زيد وباسل وأيمن وفاطمة وآمنة.

عندما قرر العودة إلى لبنان اصطحب معه أختها عاصمة المطلقة لكي تعيش معهم في نفس المنزل، هذا المنزل الذي يقع على رابية مطلة على القرية لتصبح عاصمة هي سيدة المنزل الحقيقية بسبب شخصيتها القوية، فهي التي تتولى التنظيف والطبخ وتربية الأبناء وخصوصا الصغيرة آمنة، حتى الحمام هي التي تقرره لهم وتشعل الموقد وتدفعهم للاستحمام دفعا، إذ هو أمر غير مرغوب فيه عندهم، وقد يبقون أسابيع لا يغتسلون، فكان في تلك الأيام استخدام الصابون معيبا فلا يجب أن تفوح رائحته من رجل أو امرأة وخصوصا الشيخ عبدالحسين على الرغم من ممارساته الجنسية الكثيرة التي تحتاج إلى نظافة وطهارة بعدها.

 يتغيّر الوضع مع مرور الوقت ويصبح يغتسل مرتين أسبوعيا، وعلى الرغم من إقامة عاصمة في منزله إلا أنها تكره أفعاله مع النساء “إنه يعيش لخدمة النساء وليس لخدمة الدين”، وتعنف أختها خديجة وتوبخها على قبولها بهذا الأمر وقبولها بأن تنافسها أخريات على زوجها، مثل الحاجة نظام التي تزوجها الشيخ زواج متعة وأحضرها للسكن معه في المنزل بموافقة زوجته التي رحبت بالأمر فهذا حقه والدين يحلل له ذلك.

لا يكتفي الشيخ بهذا وإنما يقع في غرام وجيهة المرأة الجميلة الطويلة والأم لعدة أولاد التي جاءت لخدمة نظام، فيهجر الشيخ نظام وخديجة لأجلها وتصبح عشيقته، بالإضافة إلى علاقاته المتعددة مع باقي أرامل ومطلقات القرية، وهذا الأمر لا يزعج الزوجات والعشيقة وحتى النساء اللاتي يعرض عنهن بعد إقامته علاقة معهن لا ينزعجن منه، ثم يشتد المرض على زوجته خديجة المصابة بداء السكري وتموت وتوصي أختها عاصمة بأن تتزوج من الشيخ بعد وفاتها.

يكتشف الشيخ فجأة أن عاصمة هي سيّدة المنزل ومدبرته، ويتقرب منها وتكتشف هي أن انزعاجها منه ليس إلا حبا له، لكنها لا تستطيع أن تخون أختها وتتزوجه، وهو أيضا يتردد لأنها ستذكره بأختها إذا تزوجها، فيعرض عن الموضوع، وتتزوج هي من أرمل في القرية أما هو فيعتكف ويقطع علاقته بالنساء جميعا وينغمس في أمور الدين، لكنه بعد مرور عام على وفاة خديجة يقرر الزواج من وجيهة “فقلبه لم يحب سواها”، وبعد انتهاء العرس يزور قبر زوجته خديجة ويعتذر لها قائلا “سامحيني بس الحياة هيك بدها ما فيي عيش لحالي”.

تشريح مجتمع بأكمله

الرواية لا تخلو من المشاهد الإيروتيكية التي تظهر الكبت الذي تعانيه الشخصيات وسط مجتمعات متدينة محافظة

مع مرور الوقت يعيش الشيخ بصراع مع نفسه بسبب الأفكار الفلسفية التي جاء محملا بها، فهي تتعارض مع الدين، لذلك يقرر أن يريح رأسه ويبقي على ظاهر الدين، فهو الأصح، ويظهر هذا التعارض حين يقرر مستقبل أولاده، فيزوج ابنته الكبرى فاطمة لشيخ عشيرة عراقي، أما الصغيرة آمنة فتتزوج من شاب تركي رغم معارضة الشيخ في بادئ الأمر لأنه سني وهي شيعية، إلا أنّه يغلّب المصلحة الشخصية فيقرر أن يزوجها من موظف تركي يحفظ واجهتها، ويرسل ابنه زيد إلى العراق كي يدرس علوم الدين في النجف مثله، أما ولداه باسل وأيمن فيرسلهما للالتحاق بالجيش العثماني كي يؤمن مستقبلهما بواسطة زوجته الحاجة نظام، ويكون بذلك قد اطمأن عليهم.

الرواية لا تخلو من المشاهد الإيروتيكية التي تظهر الكبت الذي تعانيه الشخصيات وسط مجتمعات متدينة محافظة، وخصوصا حين تكتشف عاصمة أن ابنة أختها أمينة تستخدم الصابون لمداعبة جسدها في مشهد وصفي طويل نسبيا، فتغضب عليها وتوبخها مع أنها تفعل نفس الفعل في السر وتنجذب إلى خطيب آمنة عبدالجليل جنسيا، ولا تخفي شبقها تجاهه، هذا الذي يموت لاحقا فيقرر أخوه أيمن الزواج منها لكنها ترفضه وتتزوج بشاب تركي أحبه قلبها.

قدم لنا الكاتب عباس بيضون في روايته هذه بحس ساخر تشريحا لمجتمع قرية صغيرة تقع في جنوب لبنان وهي ليست إلا جزءا من مجتمع أكبر، مسلطا الضوء على عاداتها وتقاليدها في ذلك الزمان من القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من قصرها وتصنيفها كنوفيلا إلا أنها كانت بورتريها مميزا بسرد محكم متصاعد معطيا الشخصيات حقها بوصف أسلوب حياتها وطريقة تفكيرها وتحليل أفعالها، فكان أمينا بنقل واقع هذا المجتمع في قصته هذه، التي قد يكون سمعها من أجداده أو أقربائه عن الناس وحياتهم في تلك المنطقة بتلك الحقبة من الزمن مع بدء ظهور بوادر النهضة العربية، فكانت روايته جميلة وممتعة وعميقة.

8