"صيف أرملة صاروفيم".. معالجة درامية لظاهرة تهريب الآثار أثناء الحروب

صراع متخيل بين جشع البشر خلال الفوضى وأمانة الذاكرة الوطنية.
الثلاثاء 2026/02/10
كتبت حكاية من واقع الحرب

في روايته "صيف أرملة صاروفيم" ينسج الكاتب اللبناني مازن حيدر حكاية مشوقة تدور رحاها في قرية جبلية حيث تتقاطع طبول حرب التحرير مع صمت المقابر والألغاز المدفونة. من خلال رحلة طالبة يغوص النص في عالم سرقة الآثار وصراع الهوية والذاكرة، محولا البحث عن الكنوز المفقودة إلى رحلة لفك طلاسم النفس البشرية والوفاء للأرض.

أثناء اندلاع الحروب تعم الفوضى وتنتشر السرقات وخصوصا سرقة الآثار التي يراها البعض فرصة للاغتناء، حيث يتم تهريب الآثار إلى دول أجنبية تشتريها بأثمان باهظة. من هذه الثيمة انطلق الكتاب اللبناني مازن حيدر لبناء قصة روايته “صيف أرملة صاروفيم” الصادرة عن دار نوفل في لبنان عام 2025.

قرية الألغاز

تدور أحداث الرواية في إحدى القرى اللبنانية صيف عام 1989 أثناء اندلاع حرب التحرير اللبنانية التي أطلقها الجنرال ميشيل عون ضد جيش النظام السوري في حينها ويتولى السرد فيها راو عليم من بدايتها حتى نهايتها ضمن أحداث مشوقة تشد القارئ بألغازها التي تنكشف تدريجيا مع مرور الوقت.

“هاهو مزار المنعطف الأول لجهة البلدة، وهاهو المزار الثاني، حاضنا شخص ما شربل تزينه الزهور البيضاء، شجرة السنديان المعمرة عمود الكهرباء إعلان المخيم الصيفي نقطة الأمن المتستحدثة قلعة ماقرياقوس وأخيرا لافتة عين سرار ترحب بكم”.

في صيف عام 1989 تصل أسامة الطالبة في الثانوية إلى قرية عين سرار للإقامة في بيت خالها ملحم بناء على رغبة والدها الصحافي والدتها الطبيبة، بغية إبعادها عن خطر الحرب التي اندلعت في بيروت ذاك العام وسميت حرب التحرير.

رواية تدور في إحدى القرى اللبنانية صيف عام 1989 أثناء اندلاع حرب التحرير اللبنانية ضد جيش النظام السوري
رواية تدور في إحدى القرى اللبنانية صيف عام 1989 أثناء اندلاع حرب التحرير اللبنانية ضد جيش النظام السوري

يقرر الوالدان البقاء في بيروت بسبب عملهما فالأب ينام في الجريدة وأمها في المستشفى. بعد وصولها تتعرف أسامة على آل الدايخ النازحين من الساحل (جديدة المتن) ويوكلوا إليها مهمة تعليم ابنيهما التوأمان جهاد وميلاد ابني العاشرة.

من ناحية أخرى تربطها علاقة حب مع نزار، الشاب الودود اللطيف رفيق طفولتها، وهو ابن تاجر الموبيليا جبرايل وتصادق مارلين.

تكتشف الفتاة أن القرية تحمل سرا بسبب مخطوط نسيه خالها ملحم على طاولة مكتبه، والسر وهو اختفاء آثار القرية من متحفها الكائن في قلعة مار قرياقوس الذي يديره الأستاذ صادق ومساعده خريستو، ويزعم الأول أن الآثار أرسلت إلى نيقوسيا في قبرص ليتم حفظها هناك وحمايتها من سرقة الميليشيات.

البحث عن الكنز

الشخص الوحيد الذي يصر أن الآثار مازالت موجودة في القرية ولم تخرج منها هو  جوهرة زوجة صاروفيم حاجب متحف القرية الذي توفي العام الماضي والتي سميت الرواية على اسمها والتي يعرفها الكاتب بهذه الافتتاحية: “هناك فوق على مشارف جبانة المتاولة المنسية ستشعل أرملة صاروفيم موقدها في ردهة أعدتها للشتاء تترقب بصبر وإيمان حلول فصل الربيع، يؤانسها نعيق الغربان وخفخفة ضباع عين سرار”.

وتؤكد جوهرة لأسامة أن مقبرة المتاولة المجاورة منزلها والتي تقوم بحراستها مليئة بالكنوز  كما  أخبرها زوجها قبل موته الذي أخبره بدوره الشيخ عباس قبل وفاته ليغض الطرف عنه أثناء سرقته للأثار وتهريبها  ووضع لديه دفترا فيه معلومات توصلهم للكنز تطلع أسامة عليه فتبدأ رحلة البحث عن الكنز بمساعدة التوأمين ونزار مارلين وشحادة ناطور المياه وبولين، محاولين فك الطلاسم الموجودة على شواهد القبور في المقبرة.

يستطيع التوأمان فك لغز الأحرف المنقوشة على أحد القبور المؤلفة من كلمتين وهما “الجسر والمغارة” لكنهما لا يصلان إلى شيء فحتى الدفتر الذي تركه الشيخ عباس قبل وفاته واحتفظت به جوهرة وأطلعت أسامة عليه، لم يوصلهم إلى كنز ذهبي وإنما إلى شاهدة حجرية أراد الشيخ عباس وضعها على قبره.

تتصاعد الأحداث وتبدأ الأسرار بالانكشاف لنعرف في النهاية أن صاروفيم الذي اتهم ذات يوم بسرقة الآثار بسبب مظاهر الثراء التي ظهرت عليه فجأة بريئا، قد اتفق هو والأستاذ صادق وملحم على تخبئة الآثار في منزله من أجل حمايتها من السرقة.

تعود أسامة إلى بيروت بعد انتهاء الحرب ويسافر التوأمان إلى الخليج عند والدهما ليجتمع شمل العائلة ويرسلان رسالة لأسامة التي جمعتهم معها علاقة أخوة  يشكرونها فيها ويبقى نزار يحبها، ويهدي الأستاذ صادق أرملة صاروفيم ثريا كريستالية لتضعها مكان الثريا القديمة في منزلها.

ضمكن هذه الحبكة البوليسية قدم لنا الكاتب مازن حيدر روايته، وعلى رغم بساطتها وسلاسة لغتها إلا أنه أوهمنا فيها بأن هناك كنوز مدفونة في هذه القرية عبر الألغاز والمخططات الموجودة ضمن لعبة سردية محكمة ليقدم لنا رواية مشوقة وعميقة وتسلط الضوء على موضوع مهم وهو سرقة الآثار أثناء الحروب وقد ترشحت الرواية لجائزة الشيخ زايد للعام 2025.

القرى اللبنانية كنوز مفقودة (لوحة أسامة بعلبكي)
القرى اللبنانية كنوز مفقودة (لوحة أسامة بعلبكي)

9