"صلاة القلق".. فانتازيا الجنون والتخلف الناتجين عن التسلط والقمع
تبرز رواية "صلاة القلق" للكاتب المصري محمد سمير ندا كأحد أكثر الأعمال السردية إثارة للجدل، فمنذ فوزها بالبوكر العربية لعام 2025، انقسمت الآراء حول هذا العمل الذي يغوص في الفانتازيا والواقعية السحرية ليقدم تشريحا لأثر السلطة الشمولية على الوعي الجمعي، حيث حول الكاتب القلق من شعور إنساني إلى طقس تعبدي وقيد سياسي.
فازت رواية “صلاة القلق” للكاتب المصري محمد سمير ندا بالجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” لعام 2025 وهي الرواية الثالثة للكاتب، صدرت عن دار مسكيلياني في تونس عام 2024 وبعد فوزها ارتفعت أصوات كثيرة في مصر منددة بهذا الفوز، معتبرة أنها لا تستحقه، ووصل الأمر إلى حد تخوين كاتبها ونعته بالعمالة، بينما أشاد الكثيرون بها واعتبروها رواية عظيمة تستحق هذا الفوز عن جدارة.
و”صلاة القلق” رواية فانتازية تنتمي إلى عدة مدارس في الأدب كالواقعية السحرية والسريالية والعدمية، فقد استطاع كاتبها المزج بين هذه المدارس ببراعة، وقدم لنا حكاية غرائبية مليئة بالأحداث أدان بها الأنظمة الشمولية والتخلف الناجم عنها وفق سرد مونفليني متعدد الأصوات (نسبة إلى ميخائيل باخت) مع وجود راو عليم يعود إليه في السرد بين فترة وأخرى جاعلا من المكان بطلا من أبطال الرواية، حيث يذكرنا هذا بقرية ماكوندو في رواية “مئة عام من العزلة” للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز.
قرية معزولة
تقع أحداث الرواية في العام 1977 في قرية كفر المناسي في أقصى صعيد مصر حيث سورت هذه القرية بالألغام منعا لخروج أحد منها أو الدخول إليها وتعتبر خطا أول للدفاع ضد العدو ويبدأ الحدث فيها بسقوط نيزك في أحد الأيام أو صاروخ من بقايا الحرب فيصاب سكانها بوباء غريب يحولهم إلى سلاحف ويصيبهم داء القلق.
يفتتح الكاتب روايته بهذه العبارة “استيقظ الشيخ أيوب المنسي صباح اليوم فلم يجد رأسه بين كتفيه، نال منه الوباء فحول رأسه كتلة عظيمة جرداء خلت من الشعر، وبدت أقرب إلى رؤوس الحصى منها إلى رؤوس البشر، بينما احتفظ جسده الطاعن بقوام بشري يحاكي بخموله السلاحف، من دون أن يمتلك درقة الوقاية مثلها”. تذكرنا هذه الافتتاحية بافتتاحية رواية “المسخ” للكاتب فرانك كافكا حيث يقول “استيقظ غريغور سامسا ذات صباح بعد أحلام مزعجة وقد وجد نفسه تحول إلى حشرة كبيرة في الفراش”، وما أصاب الشيخ أيوب المنسي أصاب كل سكان القرية فأصبحوا خمولين كالسلاحف لا يقوون على شيء ولا يستطيعون فعل شيء لكنهم لا يملكون درعا مثلها يحميهم، وتملك منهم قلق دائم. وبما أن الشيخ أيوب ابن الولي جعفر الذي عاد من الموت هو السلطة الدينية الوحيدة في القرية، يبتكر لهم صلاة للقلق علها تخفف عنهم هذا البلاء الذي أصابهم فيستجيبون له، فهم لا حول ولا قوة لهم، يتحكم الشيخ بهم وبمصائرهم هو وخليل الخوجة الذي لا يعرف له أصل ومن أين أتى وهو مالك الدكان الوحيد في القرية التي يوجد فيها كل ما يحتاجونه حتى أقراص المنوم التي أصبحت أكثر شيء يبيعه في هذا الدكان.
ويمثل الخوجة السلطة السياسية في القرية التي تسيطر على تفكير السكان وتعيد تشكيل وعيهم عبر الأوهام، فهو يجند أولادهم ويرسلهم إلى الحرب التي انتهت منذ عشر سنوات ويطبع جريدة محلية اسمها “صوت الحرب” يوزعها عليهم كل يوم جمعة بعد الصلاة ابنه الأب حكيم، حيث يدور على منازل القرية منزلا منزلا ويعطيهم إياها على الرغم من أن معظم السكان لا يعرفون القراءة لكن لكي يبقوا على اطلاع على صور الطائرات والدبابات والصواريخ. تطبع هذه الجريدة باللونين الأحمر والأسود “لأن الدولة ترشد الإنفاق” حسب مزاعم الخوجة وعندما توفي جمال عبدالناصر قام بإخفاء الخبر عنهم كي لا يوهن من عزيمتهم وصنع تمثالا له وضعه وسط القرية.
خليل إذا هو النظام السياسي متجسدا في كفر المناسي يمارس سلطته على السكان الذين يساق أولادهم إلى الحرب التي انتهت منذ عشر سنوات ولا يعودون منها وتنقطع أخبارهم ولا تنقطع إرسالاتهم المالية. يستيقظ أهل القرية ذات يوم ليجدوا تمثالا مقطوع الرأس وجد أمام دكان الخوجة يقال إنه يتجول في القرية ليلا ويكتب على جدران منازلهم عبارات بالحبر الأسود لا يتجرؤون على النطق بها، فهي تفضح أسرار كل بيت من البيوت التي تكتب على جدارنها الخارجي، ويخطف هذا التمثال البعض ويخفيهم ويقتل بعضهم لتحاك حوله الأساطير ويشكل رعبا لسكان القرية وينسب إليه كل شيء غريب يحدث، في إشارة إلى الرئيس جمال عبدالناصر.
سرد متعدد
الرواية تصور لنا عبر مجتمع مصغر كيف تسيطر الأنظمة السياسية على حيوات الناس وتشكل مصائره
قسم الكاتب روايته إلى ثماني فصول كل فصل منها يروى بلسان شخصية من القرية ويستهله بأغنية وطنية لعبدالحليم حافظ كانت تذاع زمن النكسة وما بعدها، وتروي كل شخصية الأحداث وفق رؤيتها فبالإضافة إلى شخصية الشيخ أيوب والخوجة هناك شخصيات أخرى كشخصية وداد الداية التي تقتل المواليد المشوهين، حيث قتلت في إحدى المرات مولودا مشوها للشيخ أيوب وهناك شخصية زكريا النساج الفلسطيني الأصل من عائلة الريماوي الذي حارب جده إلى جانب عبدالقادر الحسيني وهجروا من قرية الأسطل وجاؤوا إلى مصر ليستقروا في كفر المناسي، فقد زكريا ثلاثة من أبنائه في الحرب التي لم تنته إلى الآن ويقتل هو نفسه لاحقا.
أما محجوب النجار الذي ينتظر مولودا من عنايات، فيكتشف لاحقا أنه ليس ابنه، ويقوم بحفر نفق في منزله في محاولة منه للهروب من النجع للتخلص من سلطة الخوجة وتسلطه عليهم ونوح النحال، وهناك شخصيات مضطربة وليست سوية كشخصية محروس الدباغ الذي يعاشر ابنته المعاقة بعد تعاطيه الأفيون كل مرة، وعاكف الكلاف الذي يعاشر أغنامه، بالإضافة إلى شخصية شواهي المرأة الغجرية التي تتوق للحرية وتقيم علاقة جنسية مع حكيم ابن الخوجة الفتى البريء الذي لا يتأثر بالخوف ولا بالقلق ولا الجنون الذي تسبب فيه أبوه لهذه القرية، ويستطيع في النهاية الهرب مع شواهي من هذه القرية.
نكتشف لاحقا مع تقدم الأحداث أنه هو الراوي العليم الذي يدون فصول الرواية في دفتر أثناء علاجه في مصحة نفسية، وهو الذي كان شاهدا على مقتل أمه وقد تم قطع لسانه كي لا يحكي ما شاهده، فيروي بقلمه ما عجز عن قوله بلسانه.
وفق هذه الخلطة السحرية والفانتازية، يقدم لنا محمد سمير ندا أجواء هذه القرية التي توقف بها التاريخ وبقي سكانها ينتظرون شيئا لا يعرفونه، فتشبه ما قدمه كوتزي في روايته “في انتظار البرابرة” وجورج أورويل في روايته “1984”، ويصور لنا عبر مجتمع مصغر كيف تسيطر الأنظمة السياسية على حيوات الناس وتشكل مصائرهم ليقدم رواية لا تشبه غيرها من الروايات العربية وتختارها لجنة جائزة البوكر العربية وتعطيها جائزتها للعام 2025.