"Figurativ".. وجوه العالم تتقاطع في مرآة الإنسان
في لحظة تتقاطع فيها الفنون مع أسئلة الهوية والذاكرة والوجود، يفتح معرض "Figurativ" في النمسا فضاءً بصرياً للحوار بين تجارب فنية متنوعة من الشرق والغرب. ومن خلال أعمال تنتمي إلى أجيال وثقافات مختلفة، يستعيد المعرض الإنسان بوصفه محور الإبداع وأفقه الأكثر عمقاً واتساعاً.
يقدم المركز الثقافي “OHO – Offenes Haus Oberwart”، بمقاطعة بورغنلاند بالنمسا من السادس وحتى السابع والعشرين من يونيو الجاري معرضا فنيا تشكيليا بعنوان Figurativ يضم مجموعة من التجارب الفنية ذات الأسلوب الحسي التصويري، وهي أعمال تعود لمقتنيات التشكيلي العراقي المقيم بالنمسا فائق رسول.
تحمل المجموعة تنوعا بصريا وإنسانيا وجماليا عميق الأثر والانعكاس الجمالي البصري، الذي أثّر في حركة الفن المعاصر في النمسا ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان له البعد التوثيقي لرؤى الإنسان وتعبيره عن وجوده وآماله ومعاناته، ومحاكاة لمعايشاته المتداخلة بين السلم والحروب، وبين القلق الوجودي والأمان الداخلي. وقد اختلفت الأساليب التقنية بين رسم وحفر ونحت، فمن خلال عرض ثلاثين عملا لأهم التجارب في المجموعة من النمسا أسماء مهمة في المشهد التشكيلي المعاصر نذكر منها: Maria Lassnig،Adolf Frohner ، HerwigZens، Günter Grass.
كما نجد تجارب من الشرق العربي من بينهم ثلاثة أعمال للفنانة التشكيلية التونسية نجاة الذهبي، وإيفلين عشم الله ولينا أسامة من مصر، ومن العراق إسماعيل خياط وفائق رسول، ومن سوريا بهرام حجو وعلاء شرابي وفاروق محمد، ومن إيران سينور، حيث تجادلت أعمال الفنانين داخل قاعة العرض في أسلوبها التصويري وتكاثفت رؤيتهم في التعبير عن الإنسان بين اللحظات الوجودية والتفرد البصري وبين التعايش الحسي والتكامل الثقافي كل مع محيطه واختلافاته وانتمائه وتصوراته.
نحن وما نتذكره
في زمنٍ تتسارع فيه الصور حتى تكاد تفقد ذاكرتها، يأتي معرض “Figurativ” بوصفه فعلَ استعادة، استعادة للإنسان باعتباره مركز الرؤية، ومرآة الأسئلة الكبرى التي لم تكفّ عن ملاحقة الوعي منذ البدايات الأولى للفن، هنا لا تظهر الهيئة الإنسانية كموضوع تشكيلي فحسب، بل كحقلٍ فلسفي تجتمع فيه الذاكرة والهوية والزمن والغياب.
المعرض رحلة بصرية وفلسفية في جوهر الوجود الإنساني، حيث يتحول الفن إلى لغة كونية تتجاوز الحدود
شكّل المعرض وكما أشار فائق رسول نقطة فارقة في التواصل الفني الإنساني بين الشرق والغرب حيث اللغة الأولى هي الفن والتصوّر الأول هو الإنسان، إذ تكمن أهمية الأعمال التي تشكّل هذا المعرض في مدينة مثل بورغنلاند التي تقع على حدود أوروبا الشرقية وشهدت عدة أحداث إنسانية مأساوية وتمييزا عرقيا خلال الحرب العالمية الثانية، واعتبرت في المرحلة المعاصرة معبرا لتجار الأعضاء، كانت تلك الأحداث التي تصل منها صادمة ولكنها تقف أمامها وتتحدى تاريخها المعتم في جوانبه بمحاكاة الإنسان وتمثيله فنيا بصريا وثقافيا وفي تفاعلات حسية وجمالية رغم كل تلك الخدوش والآثار التي تعبر من الإنسان وتسكن بأمانها فيه.
من بين الجوانب التي تكاملت في الأعمال المعروضة، هي خصوصية المجموعة التي جمعها واقتناها فائق رسول على امتداد أكثر من ثلاثين عامًا من إقامته في النمسا، حيث اعتبرها منظمو المعرض أكثر من مجموعة مقتنيات بالمعنى التقليدي، بل أرشيفا بصريا لتجارب إنسانية وثقافية متعددة، أولها تجربة الفنان والمقتني ومعاناته الطويلة قبل أن يتحول إلى لاجئ في النمسا، اختار أن يتبع آثار ذاكرته في العراق ويخلق رؤاه منها ويحمل آثاره البصرية التي دفعته لكي يجمع ويجتمع مع تجارب تلامس روحه الباحثة عن الأمان، فيلتقي في المجموعة فنانون نمساويون وعرب ضمن فضاء حواري واحد ركيزته الإنسان والتنوع والانتماء والبحث عن الأمان.
الأعمال المعروضة في تنوعها المتداخل وتصادمها الداخلي الحسي لا تنتمي إلى جغرافيا واحدة، بل إلى سؤال واحد وهو ما تلاه علينا فائق رسول بكل الاندماج والتمازج الإنساني مع الفضاء والإنسان والفن، كيف يمكن للفن أن يعيد اكتشاف الإنسان؟ ولعل هذه الرؤية هي الركيزة التي من خلالها اقتنى مجموعته وانعكس منها ليقدم رسائل للعالم أنه لا يقتني ليجمع وإنما يقتني ليسرد حكايات الإنسان وصراعات الوجود.
تبادل لمسافات الضوء
المعرض يعكس مفاهيم الأسلوب “التصويري” أو “الفيغوراتيف” بعيدا عن اعتبارها محاكاة شكلية للجسد، فالإنسان ليس جسدا مرئيا بل هو المرآة، كيان يحمل آثار الزمن وتصدعات الذاكرة وأحلام العبور بين الثقافات والقضايا والمواقف الواقعية التي تتشكل بصريا وفنيا، كل عمل فني يبدو وكأنه أثر أو محاولة للإمساك بلحظة وجودية متلاشية لحظة يتقاطع فيها الذاتي مع العام، الفردي مع الكوني، والواقعي مع المتخيل.
في هذه الأعمال، تتحول الوجوه إلى خرائط داخلية، وتصبح الأجساد نصوصا مفتوحة على التأويل. فالتشخيص لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يفتح باب التساؤل حول معنى الحضور الإنساني في عالم تتزايد فيه أشكال الاغتراب، لذلك تبدو الشخصيات المرسومة أحيانا قريبة منا حدّ الاعتراف، وبعيدة عنا حدّ الغموض، وكأنها تعيش على الحدود الدقيقة بين الظهور والاختفاء.
ما يمنح المعرض عمقه الثقافي، حوار غير معلن بين الأزمنة والتجارب، التجربة العربية والتجربة النمساوية، ليس بوصفهما طرفين متقابلين، بل بوصفهما روافد متعددة للشرط الإنساني ذاته، فالاختلافات الأسلوبية والتقنية تتحول إلى ثراء بصري يكشف أن الإنسان، رغم تعدد اللغات والبيئات، يظل موضوع الفن الأول والأخير والفن لغة مسموعة بوجدان التفاعل وإحساس الاندماج.
“Figurativ” يحمل محاكاة متعددة لصورة الإنسان وهو يبحث عن نفسه، بين الوجوه المشوّهة والواقع المتداخل والصراع الذي يحاور بواطن الأجساد، كل عمل يتداخل مع الآخر يحمل السؤال القديم المتجدد: من نحن وسط أزمنة الحروب والخراب والاعتراف بنا، بثقافاتنا، هوياتنا وانتمائنا وآثارنا؟ وكيف يمكن للصورة أن تقول ما تعجز الكلمات عن قوله؟
المعرض رحلة بصرية وفلسفية في جوهر الوجود الإنساني، حيث يتحول الفن إلى لغة كونية تتجاوز الحدود، وتصبح اللوحة مساحة للتأمل في هشاشتنا وقوتنا، في وحدتنا وتعددنا، وفي ذلك الأثر العميق الذي يتركه الإنسان في العالم، ويتركه العالم فيه.
“Figurativ” ليس معرضًا عن الإنسان فحسب، بل هو معرض عن الوجود كما يُرى من خلال الإنسان، ذلك الكائن الذي ما زال، رغم كل التحولات، أعظم أسئلة الفن وأكثرها غموضا.
محاورات تجريبية
تكتسب الأعمال النمساوية في معرض “Figurativ” أهمية خاصة باعتبار أن مجموعة فائق رسول متنوعة ومتكاملة بين الفني والفلسفي، تتكاثف مع انتمائها إلى تقليد بصري عريق جعل من الجسد الإنساني مجالًا للتأمل النفسي والوجودي أكثر من كونه موضوعًا جماليا، فمنذ بدايات الحداثة النمساوية لم يكن التشخيص الفني معنيا بتمثيل المظهر الخارجي للإنسان بقدر اهتمامه بالكشف عن ثنايا همومه الداخلية وهشاشته الروحية وتوتراته العميقة.
أعمال الفنانين العرب والنمساويين تتجادل في أسلوبها التصويري حيث تكاثفت رؤيتهم في التعبير عن الإنسان
لذلك تتسم العديد من الأعمال النمساوية بإيقاع بصري خاص يتولد من العلاقة بين الكتلة والفراغ، وبين الحضور الجسدي والانفعال النفسي، حيث تتجاور القوة التعبيرية مع حساسية لونية دقيقة تجعل الشكل الإنساني يبدو وكأنه في حالة تشكل دائم.
هذا الإيقاع لا يكتفي بتقديم صورة للإنسان، بل يحوّل الجسد معه إلى مساحة تتشابك فيها الذاكرة الفردية مع القلق الوجودي المعاصر، الأمر الذي منح الأسلوب النمساوي فرادته داخل المشهد الأوروبي، وجعله قادرا على بناء لغة بصرية مختلفة تمضي أبعد نحو اكتشاف أعماق التجربة الإنسانية ذاتها.
هذا التنوع التجريبي بين الرؤى الفنية التي تظهر مثل رسائل إنسانية اكتمل وتكامل في حضور فكري استدعى أفقا آخر للقراءة، كما في استلهام روح غونتر غراس الذي يتشارك الحوار البصري في المعرض، حيث تتقاطع الكتابة مع التشكيلي، والسرد مع الصورة، في مقاربة تعتبر الفن مجالا لكشف التوازي بين التاريخ الفردي والجماعي، هنا لا يُستحضر غراس كمرجع أدبي كان له تأثيره بل كامتداد لفكرة أن الصورة يمكن أن تُقرأ كمسارات سردية، وأن الأدب نفسه يتحول إلى بنية بصرية قابلة للتأويل داخل المعرض.
هناك تشابك يخلقه تجاور الرؤى النمساوية المعاصرة بما تحمله من حس نقدي للتكوين البصري وتجريب في المادة والوسيط مع تجارب الشرق، بوصفها أرشيفًا إنسانيًا مفتوحًا على الانكسار والتحول والتعبير والعناد والاستمرار والتكاثف، الفن النمساوي لم يفرض كمركز بصري بل كمحاكاة ندية شكّلت بنية عرض متمازجة، حيث كل عمل أثر واحتمال لرؤية أخرى، وكل تصوّر هو نقطة عبور نحو الآخر.
ليصبح المعرض حقلا حواريا متعدد الرؤى لا تُقرأ فيه الأعمال منفردة، بل كحالات إدراك متقاطعة، تُعيد تعريف الفيغوراتيف كاختبار مستمر لمعنى الإنسان داخل الصورة.
في هذا المعرض البصري المتعدد، تأتي مشاركة التونسية نجاة الذهبي إلى جانب بقية الفنانين القادمين من الشرق لتشكّل طبقة إضافية في بنية المحاكاة التي يقترحها المعرض، حيث لا يعود التجاور مجرد جمع لأعمال مختلفة، بل يتحول إلى اختبار حيّ لإمكانات الصورة في إعادة التفكير بالانتماء والهوية والذاكرة، حيث لا تُعرض التجارب العربية ككتلة واحدة، بل كاختلافات داخل اختلاف أكبر، لكل منها لغته الخاصة في التعامل مع الجسد البصري، ومع أثر التاريخ، ومع هشاشة الحاضر.
وتشتغل نجاة الذهبي بوصفها نقطة توازن ديناميكية داخل هذا الحقل البصري للمعرض في محاكاة متكاملة لأعمال بهرام حجو، فتفتح أعمالها أفقا حسيا يربط بين التجريب والحميمية، والتصويرية التي تخلق العلامة الفردية والإيقاع الجمعي، مما يجعل حضورها جزءا من حركة تفكيك مستمرة للصورة لا استقرارها، وهي محاكاة أخرى تفتح الحوار على بقية التجارب في تفاعلاتها مع العمق التجريبي الداخلي مثل تجريب إيفلين عشم الله أو لينا أسامة وجوار تجربة فائق رسول وإسماعيل خياط تتشكل خريطة بصرية لا تقوم على التشابه بل على التأثر والتماسك الانفعالي الداخلي للأثر الثابت للانتماء، المسكون بالتوتر الخلّاق بين الصيغ التعبيرية المختلفة، حيث يصبح كل عمل سؤالا بصريا مفتوحا لا ينتظر أجوبة.
إن هذا التعدد لا يغلق المعرض على فكرة تمثيل ثقافي، بل يفتحه على أفق أكثر اتساعا أفق التجريب بوصفه طريقة في التفكير.

