هل تصدقون أننا نحارب الفساد؟
المعلومة التي فجّرها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، وعلى الهواء مباشرة أمام وفد من الإعلاميين، عن تلقيه عرضًا لرشوة بقيمة 200 مليون دولار من مسؤول بارز في وزارة النفط تم إلقاء القبض عليه مقابل غلق جميع ملفات الفساد الخاصة به، تُثبت أن منظومة الفساد صُمّمت بطريقة احترافية مُحكمة، وأن الفساد أصبح وقحًا إلى درجة المجاهرة بالفعل. وإذا كانت حسنة الزيدي أنه كشف للرأي العام هذه المصيبة، فكيف الحال بالمسؤولين السابقين الذين بالتأكيد عُرضت عليهم رشاوى لغلق ملفات فساد كبرى دون أن يعرف الشعب؟ وإذا كان مبلغ الرشوة بهذا الرقم، فكيف هو حجم المنهوب من أموال وقوت العراقيين؟
قمة الغثيان الحقيقي أن العراقيين أصابهم اليأس والإحباط من ادعاء محاربة الفساد الذي جمع كل أنواع اللصوص على مائدة موارد العراق وثرواته، بعد أن وصلوا إلى قناعة بأن ذلك الفساد لا يمكن نسفه لأن أصل الكارثة موجود في الطوابق العليا لهرم السلطة من قادة أحزاب وأرباب سياسة ومستثمرين.
هل تتذكرون حديثًا أدلى به نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق عام 2013، عندما سُئل عن سبب اقتناعه بعدم كشف أسماء الفاسدين؟ أجاب: “أخاف على العملية السياسية أن تنهار”. كانت في حقيقتها فضيحة وانهيارًا أخلاقيًا للسلطة بعد أن انكشفت عورتها، حين تمثل ذلك بعد شهرين بسقوط أكثر من ثلث مساحة العراق بيد تنظيم داعش الإرهابي، مما يعكس تشابك خيوط الفساد مع السياسة.
حقًا كانت انتكاسة دفع العراقيون فواتيرها، وبعد ذلك هل من الغرابة أن تجد من يقول لك “إن الفساد أصبح كالهواء الذي نستنشقه”؟ فقصص الفساد والفاسدين أصبحت تغص بها قنوات إعلامنا المرئي، وكأنها من حكايات ما قبل النوم نسردها لأطفالنا.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للعراق مواجهة الفساد المستشري واسترداد الأموال المنهوبة، أم أن الدولة العميقة ستظل تفرض هيمنتها على مستقبل البلاد؟
يتندر العراقيون بطرفة هي في حقيقتها تُلخّص حجم المصيبة التي يعيشها هذا البلد، فقد كشفت لجنة النزاهة النيابية في البرلمان العراقي أن التحقيقات التي أجرتها هيئة النزاهة بيّنت أن قيمة الأموال المختلسة في “سرقة القرن”، التي تُعد واحدة من السرقات التي يعج بها هذا البلد، بلغت ثمانية تريليونات دينار، ما يقارب سبعة مليارات دولار، وما زال أبطالها يسرحون ويمرحون. في حين يُفاوض الإيرانيون ذهابًا وإيابًا بمفاوضات معقدة من أجل الإفراج عن 12 مليار دولار من أموالهم المجمّدة، تخيّلوا المقارنة بين الصورتين.
يعتزم رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي القيام بزيارة إلى عدد من دول الخليج لغرض الحصول على دعم مالي أو قرض لتغطية الرواتب والنفقات بسبب العجز المالي الذي يعاني منه العراق. وإذا كنا نعتقد أن معظم دول الخليج لا تمانع في مساعدة العراق على الخروج من أزمته، إلا أن الاعتداءات الأخيرة للميليشيات التي انطلقت من الأراضي العراقية باتجاه دول الخليج قد تُصعّب ذلك الأمر.
كان بإمكان الزيدي، وكخطوة أولى في باب الإصلاح الاقتصادي، أن يضرب أوكار الفساد الذي أصبحت مخالبه تنهش أجساد العراقيين ويسترد المنهوب، فالفساد في العراق يمر بخطين متوازيين يتمثل الأول بحيتان الفساد، والثاني بأدوات الفساد التي لن يُجدي نفعًا إلقاء القبض عليها ما دام الحيتان مستعدين لتبديل تلك الأدوات.
كما هو الحال في كل الحكومات السابقة، فقد وجّه الزيدي بتشكيل المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام، لكن هل هذا يكفي ما دام الفساد يتمدد؟
الفساد لا يقل خطورة في العراق عن السلاح المنفلت، بل ربما يكون هو العامل الأبرز في انهيار المنظومة الوطنية للبلد، فضياع السيادة والاستسلام للإرادة الخارجية وبروز الدولة العميقة، كل ذلك من مكونات الفساد.
ما زال الرهان قائمًا لاسترداد كل ما نُهب من أموال اليتامى والفقراء في هذا البلد المسروق، وأن لعنتهم وسيف العدالة لا بد أن يطالا كل من أجرم بحق هذا الشعب وأهله.
أكثر من ألف مليار دولار نُهبت من أموال العراقيين وأقواتهم، ولا يزال النهب مستمرًا، فهل لا زلنا نُصدّق من يريد أن يُحارب الفساد؟