حكومة الزيدي ومقتدى الصدر… مَن يُراهن على مَن؟

عودة مقتدى الصدر إلى المشهد السياسي العراقي تبدو وشيكة رسائله الأخيرة بنزع السلاح ومهلة الإصلاح تؤكد أن ساعة الصفر لإعادة إنتاج دوره قد بدأت.
الثلاثاء 2026/06/02
الصدر يعيد إنتاج نفسه

كل المؤشرات تدل على أن مقتدى الصدر، زعيم التيار الوطني الشيعي، سيُعيد إنتاج نفسه في المشهد السياسي العراقي عاجلاً لا آجلاً، وقد يكون طرفاً أساسياً من أطراف التغيير في البنية السياسية للنظام. فتحركات الصدر واتصاله برئيس الوزراء الجديد علي الزيدي لتهنئته، والمبادرة التي فاجأت الإطار بنزع سلاح سرايا السلام وتسليمه للدولة، ومن ثم المهلة البالغة ٩٠ يوماً التي منحها للحكومة الجديدة لتحسين أوضاع البلد ومحاسبة الفاسدين ونزع سلاح الميليشيات، كل تلك الرسائل توحي بأن ساعة الصفر لعودة الصدر قد بدأت، خصوصاً وأن العمر الافتراضي للإطار التنسيقي شارف على النهاية في ظل تصاعد الانقسامات وفقدان التوازن السياسي بين قواه الحاكمة.

هناك ما يبرر حدوث “هزّة سياسية” على أرض الواقع العراقي، وذلك ليس مجرد سرد صحفي، بل حديث يجري تداوله بين أوساط القوى السياسية داخل الإطار التنسيقي نفسه، وقد تتضح ارتدادات تلك الهزّة خلال الأيام القليلة القادمة.

حكومة علي الزيدي تواجه تحديات داخلية وخارجية معقدة دعم الصدر لها قد يمنحها قوة إضافية لكن الانقسامات والضغوط الإقليمية تجعل مستقبلها محفوفاً بالعثرات

فالتوقعات بعدم إكمال حكومة الزيدي دورتها الانتخابية واردة جداً في ظل الصراعات السياسية التي بدأت تظهر للعلن بين القوى داخل الائتلاف ذاته، إضافة إلى توقعات بانشغال الولايات المتحدة بأمورها الداخلية كـ”الانتخابات النصفية”، وهو ما قد يؤثر على الوضع العراقي، خصوصاً مع وجود حالة “اللاحرب واللاسلم” مع إيران. كما أن الانقسام الحاد بين القوى التي تريد “مأسسة الإطار” والجناح الآخر الذي يريد اعتباره تجمعاً ائتلافياً سيضع الإطار التنسيقي في مواجهة توترات داخلية قد تزيد من حالة التشظي وانفراط عقد التحالفات.

حكومة الزيدي التي جاءت بعد انسداد سياسي وتدخل أمريكي واضح قد ترسم سيناريوهات مستقبلية، أقواها الذهاب إلى انتخابات مبكرة. خطوات مقتدى الصدر أربكت الإطار التنسيقي وقبلها الميليشيات المسلحة، وزادت من حدة الانقسام والغموض في توقعات الخطوة القادمة، بعد أن سلّم سلاح سرايا السلام التابع له للحكومة العراقية.

ولا ينسى الإطار التنسيقي أن الصدر يمتلك جمهوراً عقائدياً مليونياً يستطيع أن ينزل إلى الشوارع بإشارة من زعيمه. وكيف ينسى الإطار خطوة الصدر في عام ٢٠٢٢ عندما وجّه خطاباً متلفزاً لأتباعه بضرورة إنهاء الاعتصام والانسحاب التام من داخل المنطقة الخضراء خلال مهلة لا تتجاوز ٦٠ دقيقة، بعد تصعيد واشتباكات دامية دارت داخل تلك المنطقة المحصّنة بين مقاتلي الصدر وميليشيات مسلحة، راح ضحيتها خسائر من الجانبين.

حكومة الزيدي بحاجة إلى دعم داخلي لتنفيذ بنود الإصلاح الاقتصادي ونزع السلاح، وقد يأتي ذلك من تأييد مقتدى الصدر لتلك الحكومة

حكومة الزيدي التي جاءت من خارج أسوار الإطار التنسيقي ربما ستكون حافزاً للصدر لتأييدها أو مساندتها، خصوصاً مع تطابق خطواته مع توجهات حكومة الزيدي في نزع سلاح الميليشيات ومحاربة الفساد، وهو شعار ظل يتكرر في الحكومات السابقة دون أن يتحقق فعلياً.

لا يُستبعد أن يكون لمقتدى الصدر دور في رسم معالم الواقع السياسي العراقي في المستقبل. علي فالح الزيدي، رئيس حكومة العراق الجديد والقادم من عالم المال والاقتصاد وخارج أسوار السياسة، هل يستطيع ضبط إيقاع الواقع العراقي في ظل كل تلك الظروف والتعقيدات، وعدم وجود بيئة سياسية تحميه وتسانده؟

ما نشرته منصة الدراسات السياسية الدولية الإيطالية (SP) يشير إلى أن الدعم الأمريكي لحكومة الزيدي لن يكون مفتوح الأفق فيما يتعلق باحتكار الدولة للسلاح وتقليص النفوذ الاقتصادي الإيراني داخل العراق. لكن بالمقابل، يشير التقرير إلى شكوك واسعة حول إمكانية تنفيذ هذه التعهدات في ظل الأخبار التي تتحدث عن تدخلات غير مباشرة من إيران، التي أرسلت رسائل واضحة إلى الفصائل بعدم التخلي عن ترسانتها العسكرية في هذه المرحلة، ريثما تتضح مسارات التفاوض الجارية بين واشنطن وطهران.

من هنا تأتي حاجة حكومة الزيدي إلى دعم داخلي لتنفيذ بنود الإصلاح الاقتصادي ونزع السلاح، وقد يأتي ذلك من تأييد مقتدى الصدر لتلك الحكومة.

كل الدلائل تشير إلى أن القادم لهذه الحكومة هو الأصعب في ظل التحديات الداخلية والخارجية، وذلك ما يتحدث به القادة السياسيون أنفسهم. فكيف ستنجو حكومة الزيدي من كل تلك العثرات؟

7