في العراق، تحالفات تبدأ وأخرى تنتهي… فما النتيجة؟

التحالفات السياسية في العراق تتبدل بسرعة إذ تنشأ تكتلات جديدة على أنقاض القديمة مدفوعة بالمصالح والسلطة لا بالبرامج أو خدمة المواطن.
الجمعة 2026/05/22
التحالفات الجديدة والقديمة لم تحل مشاكل العراق

لم تمضِ ساعات على التصويت لمنح الثقة لحكومة علي الزيدي حتى انكشفت هشاشة التحالفات والتكتلات السياسية التي أفرزها السباق المحموم للتنافس على مقاعد إضافية تحت قبة البرلمان العراقي.
لم يكن انهيار تحالف “الإعمار والتنمية” الذي يقوده رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني مفاجئًا، بعد انسحاب كتلة رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض ووزير العمل أحمد الأسدي وآخرين، إذ إن التحالفات تُبنى أساسًا على مبدأ “حصتي وحصتك” لا على التنافس في البرامج الانتخابية أو التسابق لخدمة المواطن.

بعد هذه الهزة السياسية وما رافق التصويت من خلافات بين الكتل حول حكومة الزيدي، يفرض السؤال نفسه بقوة: هل سيبقى الإطار التنسيقي موحدًا ومتماسكًا رغم كل ما جرى؟
ربما لا يحتاج الجواب إلى محلل متعمق؛ فالمشهد داخل البرلمان العراقي من تسارع وصراخ أظهر أن الوضع بعد التصويت ليس كما قبله. فالإطار التنسيقي جمعته قبل أكثر من ثلاث سنوات غاية واحدة، هي إسقاط مشروع الأغلبية الذي تبناه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بتحالفه مع محمد الحلبوسي ومسعود البارزاني، وقد نجح في إفشال ذلك المشروع والعودة إلى مربع التوافقية.

الغريب في هذه التحالفات أنها ما إن تنتهي حتى يبدأ التفكير بتحالف جديد على أنقاض القديم، بعناوين براقة تخدع الجماهير دون أن تحمل أي معنى مؤثر في عالم السياسة، فهي مجرد أسماء على الورق.
تتواتر الأخبار عن قرب تشكيل تحالف سياسي جديد يضم نوري المالكي وهادي العامري والأعضاء المنسحبين من كتلة السوداني وآخرين، تحت مسمى “تحالف الأقوياء”، وربما يُعلن عنه قريبًا. سيكون رد فعل على التوتر البرلماني الذي رافق التصويت لحكومة الزيدي، وليكون كما يدّعي أصحابه ضامنًا للسيطرة على مسارات تشكيل الحكومة وأدائها. لكن المؤشرات تدل على أن هذا التحالف قد يحل محل الإطار التنسيقي مستقبلًا في ظل غياب كتلة السوداني.

المشهد البرلماني يعكس صراعًا محتدمًا بين جبهات متنافسة حيث تتقاطع المصالح مع النفوذ ويظل ملف السلاح والفصائل التحدي الأكبر أمام حكومة الزيدي

التحالف الجديد يجري الإعداد له، وقد يتضمن الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة التي لم تشارك في الكابينة الوزارية، إضافة إلى بعض الكتل والأحزاب السنية والكردية، ليكون بمحصلة الأمر معركة نفوذ سياسي وإعادة تموضع يعيد رسم المشهد ويطيح ببعض الأسماء التي تصدرت مؤخرًا.
الواضح أن الصراع سيكون بين جبهتين: الأولى بقيادة المالكي وفريقه من “حراس المعبد” القدامى، والثانية تضم السوداني والحلبوسي وأمين عصائب أهل الحق قيس الخزعلي وعمار الحكيم.

يبقى ملف حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الفصائل ذلك القلق المزمن الذي يواجه الجميع، إذ إن كيفية تنفيذه والشروط الأمريكية أو الرضا الدولي لن يدوم طويلًا على حكومة الزيدي، ما يضعها أمام امتحان عسير قد يعقّد مهمتها وسط هذا التناحر السياسي ومحاولات كسر العظم بين القوى المتصارعة، التي باتت وحدة المصالح والأهداف تجمعها دون النظر إلى المذهب أو القومية.

يتداول حاليًا مقترح قد يرى النور، يتمثل في تشكيل وزارة تضم الشرطة الاتحادية وقوات حرس الحدود والحشد الشعبي الذي قد يتحول إلى مديرية، لتكون تلك الوزارة جامعة لكل هذه التشكيلات. لكن يبقى السؤال: هل يتوافق ذلك مع الرؤية الأمريكية لنزع سلاح الميليشيات وتفكيكها، ومع موقف الحكومة العراقية التي تواجه رفضًا ميليشياويًا قد يتطور إلى مواجهة عسكرية بين الحكومة والفصائل؟

المشهد السياسي العراقي يزداد ارتباكًا وغموضًا وتداخلًا في المفاهيم، حتى ليشعر المرء أن هذا البلد كلما حاول الخروج من مأزق وقع في مأزق أكبر، محاولًا إيهام الآخرين بحلول ساذجة أو كمن يدور حول نفسه.
كل تلك التحالفات، الجديدة والقديمة، لم تحل مشاكل العراق، بل زادت من تعقيد المشهد السياسي، وهو ما يدل على مراهقة سياسية لم تنضج بعد. وتلك هي مشكلة العراق في فوضاه السياسية.