في حكومة الزيدي قرارات غير قابلة للتطبيق

المشكلة في حكومة الزيدي أنها غير مكتملة النصاب ولا يمتلك ثقلاً برلمانياً مما يجعل قراره مرهوناً بيد الإطار التنسيقي.
الثلاثاء 2026/05/19
حكومة تشكّلت بقرار أميركي

أدق توصيف لما جرى من خيارات الإطار التنسيقي في اختيار علي الزيدي وتشكيلة حكومته الجديدة، أن إدارة ترامب وضعت ذلك الإطار في إطار.

المقصود هنا هو الرضوخ الكامل وغير المشروط للأوامر الأميركية بعدم إشراك أي وزير ينتمي إلى فصيل مسلح في حكومة الزيدي، لذلك غابت أسماء وعناوين كثيرة عن مشهد منح الثقة تحت قبة البرلمان.

أربعة عشر وزيراً نالوا ثقة البرلمان لتولي الحقائب الوزارية، فيما بقيت تسع وزارات شاغرة تأجل التصويت على وزرائها لحين الاتفاق على مرشحيها. وتدور أحاديث في دهاليز السياسة أن بعض تلك الوزارات ستكون من نصيب أطراف تمتلك أجنحة مسلحة وترغب بالتخلي عن سلاحها بعد الاتفاق مع الجانب الأميركي للاندماج في العملية السياسية.

 

حكومة الزيدي وُلدت ناقصة النصاب محاصرة بصراعات الكتل وضغوط أميركية وإيرانية متقاطعة ما يجعل قراراتها رهينة التوازنات الخارجية أكثر من الإرادة الداخلية

مصادر أخرى تؤكد أن تأجيل منح الثقة يرتبط بأهمية تلك الوزارات من الجانب الأمني، مثل الداخلية والدفاع، والتي تتطلب تدقيقاً وتمحيصاً أميركياً في اختيار الشخصيات الأقرب إليها والبعيدة عن النفوذ الإيراني، وكذلك وزارة التخطيط التي تمثل العصب الاستراتيجي لإدارة الدولة، ليصل قرار التأجيل إلى دوائر المخابرات والأجهزة الأمنية.

لكن بالرغم من كل تلك التحديات، ظل صراع الكتل والأحزاب محتدماً على مغانم السلطة ومنافع الوزارات، حتى أعلن كثيرون أنهم غير راضين عن توزيع الحقائب الوزارية. ولهذا بدأت تظهر إلى العلن بوادر انشقاقات وتفكك تكتلات سياسية دخلت الانتخابات واختلفت فيما بينها على الحصص، كما حدث من تشظي كتلة محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، بانسحاب أغلب القيادات منها مثل كتلة فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي، وأحمد الأسدي وزير العمل السابق، وما يتبع ذلك من انقسامات في الأيام القليلة القادمة.

المشكلة في حكومة الزيدي أنها غير مكتملة النصاب، مما يعني نصف نجاح وربما بعض الفشل. فالرئيس الجديد يحتاج إلى أدوات حكم لجميع الوزارات، خصوصاً وأنه قليل الخبرة السياسية ولا يمتلك ثقلاً برلمانياً أو كتلة تحميه داخل البرلمان العراقي، مما قد يجعل قراره مرهوناً بيد الإطار التنسيقي، وهو ما لا تريده أمريكا للزيدي وحكومته، بعكس إيران التي تحرك خيوطها في الظل لمنع خروج الحكومة عن توجهاتها.

خيار نزع سلاح الفصائل بالنسبة لحكومة الزيدي هو خيار المواجهة، لأن تلك الفصائل تمثل عمقاً سياسياً وعقائدياً لبعض قوى الإطار التنسيقي التي ارتضت الزيدي. وقرار نزع السلاح يعني صداماً مباشراً مع تلك القوى قد يصل إلى انهيار سياسي، وهو ما يتطلب قراراً جريئاً بعد أن انتهى عصر “اللعب على الحبلين”.

أما إدارة ترامب فهي لا تريد من الزيدي سوى تنفيذ شروطها التي تتلخص في نزع سلاح الفصائل والابتعاد عن المحور الإيراني سياسياً واقتصادياً لإعادة رسم خارطة النفوذ في العراق. وبالمناسبة، فإن ترامب حين قال إن الزيدي فاز في الانتخابات البرلمانية بفارق كبير جداً، لم يكن يعلم أن الرئيس الجديد لم يشترك أصلاً في الانتخابات ولم يدخل في قوائم مرشحيها.

 

نزع سلاح الفصائل شرط أميركي صعب التنفيذ إذ يمثل عمقاً سياسياً للإطار التنسيقي ما يضع حكومة الزيدي أمام مواجهة محتملة تهدد استقرارها واستمرارها السياسي

من المرجح أن تشهد الأيام القادمة في حكومة الزيدي انعطافات سياسية حادة، خصوصاً مع تصاعد الخلافات بين الكتل السياسية وإمكانية انتقال تلك الخلافات إلى الشارع، مع وجود قوى وأحزاب لا ترغب بحكومة ذات وصاية أميركية أن تنجح أو تخرج من عباءتها.

عقبات وأزمات أكبر ستواجه هذه الحكومة الجديدة، أولها الرفض والإنكار المبطّن بالرضا والقبول بشرعية هذه الحكومة وما يمكن أن تحدثه من أزمات لعرقلة استمرارها. وثانيها تلك “الفهلوة” التي يتصورها البعض بأن الحكومة يمكن أن تمضي لبعض الوقت لحين انتهاء فترة ترامب، لكن هؤلاء يتناسون أن الوضع قد تغير وأصبحت المنطقة في وضع جيوسياسي جديد، وهو ما غاب عن مخيلتهم.

حكومة الزيدي تشكّلت بقرار أميركي، نعم ذلك ما حصل، لكن الحقيقة أن إيران ما زالت تتحكم بخيوط اللعبة حتى وإن كان عن بُعد. وما فرحة توم باراك واعتقاده بأنه أحسن إدارة الملف العراقي وأبعده عن المحور الإيراني، إلا انحناء مؤقت أمام العاصفة، بانتظار ما ستؤول إليه نتائج المواجهة الأميركية–الإيرانية، وحينها يمكن تقييم الوضع.