هل انتهى عصر النفوذ الإيراني في العراق
يبدو أن قول السياسي البريطاني المشهور ونستون تشرشل: “لا توجد في السياسة صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة” ينطبق على الحالة الراهنة للواقع السياسي في العراق.
شاهد ذلك القول هو التغير المفاجئ في بوصلة السياسة العراقية باتجاه الهرولة لكسب ود الجانب الأميركي ومحاولة إرضائه، بعد أن وصلت إلى قناعة كاملة بأن المحور الإيراني لم يعد بتلك القوة التي كان عليها قبل انهيار أذرعه في سوريا ولبنان، وما يمكن أن يمتد من ذلك الخراب والفوضى إلى العراق.
وبالرغم من محاولات المكابرة والتعنّت التي يبديها هذا الطرف أو ذاك تجاه المحاولات الأميركية لفرض واقع جديد في السياسة العراقية بعيدًا عن التدخل الإيراني في الشأن العراقي الذي ارتهن طيلة أكثر من عشرين عامًا، إلا أن التوجه الأغلب للأحزاب الحاكمة انتبه، بعد ثمالة دامت أكثر من عقدين، إلى أن وضعهم أصبح مهددًا، بعد أن كانت أولى بوادر أسلحة أميركا ضدهم هي تقليل كميات الدولار المرسل إلى العراق، الأمر الذي تسبب بعجز في السيولة النقدية وتأخر توزيع رواتب الموظفين والمتقاعدين.
حديث وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف في منتدى الدوحة 2025 عن أن الجماعات المسلحة التي يُشار إليها بوكلاء إيران في المنطقة لم تُطلق طلقة واحدة دفاعًا عن مصالح إيران في حربها الأخيرة مع إسرائيل التي دامت 12 يومًا، وهي حقيقة لا جدال فيها عندما اعتمدت تلك الفصائل على الشعارات السياسية والتهديدات الكلامية بدل المواجهة المباشرة، يُعد دليلًا دامغًا على أن إيران بدأت تتخلى عن أذرعها في العراق كما تخلّت عن سابقاتها، وآخرهم الحوثي. ويعكس ذلك واقعًا جديدًا في العراق يتمثل في نأي الميليشيات المسلحة عن علاقتها بإيران وفك ارتباطها من أجل مصالحها ومغانمها في السلطة.
تشكيل الحكومة الجديدة سيمر عبر عقبات، أولها أن على العراقيين أن يكون قرارهم بعيدًا عن التبعية، وأن يفكروا بمستقبل بلدهم كما يفكر الآخرون بمستقبل بلدانهم. فهل ذلك من الممكنات؟
يمكن القول بالجزم إن أغلب القوى السياسية التي كانت توالي إيران في السابق وتمتثل لرغباتها أصبحت تتنصّل من التزاماتها وتُخلي مسؤوليتها من أي ارتباط مع الجارة الشرقية التي طالما تحكمت بالملف العراقي وفي تشكيل حكوماته السابقة. وقد يتضح ذلك من خلال التزام الفصائل المسلحة في العراق والقريبة من إيران منذ نحو عام بهدنة “غير معلنة” مع الولايات المتحدة، وهي براغماتية المصالح والمنافع وإن تم تفعيلها متأخرًا.
يمكن القول أيضًا إن الوضع قد تغير في تشكيل الحكومة العراقية القادمة، بعد أن قررت أميركا فصل الملف العراقي عن الإيراني وفق معادلة سياسية عراقية تميل إلى الابتعاد عن النفوذ الإيراني. حتى إن مفهوم “الكتلة الأكبر” الذي كان يعني أن الفائز سيخرج منها باتفاق أطرافها لتشكيل الحكومة القادمة، ربما سيواجه بفيتو أميركي ما لم يتم إعلان البراءة من أي نفوذ إيراني أو قريب منه. لذلك تتناقل الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي وأحاديث السياسيين ونقاشات البرامج الحوارية عن مهمة مارك سافايا، مبعوث الرئيس الأميركي ترامب إلى العراق، لوضع معادلة جديدة في الواقع السياسي العراقي يكون عنوانها بعيدًا عن النفوذ الإيراني وقريبًا من الرغبة الأميركية.
وبالمقابل، من السذاجة القول إن إيران ستتخلى عن نفوذها في العراق بهذه البساطة. فتحذير أبو علي العسكري، المتحدث باسم كتائب حزب الله، القيادات الشيعية من استقبال مارك سافايا أو التعامل معه، يعكس واقعًا للنفوذ الإيراني في الشأن العراقي، ويؤكد أن الإفلات من إيران يحتاج إلى قرارات صعبة.
إنه خيار صعب على العراق أن يتخذه لكي يحفظ مصالحه بعيدًا عن حروب الوكالة.
تشكيل الحكومة الجديدة سيمر عبر عقبات، أولها أن على العراقيين أن يكون قرارهم بعيدًا عن التبعية، وأن يفكروا بمستقبل بلدهم كما يفكر الآخرون بمستقبل بلدانهم. فهل ذلك من الممكنات؟