من سرقة لوحات ميسينا إلى عالم أنطونيلو الفني
أعادت سرقة أعمال أنطونيلو دا ميسينا من المتحف الإقليمي في مدينته، في الخامس عشر من أغسطس 2026، رسامًا من القرن الخامس عشر إلى قلب الخبر الثقافي العالمي. دخل اللصوص المتحف وانتزعوا خمسة ألواح خشبية من «مذبح سان غريغوريو المتعدد الألواح»، الذي أنجزه أنطونيلو سنة 1473.
وخلال الفرار تركوا لوحين، فيما اختفت ثلاثة. كما سُرقت لوحة صغيرة ذات وجهين، تظهر على أحدهما العذراء والطفل مع راهب فرنسيسكاني راكع، وعلى الآخر المسيح في مشهد الرثاء. وبقيت أربعة أعمال مفقودة.
سرقة مزلزلة
لم تكن الخسارة متصلة بثمن الأعمال وحده والتي تم تقديرها بمئة مليون يورو تقريبًا. إنه فقدان مؤلم لأن عمل مذبح سان غريغوريو ظل مرتبطًا بمدينة ميسينا منذ إنجازه، وعبر تاريخ المدينة الطويل، وقد نجا من زلزال سنة 1908.
أما اللوحة الصغيرة ذات الوجهين، التي دخلت ملكية صقلية سنة 2003، فتنتمي إلى عالم أكثر حميمية، ويرجح أنها أعدت للتعبد الفردي. لهذا زلزلت السرقة ذاكرة المدينة نفسها، وأثارت سرعتها ومعرفة اللصوص بمواقع القطع أسئلة عن أمن المتحف وإمكان حصولهم على معلومات سابقة. وظهرت فرضيات عن الجريمة المنظمة، وما تزال التحقيقات مستمرة، كما طُرح احتمال تنفيذ العملية لحساب جامع يعرف مسبقًا ما يريد الحصول عليه.
وراء حادثة السرقة يبرز سؤال أجدر بالاهتمام: ما الذي يجعل أعمال أنطونيلو بهذه القيمة الفنية؟
ولد أنطونيلو دي جيوفاني دأنطونيو في ميسينا نحو سنة 1430، وتوفي فيها سنة 1479. بقيت أجزاء من حياته غامضة بسبب قلة الوثائق، ونعرف أنه أقام في نابولي وظهر في البندقية في مرحلة مهمة من مسيرته. وكانت ميسينا ميناءً مفتوحًا على حركة البشر والبضائع والصور والأفكار، وهذا ساعد على فهم اتساع أفق فنان نشأ بعيدًا عن المراكز الفنية الكبرى في شمال إيطاليا.
استفاد من دقة الرسم الفلمنكي ومن عناية الإيطاليين بالمنظور وبناء المكان، ثم أعاد صهر ذلك كله في لغة تخصه. وأتاح له إتقانه للرسم الزيتي أن يصنع انتقالات دقيقة بين الضوء والظل، وأن يمنح البشرة والقماش والحجر والسماء درجات شديدة الرهافة والشعرية.
ومن أفضل المداخل إلى عالمه دراسة مؤرخ الفن الأميركي كيث كريستيانسن «أنطونيلو دا ميسينا، نحو 1430–1479»، التي نشرها متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك في مارس 2010 ضمن موسوعته لتاريخ الفن. وكان كريستيانسن قد شارك قبلها في إعداد كتاب ومعرض «أنطونيلو دا ميسينا: سيد النهضة الصقلي» سنة 2005، ولذلك جاءت دراسته القصيرة ثمرة معرفة طويلة بأعمال الفنان.
لم يثقل قراءته بالسيرة ولم يجعل مسألة التأثر غايتها، وإنما عمل على أن يدخل إلى اللوحات نفسها ويتأمل عناصرها: الضوء، والوجه، والمكان، والنظرة، والمسافة التي تفصل الشخصية المرسومة عمن يتأملها. ومن هذه القراءة يمكن أن نتوقف عند عشر سمات تكشف جماليات عالم أنطونيلو.
عشرة سمات جمالية
أول سمة جمالية في عالم أنطونيلو هي الصورة مكان للقاء. لم يغلق الفنان لوحته على شخصياتها، الرجال الذين صورهم ينظرون إلينا، والمسيح والعذراء يقتربان من الحافة التي تفصل عالم الصورة عن عالمنا. واستعان أحيانًا بحاجز مرسوم في المقدمة، ووضع فوقه ورقة صغيرة مجعدة مثبتة بالشمع، حتى يبدو الشيء المرسوم قريبًا من الشيء الحقيقي.
وفي بعض الأعمال تقترب اليد من هذه الحافة، فيضعف الإحساس بالفاصل بين الجانبين. لهذا لا نبقى أمام شخصية نتأملها من الخارج؛ نشعر أن وجودنا أصبح جزءًا من الصورة. العين المرسومة ترد النظرة، واليد تتجه نحونا، وتتحول اللوحة من نافذة للمشاهدة إلى مساحة لقاء صامت بين شخصين يفصل بينهما زمن طويل.
ثاني سمة الضوء الذي يصنع الأشياء. فللضوء مكانة مركزية في أعماله. ينتشر فوق الطبيعة أو يدخل من نافذة إلى غرفة، ويتدرج على البشرة والقماش والحجر من غير قسوة. لم يستخدمه لتوضيح الأشكال فقط؛ جعله يبني المكان ويحدد قرب الأشياء وبعدها ويمنحها مزاجها.
وقد سمح له الزيت بتكوين طبقات شفافة وانتقالات ناعمة، حتى يبدو النور كأنه خرج من الأشياء نفسها. في بعض اللوحات يأتي من الأمام، فيما يصل ضوء آخر من نافذة صغيرة وبعيدة، فتتكون أعماق هادئة لا تحتاج إلى حركة كي نشعر بها. ويظل ضوء صقلية حاضرًا في كثير من أعماله: واضحًا، دافئًا، يفتح السماء والبحر والحجر، أو يدخل إلى الغرف فيخفف عتمتها.
بلغ أنطونيلو خصوصية كبيرة في الصورة الشخصية فكان الوجه وما يخفيه سمته الجمالية الثالثة، الوجوه عنده دقيقة، لكن الدقة ليست غايته الأخيرة. عند أطراف بعض الشفاه ابتسامة صغيرة تكاد تظهر ثم تتوقف. عين تنظر بثقة، وأخرى بحذر، ووجه يوحي بالسخرية أو التأمل من دون أن يمنحنا جوابًا. وهنا تبدأ قوة الصورة. فنحن نرى الملامح بوضوح شديد، ومع ذلك يبقى صاحبها عصيًا على القراءة الكاملة.
وقد ارتبط هذا بما سماه إنسانيو القرن الخامس عشر «حركات العقل»، أي الحياة الداخلية التي تظهر آثارها على الوجه من دون أن تنكشف كلها. ترك أنطونيلو للشخصية حق الاحتفاظ بسرها، ولهذا نستطيع العودة إلى الوجه نفسه مرات عديدة ونشعر في كل مرة أن شيئًا بقي وراء النظرة.
رابعا نجد عالما داخل غرفة في "القديس جيروم في حجرته" حيث يجلس القديس قارئًا، لكن العين سرعان ما تبدأ رحلتها حوله. هناك الكتب والأرضية والقوس والنوافذ والطيور والإناء، ثم الطبيعة والسماء في البعيد. نطل على المكان من خلال فتحة معمارية كبيرة، ثم نكتشف فتحات أخرى تقودنا إلى الخارج، فينشأ عالم داخل عالم. الطاووس والحجل والإناء النحاسي لا تضيع وسط التفاصيل؛ لكل شيء مكانه ووزنه. أما جيروم نفسه فلا يهيمن على هذا العالم، وإنما يعيش في انسجام معه.
لقد استطاع أنطونيلو أن يجعل القراءة حدثًا بصريًا، وأن يمنح الصمت مادة، وتحويل غرفة محدودة إلى فضاء واسع تتحرك فيه العين بين الداخل والخارج، والقريب والبعيد، والنور والعتمة.
خامس السمات الهندسة الهادئة، إذ يظهر المنظور عند أنطونيلو من دون استعراض. الأقواس والنوافذ والأرضيات والطرق والتلال تقود العين، وتحدد موضع الإنسان داخل المكان. وفي «القديس جيروم» نجد تناسبًا دقيقًا بين الشخصية والبناء الذي يحتويها، فلا يبدو الإنسان أكبر من عالمه ولا ضائعًا فيه. وفي أعمال أخرى تمتد الخطوط نحو العمق بصورة تكاد لا نشعر بها.
استفاد أنطونيلو من اهتمام الفن الإيطالي بالمنظور والهندسة، لكن ما يهم هو النتيجة التي وصل إليها، أي أنه رسم وفق نظام واضح يخدم هدوء الصورة. لا نشعر أننا أمام تمرين هندسي، لأن الخطوط تختفي داخل الحياة اليومية للمكان. العمارة عنده تمنح الشخصيات موضعًا تعيش فيه، والمنظور يمنح العين طريقًا تسلكه.
سادس السمات الجمالية الألم والعالم الواسع، ويتجسد في لوحة «الصلب» المحفوظة في أنتويرب، إذ تقع المأساة في المقدمة، بينما تمتد وراءها أسوار وقلعة وتلال وخليج بعيد تضيئه الشمس. لم يسمح أنطونيلو للألم بأن يبتلع العالم. الطبيعة تواصل وجودها، والسماء مفتوحة، والأرض تمتد إلى ما وراء الشخصيات. ومن هنا نشأت مفارقة مؤثرة؛ الإنسان يتألم، بينما يبقى العالم واسعًا وجميلًا.
وتقودنا خطوط الأرض وتدرجات الضوء من الجسد القريب إلى الأفق، فتتغير نظرتنا إلى المأساة نفسها. لم تعد الطبيعة خلفية يمكن حذفها من دون خسارة، فقد أصبحت جزءًا من معنى اللوحة. إنها صامتة أمام الألم، لكنها تمنحه اتساعًا ويصبح البعيد المضيء مقابلاً للجسد المعذب في المقدمة.
نجد سابعا المأساة وسط الحياة، وتتجسد مع القديس سباستيان الذي يقف وجسده مخترق بالسهام، فيما تستمر المدينة خلفه في يومها العادي. قصور وساحة وشخصيات بثياب أنيقة وجندي وضع سلاحه ونام. لا يشارك الجميع ألم الشاب، وهذه اللامبالاة تمنح اللوحة قسوتها الهادئة.
لم يحتج أنطونيلو إلى حشد مذعور أو حركات عنيفة. ترك الجسد منتصبًا، وترك الحياة تسير حوله. ويعمق المنظور المسافة وراء القديس، بينما يثبت جسده في مقدمة المشهد. نفهم من ذلك أن المأساة تنشأ من التناقض بين الألم الفردي وهدوء العالم. وفي هذه الصورة يطرح الفنان، من غير خطاب، سؤالًا شديد الإنسانية: كيف يستطيع يوم عادي أن يستمر بينما يقع الألم أمام أعين الناس؟
ثامنا المسيح المتألم وجهًا لوجه، ففي صور «رجل الآلام» اقترب أنطونيلو من المسيح حتى ضاقت المسافة بين الجسد وعين المشاهد. اختفت الحاجة إلى الحشود والمشهد الواسع، وصار الوجه والجراح والنظرة هي الحدث. الحاجز المرسوم يفصل بين عالمين، لكنه يؤكد قربهما في الوقت نفسه. وقد تقترب اليد أو الجسد من الحافة. إن الألم عنده لا يحتاج إلى الإفراط في الدم أو تشويه الجسد كليًا. نرى الوجه المتعب، والعين، والضوء، وأثر الجرح. بهذه البساطة نقل المشهد من رواية دينية بعيدة إلى مواجهة شخصية. المتلقي لا يسمع حكاية الألم؛ يراه أمامه، قريبًا وصامتًا.
تاسعا نجد سمة العذراء الأم داخل الصورة المقدسة، ففي صور العذراء حافظ أنطونيلو على المقام الديني، لكنه منح المرأة والأم حضورًا محسوسًا إنسانيًا دون نفي القداسة. النظرة واليد وقرب الطفل منها تفتح طريقًا إلى عاطفة بسيطة ولم يذهب إلى المبالغة.
وفي اللوحات الصغيرة يزداد هذا القرب، لأن حجم العمل نفسه يدعو إلى التأمل من مسافة قصيرة. العذراء ليست بعيدة في فضاء احتفالي ضخم؛ يمكن أن تقترب يدها من حافة الصورة وتتجه نظرتها نحو من يقف أمامها. هنا يلتقي المقدس بالإنساني من غير أن يفقد أي منهما مكانه. تكفي أم تحمل طفلًا، ويد تتحرك، ونظرة هادئة، وضوء رقيق كي يمنح أنطونيلو المشهد قوة لا تحتاج إلى ازدحام الرموز.
أما السمة الجمالية العاشرة في عالم أنطونيلو فهي أن اللوحة حضور. تجتمع هذه العناصر في فكرة واحدة، وكأن أنطونيلو أراد للصورة أن تكون حاضرة أمامنا. الوجه يرد النظرة، والمكان يفتح لنا طريقًا إلى داخله، والضوء يمنح الأشياء وزنها، والتفاصيل الصغيرة تقنع العين بأن العالم المرسوم قابل للمس. لكنه لم يتوقف عند خداع البصر.
كان يبحث عن شيء أصعب، حيث نشعر بحضور الخوف والسكينة والألم والتردد وما تخفيه ابتسامة لم تكتمل. لهذا بقيت وجوهه حية بعد أكثر من خمسة قرون. وربما تمنح حادثة السرقة للوحات في ميسينا هذه الفكرة معنى مؤلمًا اليوم، إن القيمة العظمى للأعمال كونها أصلًا من قدرة رسام أمضى حياته يضع شيئًا من الحياة داخل الخشب واللون والضوء، وتركه للإنسانية لتقف أمامه.