لينا أسامة تستعيد الذاكرة المصرية بعيون معاصرة


تجربة تشكيلية تعيد تركيب الإنسان والرمز والموروث في فضاء تتجاور فيه الواقعية والغرائبية والذاكرة والمخيلة
الأربعاء 2026/09/23
الفن يقظة الرمز في ذاكرة اللون

يتميز الفنانون الذين يرسمون ما بقي في الذاكرة بعد التأمل في الحضارة والإنسانية والواقع المعاصر، بامتلاك عين حساسة وذهنية يقظة تقع على الحاضر وتقيم التماس الجمالي مع الماضي والعكس، وبين الأمرين مسافة شاسعة هي، في جوهرها، المسافة بين تمثيل الواقع وإعادة ابتكار تفاصيله وتحليله بحثًا عن الأمل، هذه التفاصيل هي الأثر الإبداعي الملموس في حواس المتلقي، في ذهنه واندفاعه نحو التأمل.

في هذه المسافة تظهر تجربة التشكيلية المصرية لينا أسامة، اكتشفتُ أعمالها من خلال مجموعة التشكيلي العراقي المقيم في النمسا فائق رسول، هذه المجموعة التي تبوح كل مرة باسم فنان يخرج من تفاصيل الابتكار بتفرّد يلغي المسافات وحدود التوقع الذاتي نحو كل التأملات في الأعمال التي خلقت في ذهني تصوراتها التي تحاكي الذاكرة والتاريخ بعناصر ملونة ومبسطة وعميقة.

لا تستعيد أسامة العالم الشعبي المصري في مشاهد فولكلورية جاهزة، ولا تتعامل مع الذاكرة كمتحف صور قديمة من الحضارة المصرية الغارقة في التاريخ، وإنما تحفر في رؤاها العميقة لتعيد تركيب الإنسان والمكان والعلامة والحكاية داخل فضاء تشكيلي معاصر تتجاور فيه الواقعية مع الغرائبية، والمألوف مع السحري، والذاكرة الفردية مع المخزون البصري لروح التشكيل المصري وعلاماته وألوانه التي تميّزه وتطبع في ذاكرة المتلقي بصمته.

تبدو مصر في أعمالها أكثر من حضور بالمعنى التقليدي، لأنها حولتها إلى مادة تخييلية ومفاهيم اندماجية رتّبت الترسبات والتساؤلات والتأمل الداخلي الذاتي والجماعي في مفاهيمها لتخلق بصمة متفرّدة سافرت بها خارج حدود الجغرافيا نحو عوالم التميّز التي من خلالها اشتغلت على المعروف الذي لم يعد مألوفًا.

معروف لم يعد مألوفًا

في تجربة لينا أسامة، تحضر العناصر البصرية كانعكاس جمالي عميق في محاوراتها لتاريخ ثري التأملات وأيقونات أسّست لمعنى الحياة والخصوبة واستمرارية العطاء، مثّلتها في الأنثى وقيمتها الفنية والجمالية والمعنوية، فلم تحضر إيزيس وحتحور كأيقونتين مستعادَتين من جدار المعبد، بل كأثرٍ بصري خرج من الذاكرة ليحاكي الحاضر مجددًا، في مجاز الآلهة القديمة، حيث لم تحضر كشخصية مكتملة الملامح والقدرات، بل حضرت في اللوحة كحالة من حالات الوجود، جسدًا يتشكل بين الحضور والغياب، ووجهًا يتردد بين الإنساني والمقدس، وصورة معلّقة في المسافة بين الأسطورة والذات.

ومن هذا المنظور، تبدو إيزيس في أعمال الفنانة لينا أسامة مثل استعارة للقدرة على الترميم واستعادة ما تفتت، بينما تنفتح حتحور على فضاء أكثر حسية، حيث الجسد والجمال والخصوبة والموسيقى تتحول إلى طاقات تشكيلية تعطي رموز اللوحة والحضور وقعها وإيقاعها.

إن استدعاء هاتين الأيقونتين لا يقوم على الحنين إلى ماضٍ متحفي، بل تبلور في حرفية تشكيلية استوعبتها الألوان والخطوط والمساحة والشكل.

تفكك الفنانة الزمن وتعيد تركيبه، لأن الماضي عندها ليس زمنًا منقضيًا، بل ذاكرة حيّة تتسلل إلى الصورة وتعيد إنتاج دلالاتها، ليصبح العمل التشكيلي أشبه بفضاء عبور، تتجاور فيه العلامة الفرعونية مع الحساسية المعاصرة، ويتحول الرمز من معناه العقائدي إلى سؤال مفتوح عن المرأة والهوية والجسد والذاكرة والوجود.

تكمن قوة التجربة عند لينا تحديدًا في هذه المنطقة الملتبسة التي لا تفصل المقدس عن الإنساني، ولا الماضي عن الحاضر، بل تجعل الصورة المصرية القديمة قابلة لأن تُرى مرة أخرى بعين معاصرة، عين مفكّرة لا تبحث عن استعادة الأصل، وإنما عن إمكانية أن يولد من الأصل معنى جديد.

هذا ما تؤكده الفنانة المطّلعة على التجارب الفنية العالمية وعلى التاريخ الثري والفني في الحضارة المصرية القديمة، فهي تشتغل عليه وتتواصل من خلاله مع المتلقي في كل مكان في العالم، وتلك الخصوصية المصرية هي التي تحمي بصمتها من التشتت بين المدارس الفنية وتؤسس تجربتها، وهي التي خلقت تماسًا في التواصل الفني بينها وبين فائق رسول على معنى الأثر والبصمات والهوية والجذور في مجموعة اللوحات التي اقتناها.

 تؤمن أسامة كما تقول بأن: "رؤية الفنان عند الاقتناء تختلف، عن أي كان، لأن المقتنى والقيم الفني الذي يكون فنانًا حقيقيًا ينجذب إلى الأعمال التي تخلق حوارًا بناءً وجسرًا وجدانيًا مع فنه هو شخصيًا وتجربته، وكل هذا يجعله يحيط نفسه بأعمال فنية تعكس شخصيته الفنية وثقافته الشخصية، فاللوحة لها طبيعة وتاريخ خاص وأثر وحضور وحوار جمالي مع الفنان والآخر، فنانًا ومهتمًا وباحثًا أو متلقيًا شغوفًا بالتجارب الإنسانية."

تأخذنا لينا أسامة إلى عناصر تبدو للوهلة الأولى قريبة من الحياة اليومية، ثم تدفع بها خطوة واحدة خارج منطقها الواقعي، فتتداخل بينها وبين خصائصها، أحجامها، أشكالها وألوانها، وعند هذه النقطة يبدأ السحر. لا يختفي الواقع، لكنه يفقد صلابته، ويتحول إلى واقع قابل لأن يكون حلمًا نعلمه، نألفه، لكننا نحلم به.

في الأعمال الإنسان موجود، والمكان موجود، والملابس والعلامات الشعبية موجودة، لكن العلاقات التي تجمع بينها تجعل المشهد يتجاوز النقل المباشر إلى ما يمكن تسميته واقعية غرائبية تعبيرية معاصرة، تستمد غرابتها لا من اختراع عالم بعيد عن الواقع، بل من إعادة النظر إلى الواقع نفسه بعين الذاكرة والمخيلة والحكايات المتنوعة.

لا تستحضر لينا أسامة الموروث الشعبي لكي تزين به اللوحة، تستخرج منه ما يجعله قابلًا للحياة داخل الحساسية المعاصرة، تنتشل به القلق اليومي لتثبّت الحضور الأساسي للحياة.

فلا تتحول الزخرفة إلى دلالة، والزي الشعبي إلى هوية، والعلامة إلى ذاكرة، واللون إلى حامل ثقافي فقط، بل إلى قيمة جمالية منفردة، خاصة وأنها تشتغل في لوحاتها على مراحل تربط الأساس بالامتلاء وترتب المساحات وفق جمالياتها المشتهاة.

الرمز والدلالة سفر غرائبي لواقع معاش

تقترب تجربة لينا أسامة من السؤال الذي طرحته السيميائيات الحديثة حول الطريقة التي تتحول بها الأشياء اليومية إلى علامات ثقافية، لكن ما يهم في تجربة لينا أسامة ليس أن نضع أعمالها تحت عنوان "السيمياء"، بقدر ما يهمنا أن ندرك كيف تعمل العلامة داخل عالمها، فالرمز الشعبي لا يأتي إليها محملًا بمعنى ثابت ونهائي، إنه يدخل اللوحة ثم يعاد تأويله ضمن شبكة جديدة من العلاقات، ما كان في الحياة علامة على الانتماء أو الطقس أو الذاكرة، يصبح في اللوحة جزءًا من خطاب أوسع عن الإنسان والزمن والهوية.

فالأسطورة، في معناها السيميولوجي، ليست الحكاية الخرافية فحسب، وإنما الطريقة التي تتحول بها الأشياء الثقافية إلى صور تبدو طبيعية، مستقرة، ومكتفية بذاتها، وما تفعله لينا أسامة هو أنها تعيد فتح هذه الصور، تكشف ما وراءها، وتعيدها من حالة العلامة المستقرة إلى حالة الاحتمال.

الذاكرة في تجربتها ليست رجوعًا حنينيًا إلى زمن أجمل، كما قد توحي القراءة السطحية للأعمال التي تستعير مفرداتها من الموروث، إنها ذاكرة حيّة، قلقة، قابلة للتحوير، للتأمل، ولذلك تأتي الشخصيات في أعمالها محملة بشيء يتجاوز حضورها الجسدي، إنها تبدو كأنها تحتوي أجيالًا من الصور، وأنماطًا من الحياة، وطبقات من المخيلة الشعبية، الإنسان عندها ليس فردًا معزولًا عن بيئته، بل كائن ذاكرته مرئية.

وهذا ما يمنح حضور الشخصيات في عالمها التشكيلي كثافته، فالإنسان لا يحتل اللوحة لكي يؤدي دورًا حكائيًا، وإنما لأنه نقطة التقاء بين الفرد والجماعة، بين الحاضر والماضي، بين الواقع والأسطورة.

إنه الإنسان الشعبي الذي لم يُرَ مثل كائن إثنوغرافي، بل حامل لثقافة متكاملة، ثقافة تظهر في طريقة الوقوف، وفي الهيئة، وفي العلاقة بالآخر، وفي اللون، وفي التفاصيل الصغيرة التي تجعل الشخصية تنتمي إلى عالم محدد دون أن تنغلق داخله.

لينا أسامة
فنانة لا تفصل المقدس عن الإنساني

إنها لا تحتاج إلى أن تخلق وحوشًا أو عوالم مستحيلة كي تنتج الغرابة، يكفي أن تعيد ترتيب العناصر الواقعية بطريقة تجعل المألوف يفقد استقراره، وهذا جوهر مهم في أعمالها، فهي انعكاس شخصيتها الأليفة وانطلاقها المشرق بالأمل، وإرادتها أن يصبح العالم الذي نعرفه أقل توترًا مما اعتدنا.

اللون مفتاح التحول

اللون لدى لينا أسامة لا يعمل كطلاء للموضوع، إنه قوة تعيد صياغته، اندماجه، دوره، تماسكها وانفلاته، إنه لا يملأ المساحة، بل يحدد مناخها النفسي والثقافي، ومن خلال الجرأة اللونية التي تمنح السطح كثافته، يتحول اللون إلى لغة مستقلة تتحدث بالتوازي مع الشخصيات والعناصر.

لكن قيمة اللون لا تكمن في سطوعه وحده، بل يحمل وظيفته في بناء الذاكرة بين التاريخ والجغرافيا، بين المكان وملامحه، بين الأنثى في الصورة والأنثى في معنى الاستمرار.

فهناك ألوان نعرفها قبل أن نفكر فيها، ألوان ارتبطت في وعينا بالمناسبات الشعبية، بالبيوت، بالأقمشة، بالأسواق، بالاحتفالات، وبالصور التي تراكمت في المخيلة المصرية عبر أجيال، حين تستدعيها لينا أسامة وتوظّفها وهي تحفر اللوحة وتعدّها لاستقبال المفاهيم، فإنها لا تستعيد اللون منفصلًا عن ذاكرته، بل تستعيد معه ما يحيط به من إحساس ثقافي.

تتداخل الرؤى والأحلام والتصورات والتأملات مع الواقع والحنين في تجريب لينا أسامة وتحمل تفاصيلها من خلال إنجاز اللوحة، فهي تضع الأسس الأولى في تشكيلاتها لتبدأ بالحفر والتحضير للسطح، ثم تملأ المساحات وفق المفاهيم والمواضيع من خلال اعتماد الألوان الزيتية وتكثيف الحنين في فكرة العتاقة في الأشكال والألوان والأقمشة والمفارش، كل ذلك يتحكم في العناصر التي تخلق تآلفًا بين الفنانة والمتلقي وبين العناصر التي تكوّن لوحتها وتحاكيها.