لماذا يمكن أن نراهن على اتفاق ترامب رغم كل شيء؟
في كل مرة يعلن فيها رئيس أميركي عن خطوة جريئة في ملف الشرق الأوسط، لا تلبث أن تنهض نخبة سياسية عريضة تمتد من واشنطن إلى بيروت مروراً بالعواصم الأوروبية والخليجية لتطلق سيلاً من التحليلات التشاؤمية التي تسبق الحدث وتسبق أي فرصة لإنجازه. المشهد هذه المرة لا يختلف مع إعلان التوصل إلى اتفاق لنزع سلاح حماس، وقد غصت مختلف القنوات العربية والدولية بموائد الحوار التي كانت في مجملها تراهن على الفشل قبل النظر حتى في إمكانية التنفيذ. ولكن ما لفتني أن من تصدّر التحذيرات هذه المرة المحلل المخضرم آرون ديفيد ميلر، الذي عمل مستشاراً لشؤون المفاوضات العربية الإسرائيلية لأكثر من عشرين عاماً، وانضمّت إليه أصداء عربية ودولية تردد ذات النغمة: “المستحيل، التعقيد، الفشل المقدّر”.
لكن السؤال الفلسطيني المحض يفرض نفسه بإلحاح: لماذا هذا التشكيك الممنهج؟ ولماذا ترفض بعض النخب العربية والدولية الاعتراف بأن هذه الخطة برغم كل مساوئها تحمل في طياتها ما لم تحمله أي مبادرة سابقة، وتضع الفلسطينيين على أول طريق حقيقي للخروج من المأزق الذي أوصلتهم إليه حماس ومحور إيران؟ ولماذا يصرّ هؤلاء على الحكم على الشخص وليس المضمون، بينما نحن كفلسطينيين لنا أولويات أخرى؟
من وجهة نظري أصبح هناك ظاهرة يمكن أن نطلق عليها “خبراء الفشل” هذه الظاهرة التي تتجاهلها وسائل الإعلام حين تستضيف وجوهاً مثل ميلر أو غيره، هي أن هؤلاء المحللين كانوا في معظمهم جزءاً من المنظومة التي وقفت عاجزة أمام تعقيدات الصراع لعقود. هم أنفسهم الذين شهدوا انهيار مفاوضات كامب ديفيد، وفشل خرائط الطريق، وصولاً إلى جمود العملية السلمية. لكن بدلاً من أن يمنحهم هذا الفشل التاريخي تواضعاً تحليلياً، يتحولون إلى حكماء متشائمين يرون في كل محاولة جديدة تكراراً للإخفاقات القديمة.
إذ يستحضر ميلر في برنامج “Morning Edition”الذي أجرته ليلى فاضل معه يوم 31 يوليو 2026، على سبيل المثال، تجربة اتفاق الجمعة العظيمة في أيرلندا الشمالية، الذي استغرق نزع السلاح فيه سبع سنوات، وكأن هذا دليل على أن أي اتفاق مع حماس سيفشل حتماً. لكن القراءة المتأنية تكشف العكس تماماً: فاتفاق الجمعة العظيمة، رغم بطئه وتعقيداته، نجح في النهاية في بناء سلام مستدام. فبدلاً من أن يُستدعى هذا النموذج كتذكير بأن نزع السلاح الجماعي ممكن عبر الزمن، يُستدعى كشبح للتخويف، وكأن المطلوب من الإدارة الأمريكية هو تحقيق معجزة فورية بين ليلة وضحاها، وإلا فإن الجهد برمته يُعتبر مهزلة.
أما عندما يتحدث ميلر عن تعقيدات تفكيك أنفاق حماس وصعوبة إشراف لجنة إدارية لم تدخل غزة بعد، فإنه يتجاهل أن هذه العقبات كانت معروفة منذ اليوم الأول لفريق التفاوض، وأن الوصول إلى مذكرة من 15 بنداً يعني حكماً وجود تسوية ضمنية لجزء كبير من هذه الإشكاليات. الأهم أن ميلر يغفل الإنجازات غير المباشرة التي تحققت فعلاً: جلوس حماس على طاولة مناقشة نزع السلاح وهو ما كانت ترفضه قطعياً، والتزام الحكومة الإسرائيلية بالصمت الرسمي بدلاً من الرفض، وانخراط أطراف إقليمية بضغط مكثف لم يسبق له مثيل.
أما النخب السياسية العربية، فقد تعودت قراءة الملف الفلسطيني عبر عدسات أيديولوجية جامدة، تنظر إلى أي تحرك أميركي بعين الريبة الدائمة. بالنسبة لهذه النخب، الرئيس ترامب هو “الرجل السيئ” الذي لا يمكن أن يأتي بخير، بغض النظر عن تفاصيل الاتفاق أو مضمونه. هذا الموقف الأخلاقي المُعلب، رغم أنه قد يكون مرضياً للمشاعر، إلا أنه معطل تماماً لأي حل عملي، ويُبقي الفلسطينيين في دائرة الجمود التي استفاد منها محور إيران على حساب دماء أبناء غزة.
النخب السياسية والإعلامية اعتادت التشكيك المسبق لكنها تتجاهل أن خطة نزع سلاح حماس تحمل لأول مرة اعترافًا بحق تقرير المصير ودعمًا عربيًا ودوليًا واضحًا
أما النخب الدولية الأوروبية غيرها، فهي أسيرة لنماذجها الدبلوماسية البطيئة التي لم تنجح في أي وقت مضى في كسر جمود الصراع. هم يفضلون إدارة الأزمات على حلها، لأن بقاء المنطقة في حالة اضطراب خفيف يخدم مصالحهم الإستراتيجية ويُبقي الباب مفتوحاً أمام دورهم كوسيط تقليدي. لذا فهم ينظرون إلى أي تحرك سريع وجريء على أنه “تهور” وليس “قيادة”.
النتيجة أن نخب عربية ودولية تتحد، لأسباب مختلفة تماماً، في رفضها لأي جهد غير تقليدي، وكأن الفشل هو المصير المحتوم، وكأن لا خلاص إلا بالانتظار حتى يأتي “الرجل المناسب” و”الظروف المثالية” -وهو ما لن يحدث أبداً في صراع معقّد كهذا. أريد أن أرجع قليلاً إلى الوراء ففي 29 سبتمبر 2025، كشف البيت الأبيض عن خطة شاملة من 20 بنداً تهدف إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة ورسم ملامح مستقبله. لم تكن هذه الخطة مجرد ترتيبات أمنية أو إنسانية عابرة، بل حملت في بنودها الأخيرة، وتحديداً البندين 19 و20 ما يغيّر قواعد اللعبة برمتها.
البند 19 يتحدث بصراحة عن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإقامة دولة، وهو ما وُصف بأنه “طموح للشعب الفلسطيني”. وهذا ليس مجرد شعار، بل اعتراف أمريكي رسمي ولأول مرة بهذه الصراحة بأن الدولة الفلسطينية هي الهدف النهائي.
أما البند 20 فيطلق حواراً بين إسرائيل والفلسطينيين للتوصل إلى أفق سياسي يضمن تعايش مزدهراً. وهذا الحوار، كما تؤكد الخطة، سيكون تحت رعاية أمريكية وبمشاركة دولية، مما يمنح الفلسطينيين طاولة مفاوضات شرعية لم يمتلكوها بهذا الوضوح من قبل.
كما أن الجانب الجوهري الآخر الذي تغفل عنه النخب المتشككة هو أن الخطة تنص بوضوح على عودة السلطة الفلسطينية لحكم غزة، مما يعيد توحيد الجغرافيا والنظام السياسي الفلسطيني الذي رسّخ الانقسام منذ انقلاب حماس عام 2007. وأعتقد أن هذا البند وحده كافٍ لاعتبار الخطة نقلة نوعية. فمنذ أكثر من عقدين، نعاني نحن الفلسطينيون من انقسام سياسي وجغرافي دمّر مؤسساتنا وأضعف قضيتنا. وأن حماس، بخياراتها الإستراتيجية وتوجهاتها الإقليمية، أوصلت غزة إلى خراب غير مسبوق ووضعت قضيتنا في مشاريع إيران الإقليمية التي لا تخدم الشعب الفلسطيني أولاً وأخيراً. أما هذه الخطة فتعيد الأمور إلى نصابها: سلطة فلسطينية واحدة، جغرافية موحدة، ونظام سياسي متكامل يمهد الطريق لدولة قابلة للحياة.
وقد سارعت السعودية بالترحيب رسمياً بإعلان الرئيس ترامب عن الاتفاق التاريخي. وأكدت وزارة الخارجية السعودية على “أهمية الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار، واستمرار توصيل المساعدات الإنسانية ودعم إعادة الإعمار”، والأكثر دلالة هو أن البيان السعودي شدد على أن نجاح تنفيذ اتفاق السلام الشامل يقوم على عودة السلطة الفلسطينية لحكم غزة والحفاظ على وحدة الأراضي. هذا التأكيد السعودي، والذي يمثل ثقلاً إقليمياً لا يمكن تجاهله، يضع النخب المتشككة أمام حقيقة واضحة: الخطة تحظى بدعم عربي رسمي، وتُقرأ في الرياض كفرصة حقيقية وليس كمناورة سياسية.
وفي 17 نوفمبر 2025، اتخذت الخطة خطوة أخرى نحو الشرعية الدولية، عندما أقر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2803 الذي يدعم خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة. القرار رحّب بالخطة المكونة من 20 نقطة، وأجاز إنشاء قوة دولية لإرساء الاستقرار تتولى عملية نزع السلاح. والأهم أن القرار “يرسم مساراً محتملاً لتقرير المصير الفلسطيني”، ويؤكد أن الخطة تقدم “مساراً قابلاً للتطبيق نحو السلام والاستقرار ليس فقط بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل للمنطقة بأكملها”. هذا الإجماع الدولي يجعل الخطة أكثر من مجرد مبادرة رئاسية بل ترقى لإطار دولي ملزم، إذا ما أحسن تطبيقها.
الخطة تمنح الفلسطينيين فرصة لإعادة السلطة إلى غزة وتوحيد النظام السياسي بينما يصرّ “خبراء الفشل” على رؤية المستحيل بدلًا من قراءة إمكانات التغيير
وهذا يدعوني إلى الاعتقاد أن النقطة الجوهرية التي تتجاهلها النخب المتشككة عمداً تكمن، في أن الرئيس ترامب يملك أدوات ضغط على إسرائيل لم يمتلكها أي رئيس أميركي من قبله. حيث أن العلاقة الشخصية غير المسبوقة، فترامب ليس مجرد حليف سياسي لإسرائيل، بل هو حليف شخصي وثيق الصلة بقيادة اليمين الإسرائيلي الحالية. هذه العلاقة تتيح له أن يقول لنتنياهو ما لا يستطيع رئيس آخر أن يقوله، وأن يهدد بما لا يستطيع بايدن أو أوباما تهديده به. كذلك سلاح التطبيع كرافعة ضغط، فترامب هو مهندس اتفاقيات إبراهيم، وهو يعرف أن إنجاز تطبيع سعودي-إسرائيلي هو الهدف الأكبر لإسرائيل حالياً. هذه الورقة في يده تمنحه نفوذاً هائلاً لإجبار إسرائيل على تقديم تنازلات ملموسة في الملف الفلسطيني مقابل هذا الحلم الاستراتيجي، وأخيراً عدم تقيّده بالبروتوكول الدبلوماسي يجعله لا يخاف من حرق الأوراق أو توجيه نقد علني لإسرائيل عندما يرى ذلك مناسباً. وعليه فهو رئيس يضع “الصفقة” فوق “العلاقات”، وهذا يجعله قادراً على ممارسة ضغط حقيقي وفعّال، وليس مجرد بيانات دبلوماسية مهذبة.
هنا يأتي دوري كفلسطيني، لأقولها بوضوح، بأنه لا يعنيني إذا كان ترامب سيئاً أم جيداً، ديمقراطياً أم جمهورياً، محبوباً أم مكروهاً. ما يعنيني حقيقةً هو: ماذا يمكن أن يقدّم في الملف الفلسطيني لنخرج من المأزق العميق الذي وضعتنا فيه حماس ومحور إيران؟ فالنخب التي تتحدث عن المستحيل هي نفسها التي كانت تتنبأ بفشل اتفاقيات أوسلو، ثم فشلت هي في تقديم بديل، ثم انتهى بها المطاف إلى ما نحن فيه اليوم. النخب التي ترفض الاعتراف بأن خطة من 20 بنداً تحمل في طياتها اعترافاً بحق تقرير المصير، وعودة للسلطة الفلسطينية، ودعماً عربياً ودولياً وقراراً من مجلس الأمن، هي نخب أسيرة لأيديولوجياتها الجامدة أكثر مما هي معنية بمصلحة الفلسطينيين.
قد يكون آرون ديفيد ميلر وأمثاله محقين في جزء من تحذيراتهم التقنية. نعم، تفكيك الأنفاق صعب، وإيجاد جهة إشراف مقبولة صعب، وبناء الثقة أصعب. وكذلك فلسفة حماس التسويقية أن هذا تخزين وليس تسليم (كما لو أن التخزين السلاح لا يلزمه أحد لاستلامه بل تأتي بعد مرحلة التسليم)، لكن التاريخ لا يُصنع بالسهل، ولا يُصنع بيقين الفشل. التاريخ يُصنع برجال وجرأة وإرادة، وبفتح أبواب كانت موصدة.
والخلاصة هي أننا يجب أن نحكم على النتائج لا على النوايا، وأنا كفلسطيني، لن أحكم على ترامب بأنه سيئ أو جيد، ولن أنتظر منه أن يحبني أو يحب قضيتي. سأحكم على ما سيقدمه فعلياً على الأرض. إذا نجح في انتزاع انسحاب إسرائيلي مقابل نزع سلاح حماس، وإذا نجح في إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة وتوحيد النظام السياسي، وإذا نجح في ترجمة البندين 19 و20 من خطته إلى دولة فلسطينية قابلة للحياة، فسيكون قد قدّم للفلسطينيين أكثر مما قدّمه كل الرؤساء السابقين مجتمعين، وأي شخص أخر في العالم رغم كل الانتقادات الموجّهة له.
وأخيراً أنا لا أنقاش هنا خطة نزع سلاح حماس بشكل مفصل من حيث أنها ناجحة أو فاشلة، فالكل يعرف أن هذا الأمر يوجب علينا الانتظار لنرى كيف سيبدأ التنفيذ وما هي التعقيدات التي سترافق ذلك للحكم عليها بشكل صحيح ولكن أناقش المبدأ ذاته، لأن النخب العربية والدولية مدعوة اليوم لمراجعة مواقفها الجامدة، وأن تسأل نفسها سؤالاً واحداً بصدق: هل التشكيك في هذا المسار يخدم الشعب الفلسطيني، أم يخدم فقط أجنداتنا الأيديولوجية ومخاوفنا من التغيير؟ الجواب واضح لمن يريد أن يرى.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظري الشخصية ولا يعبر بأي حال عن وجهة نظر رسمية.