"كازابلانكا / دكار".. حين تروض عدسة المخرج هشاشة الورق
هل يمكن للكاميرا أن تمنح الروح لسيناريو غير متماسك؟ في فيلمه الجديد "كازابلانكا / دكار"، يخوض المخرج المغربي المخضرم أحمد بولان تحديا سينمائيا من نوع خاص، حيث يواجه فكرة درامية هشة تدور حول تداعيات زمن كورونا، محاولا إنقاذها بخبرة السنين وحرفة الإخراج. وبينما تبدو الرحلة من السنغال إلى المغرب مكشوفة النهايات منذ دقائقها الأولى، يبرز السؤال الجوهري: كيف استطاع بولان تحويل التبسيط الدرامي إلى تجربة بصرية متماسكة؟ وهل نجح أداء أنس الباز في سد الثغرات التي تركها السيناريو عارية أمام عين الناقد؟
عرض المخرج المغربي أحمد بولان فيلمه الجديد “كازابلانكا / دكار” بسينما الريف بالدار البيضاء، في أول خروج له في القاعات السينمائية، مستعيدا من خلاله زمن جائحة كورونا وما رافقه من قيود على التنقل والعلاقات الإنسانية، بينما يختار العمل تتبع رحلة مهندس معماري من دكار إلى الدار البيضاء في ظرف استثنائي، محاولاً الجمع بين البعد الإنساني والبعد الرمزي للجائحة، غير أن هذا الاختيار يفتح باباً واسعاً للنقاش النقدي حول متانة الفكرة وحدودها السينمائية.
يمتد الفيلم حوالي 90 دقيقة، ويؤدي بطولته كل من أنس الباز إلى جانب زينب الأندلسي. تنكشف هشاشة فكرة السيناريو في فيلم “كازابلانكا / دكار” منذ الدقائق الأولى، إذ يدرك المتفرج باكراً المسار الذي ستؤول إليه الأحداث، ويكاد يستنتج النهاية قبل بلوغ منتصف الفيلم. حينها يقوم البناء الدرامي على هدف واحد واضح ومباشر، هو وصول البطل إلى زوجته قبل الولادة، دون أن تحيط به تحولات كبرى أو مفاجآت سردية حقيقية. وهذا التبسيط المفرط للفكرة يجعل الفيلم يفقد عنصر الترقب، ويحوّل الرحلة إلى مسار متوقع أكثر من كونها تجربة مفتوحة على الاحتمالات، وهنا لا يخدم زمن الجائحة إلا كذريعة سردية، لا كرافعة درامية عميقة.
يضع الفيلم نفسه ضمن نوع سينمائي تم استهلاكه بكثرة، سواء في السينما العالمية أو العربية، وهو سينما الرحلة المرتبطة بالحدود، والهجرة، والقيود السياسية أو الصحية. وسبق للسينما أن تناولت موضوع التنقل القسري والعبور غير القانوني في سياقات أكثر تعقيداً وغنىً على مستوى الصراع، بينما لا يطرح سيناريو فيلم “كازابلانكا / دكار” إضافة نوعية على مستوى الفكرة، بقدر ما يعيد تدوير ثيمات مألوفة، وهذا يجعل الإحساس بالجِدّة محدوداً منذ البداية.
◄ كازابلانكا دكار ورحلة الانتظار
ويُحسب للمخرج والممثل أحمد بولان وعيه المهني بحدود نصه، وقدرته على الاشتغال عليه سينمائياً لتفادي السقوط في الرتابة، لأن المخرج لا يترك الفيلم ينهار تحت وطأة بساطة السيناريو، وإنما يعوّض ذلك بحرفة إخراجية واضحة، سواء في إدارة الإيقاع أو في التحكم في الفضاءات المفتوحة، إذ تظهر تجربة بولان الطويلة في التعامل مع النصوص الصعبة أو الناقصة، وتحويلها إلى مادة قابلة للمشاهدة.
ويبرز ذكاء الفيلم أساسا في طريقة اشتغاله على البنية الثلاثية: البداية، المنتصف، والنهاية، حينما يحرص المخرج على خلق توازن شكلي يمنع الانكسار الكامل للإيقاع. لأنه لا يعتمد على التصعيد الدرامي التقليدي، وإنما على تراكم الإحساس بالضغط النفسي، ولو أن هذا التراكم لا يبلغ دائماً مستوى الإقناع، لكن يظل هناك وعي واضح بكيفية الانتقال بين المحطات السردية دون فوضى أو تشويش بصري.
ويشكل أداء أنس الباز أحد أهم عناصر قوة الفيلم، كونه العمود الفقري الذي يستند إليه العمل بأكمله، إذ ينجح الباز في منح الشخصية حضوراً إنسانياً مقنعاً، ويُحمّل جسده ونبرته توتر الرحلة وقلق الانتظار والخوف من الفشل، وهذا الأداء المتماسك يخلق تعاطفاً حقيقياً مع الشخصية، ويمنح الفيلم جرعة من الصدق افتقدها السيناريو على مستوى البناء.
وتُبرز عقدة فيلم “كازابلانكا / دكار” محدوديتها منذ لحظة تشكّلها الأولى، إذ لا تنجح في التحول إلى محرّك فعلي للسرد ولا إلى بؤرة توتر قادرة على رفع إيقاع الأحداث أو تعميق الصراع الدرامي، إذ تقوم العقدة على هدف واضح وبسيط، يتمثل في وصول البطل إلى زوجته قبل الولادة، غير أنها تُترك عارية من التعقيدات والتحولات، فلا تُغذّى بأحداث مشوقة ولا تُدعَّم بمنعطفات مفاجئة تُربك المسار أو تعيد ترتيب رهانات الشخصية.
نتيجة لذلك، يتحول مسار الفيلم إلى خط مستقيم، يُستنزف زمنياً دون تصعيد، فتفقد المشاهد كثافتها وتغدو الرحلة مجرد تتابع لمحطات متشابهة لا تُنتج توتراً حقيقياً، بينما هذا الفقر في إثراء العقدة بالأحداث جعل الإيقاع ينخفض تدريجياً، خصوصاً في منتصف الفيلم، إذ يتراجع الإحساس بالخطر والاستعجال، ويحل محله شعور بالتمطيط والانتظار. وهكذا، تحولت عقدة البناء الدرامي إلى عبء سردي كشف حدود الفكرة الأصلية، وأكد أن غياب التشويق يعود إلى كتابة لم تمنح الصراع ما يكفي من العمق والتنوع.
وتعاني رحلة البطل من دكار إلى الدار البيضاء من فراغ درامي واضح، إذ لا تتضمن أحداثاً قوية أو عقداً حقيقية ترفع منسوب التوتر، وتمر المحطات تباعاً دون أن تُحدث انعطافات حاسمة في المسار النفسي أو السردي للشخصية، وتتحول الرحلة التي كان يُفترض أن تكون قلب الفيلم النابض، إلى مساحة مكرورة لا تضيف الكثير سوى إطالة زمن الحكي.
ويرتبط هذا الضعف أساسا بفقر الفكرة الأصلية، التي لم تسمح بتوليد صراعات متعددة أو شخصيات مؤثرة في المسار العام، حيث تظهر بعض الشخصيات الثانوية ثم تختفي دون أثر درامي حقيقي، وهذا يجعل وجودها أقرب إلى وظائف عابرة منه إلى عناصر بنائية، بينما يُطرح سؤال الكتابة أكثر من سؤال الإخراج؛ لأن الصورة وحدها لا تستطيع تعويض غياب العمق الدرامي.
يفضل المخرج الاشتغال على صورة وظيفية تخدم الحالة النفسية للشخصية برسالة مقتضبة، غير أن هذا الخيار، وإن كان منسجماً مع رؤيته، يظل محدود الأثر بسبب غياب لحظات سينمائية قوية، وبينما يظل الفيلم متوازناً شكلياً، لكنه نادراً ما يبلغ لحظة سينمائية صادمة أو استثنائية.
ويمكن اعتبار “كازابلانكا / دكار” فيلماً أنقذته الحرفة أكثر مما خدمته الفكرة؛ عمل يكشف مرة أخرى أن الإخراج الجيد قادر على تحويل فكرة هشة إلى تجربة مشاهدة محترمة، دون أن يمنحها بالضرورة عمقاً أو فرادة، فهو فيلم يُشاهد بسلاسة، ويُنسى بسرعة، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن أحمد بولان ما زال مخرجاً يعرف جيداً كيف يسيطر على أدواته، حتى حين يخذله السيناريو.
يُحسب للمخرج والممثل أحمد بولان وعيه المهني بحدود نصه، وقدرته على الاشتغال عليه سينمائيا لتفادي السقوط في الرتابة
ويعتبر المسار المهني لأحمد بولان تجربة سينمائية استثنائية تشكّلت عبر تراكم طويل بين التلفزيون المغربي، والإقامة في إيطاليا، ثم العودة إلى المغرب، حيث اشتغل لأكثر من خمسة وعشرين عاماً في مختلف مفاصل الصناعة السينمائية، من التمثيل إلى إدارة الممثلين، ومن المساعدة في الإخراج إلى الاحتكاك المباشر بكبار صناع السينما العالمية، أمثال جوليانو مونتالدو، وكارلو دي بالما، وآلان ج. باكولا، وفيليب دي بروكا، وجان ديلانوي، وجون لانديس، وهو ما منح تجربته عمقا تقنيا وثقافيا نادرا في السينما المغربية.
ويعد دخوله الإخراج حدثا صادما، إذ شكّل فيلمه القصير الأول “رحلة في الماضي” لحظة مفصلية بحصوله على جائزة الفاتيكان، فاتحاً له باب الفيلم الروائي الطويل. غير أن مسيرته لم تكن سلسة، حينما وُوجه فيلمه الأول “علي وربيعة وآخرون” بالإقصاء الغامض من القاعات بعد أيام قليلة من عرضه، رغم ما حققه من إشعاع دولي واعتراف نقدي، ليجد نفسه مبكراً في قلب صدام مع المؤسسة والتلقي.
وواصل بولان اختياره للمواضيع الشائكة، فاقتحم في “ملائكة الشيطان” واحدة من أكثر القضايا حساسية في الذاكرة المغربية المعاصرة، متحملًا صعوبات إنتاجية خانقة، قبل أن يحقق الفيلم نجاحاً جماهيرياً غير مسبوق ويتصدر شباك التذاكر سنة 2007، في مفارقة لافتة بين المنع والنجاح.
لاحقا، جاء فيلماه “عودة الابن” و”ليلى جزيرة” ليؤكدا انشغاله الدائم بالأسئلة الإنسانية والهوية والذاكرة، فيما توّج مساره بإصدار سيرته الذاتية “حياتي جميلة”، التي أعادت قراءة طفولته ومراهقته بوعي تأملي، قبل أن يُكرّس حضوره القاري بترشيحه لرئاسة لجنة التحكيم الكبرى لجوائز الفيلم الذهبي في أفريقيا، بوصفه اسماً راكم تجربة غنية بالصدام، والمغامرة، والاختيار الواعي للسينما كمسار وجودي.