"فيرتيغو".. إقامة فنية تجمع فنانين عرباً ودوليين في قلب جبال الألب الإيطالية
في قرية مومبانتيرو الصغيرة بوادي سوسا في جبال الألب الإيطالية، تفتح الإقامة الفنية «فيرتيغو» فضاءً للحوار البصري والثقافي بين فنانين معاصرين من ثقافات وخلفيات متنوعة، ضمن تجربة تتجاوز حدود الإنتاج الفني التقليدي إلى استكشاف العلاقة بين الإنسان والمكان والذاكرة.
وتطرح الإقامة تصوراً جديداً للتواصل الفني، يقوم على تفاعل الرؤى الجمالية المختلفة المستمدة من تجارب الفنانين وثقافاتهم المتعددة، ومن طبيعة المكان نفسه، مع التركيز على مفاهيم الاستدامة ودور الطبيعة في إثراء التجربة الإبداعية.
ويتمحور مشروع الإقامة حول «فيلا كليفيو»، وهو قصر تاريخي يقع في قرية مومبانتيرو بوادي سوسا الإيطالي، وتعود جذوره إلى القرن السادس الميلادي. ويجسد هذا المعلم جانباً من التراث الثقافي والجمال الطبيعي الإيطالي، إذ كان في الأصل مقراً للنبلاء، قبل أن يشهد توسعات متعاقبة عبر القرون أضافت إليه أبعاداً معمارية وتاريخية وجمالية متجددة، وجعلته شاهداً على تحولات المكان والعصور.
وتحيط بفيلا كليفيو مناظر طبيعية خلابة ونظام بيئي غني بالنباتات والأشجار، ما يجعلها ملاذاً هادئاً يجمع بين الخصوصية التاريخية والطبيعة البكر. وقد دفع ذلك القائمين على المشروع إلى اختيارها مقراً لإقامة «فيرتيغو»، لما تتمتع به من قدرة على احتضان التجارب الفنية والتفاعل معها. كما خضعت الفيلا لعمليات تأهيل حافظت على عناصرها الجمالية والبيئية، لتتحول إلى فضاء ملهم يوفر للفنانين فرصاً للاكتشاف والإبداع والتواصل مع تراث المنطقة، عبر مزيج فريد من التاريخ والفن والاستدامة.
الفن بين التاريخ والآخر
تقدّم فرتيغو إقامةٍ بالمعنى الوجودي للكلمة إقامة داخل المشهد، وداخل الزمن، وداخل العلاقة مع الآخر. فكل تفصيل صغير، وكل أثر ضوء على حجر قديم، وكل حكاية عابرة تتردد بين تأملات الفنانين قادرة على أن تتحول إلى مادة للتأمل وإلى نقطة انطلاق لحوار إبداعي يتجاوز الحدود اللغوية والثقافية، إنها تجربة تؤكد أن الاختلاف ليس مسافة تفصل بين الذوات، بل جسرا يتيح لها أن تتعرف إلى نفسها من خلال الآخر.
ولعل هذه التأملات التي تبني عليها الإقامة رؤاها البصرية تستحضر شيئًا من الإرث الفلسفي الإيطالي الذي رأى في الإنسان كائنا يصنع معناه عبر المشاركة والانفتاح، فمن روح فكر أنطونيو غرامشي التي تحتفي بالعلاقة الحية بين الثقافة والواقع، إلى النزعة الإنسانية التي ميزت عصر النهضة الإيطالية وجعلت من الإبداع مساحة للقاء العالم وتأويله، تتشكل المقاربة فنيا وهي تؤمن بأن المعرفة تبدأ من الانتباه، وأن الجمال يولد من القدرة على رؤية ما يبدو مألوفا كما لو أنه يُرى للمرة الأولى.
إنها إقامة تنسج خيوطها بين التأمل والتفاعل، بين الخصوصية والتشارك، وبين الذات والمكان، وفي قلب هذا النسيج، لا يكون الفن نتاج أفراد معزولين في تكوين تفاصيلهم بل مجموعة تأسّس تجريبهم على الإصغاء والتبادل، لتؤلف معًا فسيفساء إنسانية غنية، تعكس تنوع العالم ووحدته في آن واحد.
هنا تصبح التجربة فعلًا من أفعال المعرفة ليس المقصود بها الإتقان التقني وحده، بل القدرة على ملاحظة ما يكمن في الهامش تغير الضوء على الأسطح القديمة، إيقاع الحياة اليومية، أثر الزمن في العمارة والطبيعة، والمسافة الدقيقة بين الاختلاف والتقارب، ومن خلال هذا الانتباه المشترك تتشكل لغة غير معلنة بين المشاركين، لغة لا تقوم على التشابه، بل على الاعتراف بتعدد الرؤى وتعايشها.
ومن خلال هذه المرجعية يصبح الفن أقرب إلى ممارسة للإقامة داخل العالم لا إلى تمثيله فكل فنان يصل محملًا بخبراته وذاكرته وأسئلته الخاصة، لكنه يجد نفسه مدعوًا إلى الدخول في حوار مع بيئة مختلفة وتجارب جديدة وهكذا لا يكون التبادل مجرد مشاركة للأفكار، بل تحولا متبادلا في طرق الرؤية والإحساس.
لعل القيمة الأعمق لهذه التجربة تكمن في أنها تذكرنا بأن الإبداع لا يولد فقط من التعبير عن الذات، بل أيضًا من القدرة على الإصغاء إلى المكان، وإلى الآخر، وإلى تلك المساحات الدقيقة التي تتشكل فيها المعاني قبل أن تتحول إلى كلمات أو صور أو أعمال فنية.
الاختلاف بالفن لغة مشتركة
يتبع ترميم المكان جماليا نهجا حيويا مستداما، سواءمن حيث الممارسات الزراعية المحيطة بالأرض أو إعادة التأهيل المعماري التدريجي للمبنى نفسه حسب ما ذكره مؤسس الإقامة نيكولوفينيلي، الاستدامة ليست بيئية فحسب، بل ثقافية أيضا فالسؤال هو كيف يمكن لمكان ريفي تاريخي أن ينبض بالحياة مجددا من خلال الإنتاج الفني والتبادل وأشكال جديدة من الحوار البصري الفني الثقافي.
إن الملفت في البرنامج أنه متطوّر ومستمر بشكل طبيعي من دورة إلى أخرى فهو لا يرتكز على موضوع سنوي ثابت، بل يركز على تهيئة الظروف للفنانين لتطوير أفكار جديدة في علاقة وثيقة مع البيئة المحيطةالجبال، وتاريخ المكان، ووتيرة الحياة الريفية، وأجواء القصر نفسه وانعكاسها على رؤاه الفنية، وهو ما يتميز به البرنامج في مرونته المُتعمّدة وتخصيصه لكل فنان على حدة، بدلا من أن يكون مؤسسيًا أو ذي هيكلية جامدة.
"نسعى إلى توفير الوقت والمكان والسياق للفنانين، وهو سياق يختلف تمامًا عن سرعة وضغط معظم بيئات الفن المتعوّدة بشكلها المعاصر، إذ يصل العديد من الفنانين دون مشروع مُحدد بالكامل، ويبدؤون بتطوير أعمالهم من خلال التفاعل المباشر مع المكان نفسه يأخذون وقتهم في التأمل ويشكّلون أفكارهم، حيث تُشجع الإقامة الفنية على التجريب والتأمل والحوار بين الفنانين من خلفيات وتخصصات مُختلفة."
ويشارك في هذه الإقامة المتجدّدة والتي بدأت منذ شهر مايو الفنانة الفلسطينية آية عفانة، والفنانة الإماراتية سارة أهلي، والفنانة السورية الأرمنية ستيفاني سانوسيان، والفنان التونسي فراس بن علي، والمصور العراقي أمير حازم، يكمن الجانب الملفت في كيفية تفاعل كل فنان بشكل مُختلف مع المكان والمناظر الطبيعية المُحيطة به، إذ يُصبح الحوار بين هذه الرؤى جزء لا يتجزأ من الإقامة الفنية نفسها.
بين الإقامة والتعاون الفن لغة الإنسانية
ساعد التعاون مع سفير آرت، كمبادرة تُعنى بدعم الفنانين السوريين من خلال الإرشاد والإنتاج والتنقل الدولي، مشاركة الفنانة السورية الأرمنية ستيفاني سانوسيان، بما يركز على تطوير أعمال جديدة لها ودمج أسلوبها برؤى جديدة وتأملات بصرية مستوحاة من البيئة المحيطة وتاريخها المتداخل.
كما تم إطلاق برنامج تبادل إقامة فنية جديد بالشراكة مع فضاء محيط من تونس، الذي دعم مشاركة الفنان التونسي فراس بن علي، وهو مخرج أفلام متعدد التخصصات يعمل في مجالات السينما التجريبية والتصوير الفوتوغرافي وفن الفيديو.
أما الفنانة الإماراتية سارة أهلي فقد انظمت إلى البرنامج بدعم من برنامج المنح الوطنية للثقافة والإبداع التابع لوزارة الثقافة الإماراتية.
كما تضم دفعة شهر مايو الفنانة الفلسطينية آية عفانة، التي تحظى إقامتها بدعم من "مجموعة سوالف" من أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، و"مجموعة سوالف" هي مجموعة ناشئة قائمة على المشاريع، وشركة استشارية ثقافية تُعنى بدعم الكُتّاب والفنانين من خلال النشر والمعارض والبرامج التعاونية، مع التركيز على خلق مساحات للحوار بين مختلف التخصصات، وتوفير الفرص من خلال التفعيل الشعبي والدعوة الإبداعية، ستتناول آية في عملها الفني، الذي يكشف مواضيع الذاكرة والسرد والثقافة المادية، وهو نهج تفاعلي مع الموقع خلال فترة إقامتها في مومبانترو.
كما سيشارك الفنان التشكيلي العراقي أمير حازم وعمله يرتكز على التفاعل المتجذر في التصوير الفوتوغرافي والمتأثر بمشاهداته في بغداد ما بعد عام 2003، الذاكرة والتاريخ الاجتماعي والأجواء من خلال توظيف سينمائي للضوء والظل.
ويُعدّ الربط بين عالم الفن العربي والمساحات الثقافية العالمية خارج المدن الكبرى جانبًا محوريًا في رؤية الإقامة، فبدلًا من الاقتصار على المؤسسات الإيطالية المحلية، تطورت الإقامة الفنية من خلال التعاون مع صالات العرض والقيمين الفنيين والمؤسسات في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويضيف فينيلي أنه مع كل إقامة وكل برنامج "يطمح مشروع "مومبانتيرو" إلى أن يصبح ملاذًا إبداعيًا دوليًا ومكانًا يتيح للفنانين الخروج مؤقتًا من بيئاتهم المعتادة، واكتشاف سياقات جديدة، وإنتاج أعمال فنية من خلال علاقة أكثر عمقًا وتفاعلًا مع المكان والتاريخ والطبيعة.
وباطلاعه الدائم على المشهد التشكيلي العربي يقول "أعتقد أن المشهد الفني العربي اليوم يتميز بديناميكية هائلة، لأن العديد من الفنانين يتناولون قضايا النزوح والذاكرة والهوية والبيئة والتحول الحضري، إلى جانب تجاربهم الفنية المعاصرة، فهم محمّلون بقضاياهم وهذا مهم وعميق، وما يهمنا ليس تقديم الفنانين العرب من خلال سردية واحدة تنحص في تلك القضايا، بل خلق مساحة يمكن فيها التعبير بأشكال مختلفة عن تلك القضايا وتحويل الممارسات والتجارب المختلفة جماليا وبصريا حتى تتعايش وتتحدث مع بعضها البعض بشكل طبيعي فتقدّم ذاتها بحرية وتعبر نحو قضاياها بأمل أو رؤى مختلفة متشابكة ومتحرّرة من القالب الواحد".






