فلسطين بين الثابت والمتغير
تمر القضية الفلسطينية بمنعطف تاريخي حاسم تُختبر فيه قدرة الشعب على تجاوز تداعيات الانقسام المستمرة منذ عام 2007. يُظهر تحليل الثابت والمتغير مفارقة عميقة، فقد وضعت الحركة الوطنية ثوابت كبرى منذ نشأتها، لكنها شهدت تحولات جذرية غالباً على حساب الوحدة الوطنية. ارتبطت النجاحات بوجود إطار جامع، بينما جاءت الانتكاسات مع التشرذم. اليوم، وفي أعقاب حرب غزة وما أحدثته من تحولات، تبرز دعوة الرئيس محمود عباس لانتخابات المجلس الوطني في نوفمبر 2026 كخطوة محورية لاستعادة الثابت الأهم: التمثيل الوطني الجامع.
تشكلت الثوابت الوطنية مع نشأة الحركة، وكان أبرزها هدف تحرير فلسطين التاريخية وضرورة تمثيل الشعب بأكمله. تجسد الحلم الجامع ببروز منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد. لكن المسار شهد تحولات مفصلية، من القبول بالدولة على حدود 1967 إلى الدخول في مرحلة سلطة الحكم الذاتي تحت الاحتلال مع أوسلو. رافق هذا التطور تآكل تدريجي لفكرة الممثل الواحد، بلغ ذروته مع الانقسام عام 2007 الذي حول هذا الثابت إلى أزمة شرعية عميقة تُضعف كل الإنجازات.
دعوة الرئيس عباس ليست من فراغ، بل تنطلق من قراءة استراتيجية للحظة الدولية الفريدة التي خلقتها الحرب على غزة. فهو يرى أن الانتخابات هي الآلية لصنع شريك فلسطيني موحد يمكنه تحويل الزخم الدولي إلى مكاسب سياسية، من خلال الاستجابة للضغط الدولي الإيجابي، حيث جعلت مبادرات مثل الخطة الفرنسية–السعودية الانتخابات شرطاً للتقدم نحو حل الدولتين، وتحويل هذا الشرط إلى تفويض دولي جديد للمنظمة. كما يسعى إلى ترجمة الزخم الشعبي إلى شرعية مؤسسية تحت مظلة منظمة التحرير، الإطار القانوني الدولي المعترف به، والرد على أي محاولة لفصل غزة عن الضفة أو فرض وصاية دولية، بتقديم مجلس وطني منتخب كالصوت الشرعي الوحيد لجميع الفلسطينيين.
الفصائل داخل المنظمة موقفها حذر ومشروط والشارع الفلسطيني يسوده تشكيك عميق بسبب تجربة عام 2021 مع اشتراط شمول القدس وغزة والشتات كشرط للشرعية
رؤية الرئيس عباس تواجه اختباراً حاسماً في القدرة على خلق توافق وطني. الفجوة واسعة بين الأطراف، فحركة حماس والجهاد الإسلامي ترفضان الانتخابات تحت مظلة المنظمة الحالية وتطالبان بإعادة تأسيسها عبر حوار وطني شامل يضمن لهما حصة قيادية قبل الاقتراع. أما الفصائل داخل المنظمة فموقفها حذر ومشروط بضمانات نزاهة وتمثيل عادل خشية هيمنة طرف واحد. والشارع الفلسطيني يسوده تشكيك عميق بسبب تجربة عام 2021، مع اشتراط شمول القدس وغزة والشتات كشرط للشرعية.
حتى مع التوافق الداخلي، تقف عقبات عملاقة أمام المسار. معضلة القدس تبقى عائقاً مصيرياً مع رفض إسرائيل السماح بالانتخابات في القدس الشرقية، وتجاوزه يحتاج ضغطاً دولياً غير مضمون. كارثة غزة اللوجستية تطرح سؤالاً حول كيفية إجراء انتخابات في قطاع مدمّر يعاني نزوحاً جماعياً وانهياراً للبنى التحتية والإدارة. كما أن تعقيدات الشتات والقانون، من غياب آليات واضحة لانتخابات نزيهة في الخارج، وعدم وجود محكمة دستورية مستقلة، وخطر اعتقال المرشحين من قبل الاحتلال، كلها تهدد نزاهة العملية.
إن مسيرة الشعب الفلسطيني عبر تعرجات التاريخ بين ثوابت راسخة ومتغيرات صعبة هي شهادة على إرادة حياة لا تنكسر. اليوم تقف الأمة أمام بوصلة تاريخية: انتخابات المجلس الوطني. هذه الانتخابات ليست مجرد استحقاق إداري، بل هي أعظم اختبار للإرادة الوطنية الجماعية في لحظة فارقة. إنها الفرصة الذهبية لتحويل دماء الشهداء ودموع الأهل وألم الغربة إلى قرار سياسي موحد يصوغ مستقبلاً تنحني له التحديات. العقبات الكبيرة من القدس إلى غزة إلى مخيمات الشتات هي نفسها التي تصنع شرعية النضال وتُظهر للعالم أن شعباً يواجه هذه الصعاب لا بد أن يكافأ بحقه في الحرية والسيادة. التوافق الداخلي، وإن بدا صعباً، ممكن حين تعلو روح المصير الواحد فوق الخلافات المؤقتة.
العالم الذي شاهد صمود غزة بدأ يدرك أن الفلسطيني ليس طالباً للرحمة، بل صانعاً لحقه، وأن الدولة الفلسطينية المستقلة ليست هبة تأتي من الخارج، بل هي إرادة تُصنع بالوحدة من الداخل. إنها الحلم الذي يتحول إلى واقع بقوة الإصرار، والهدف الذي لا تحجبه مؤقتات الاحتلال. لذا، فلننظر إلى الاستحقاق الانتخابي القادم ليس كنقطة نهاية، بل كبذرة الانطلاق الكبرى، بذرة تزرعها أيادٍ فلسطينية موحدة في تربة الإجماع الوطني، لتنمو شجرة الدولة العتيدة ذات الجذور الضاربة في عمق التاريخ والأغصان الممتدة نحو أفق الحرية القادم لا محالة.
المستقبل يبدأ اليوم بقرار الوحدة، والدولة تبدأ من هنا، من إرادة شعب قرر أن يكون سيد مصيره.