عزيزة العراقي لـ"العرب": "فوتو طنجة" يمنح الصورة الفوتوغرافية روحها الخاصة

الضوء في طنجة يحمل دائما قصة جديدة مبهرة للمصور والمتفرج.
الخميس 2026/07/16
طنجة رسمت جزءا كبيرا من مسيرتي

في حوار مع صحيفة "العرب" تتحدث عزيزة العراقي، مديرة غاليري "كانت"، عن مهرجان "فوتو طنجة"، وعن أهمية التصوير الفوتوغرافي كوسيلة للتعبير وحفظ الذاكرة، كما تكشف عن علاقتها العميقة بمدينة طنجة التي رافقتها منذ طفولتها، وتحولت مع مرور السنوات إلى مصدر إلهام أساسي في مسارها الثقافي والفني.

يحتضن غاليري “كانت” في قلب مدينة طنجة فعاليات الدورة الأولى من مهرجان فوتو طنجة، في تجربة فنية جديدة تحتفي بالصورة الفوتوغرافية وتعيد قراءة الذاكرة البصرية للمكان. يأتي هذا الموعد الثقافي ليمنح التصوير الفوتوغرافي مساحة للحوار بين الماضي والحاضر، وبين التجارب المحلية والدولية، عبر أعمال تستعيد علاقة الإنسان بالمدينة والضوء والذاكرة.

أكدت الفنانة عزيزة العراقي، مديرة الغاليري، أن مشاركة غاليري “كانت” في الدورة الأولى من مهرجان فوتو طنجة تمثل لحظة استثنائية بالنسبة إليها وبالنسبة إلى الفريق العامل داخل الغاليري، معبرة عن اعتزازها بالمساهمة في انطلاق مشروع ثقافي يحتفي بفن التصوير ويمنحه موقعا مهما داخل المشهد الفني للمدينة. وأوضحت أن اختيار احتضان هذا الحدث داخل فضاء الغاليري يحمل دلالة خاصة، لأن التصوير الفوتوغرافي يرتبط بشكل عميق بفكرة الذاكرة وتسجيل اللحظات والتحولات التي تعيشها المجتمعات.

وقالت إن الصورة لا تقتصر على الجانب التقني أو الجمالي فقط، وإنما تحمل قدرة كبيرة على سرد القصص وتوثيق التجارب الإنسانية، مشيرة إلى أن كل صورة تمنح المتلقي فرصة لاكتشاف زاوية جديدة من المكان أو الإنسان أو اللحظة. وأضافت أن المدن العريقة تحتاج دائما إلى من يعيد النظر إليها عبر عدسات مختلفة، لأن التفاصيل اليومية التي قد تبدو عادية تحمل في داخلها طبقات متعددة من التاريخ والمشاعر والذكريات.

“كانت” لا يمثل مجرد فضاء فني، وإنما مكانا للحوار الثقافي وفضاء يحمل روح طنجة المنفتحة على العالم
"كانت" لا يمثل مجرد فضاء فني، وإنما مكانا للحوار الثقافي وفضاء يحمل روح طنجة المنفتحة على العالم

وأوضحت الفنانة أن اختيار عنوان “لمسة الضوء” جاء من الرغبة في التعبير عن العلاقة الخاصة التي تجمع الفنان بالضوء، مستحضرة الفكرة التي طرحها الفنان الفرنسي إيجين ليروي العلاقة الحسية بين المبدع والعمل الفني، مؤكدة أن نقل هذه الفكرة إلى عالم التصوير الفوتوغرافي كان اختيارا طبيعيا، لأن الضوء يمثل جوهر الصورة والعنصر الذي يمنحها الحياة والحركة والروح.

وكشفت عزيزة العراقي أن طنجة تمتلك خصوصية ضوئية نادرة تجعلها مدينة مختلفة بالنسبة إلى المصورين والفنانين، موضحة أن ضوء البوغاز يتغير باستمرار خلال ساعات اليوم، وأن انعكاساته على البحر والمباني القديمة ووجوه السكان تمنح المدينة مشاهد متجددة لا تنتهي. وأضافت أن أحياء طنجة القديمة، بجدرانها وتفاصيلها المعمارية وذاكرتها الممتدة عبر الزمن، تقدم مادة بصرية غنية لكل فنان يبحث عن العلاقة بين الضوء والمكان.

وأشارت إلى أن مهرجان فوتو طنجة يجمع بين تاريخ التصوير الفوتوغرافي في المدينة، الذي يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر مع بدايات الأستوديوهات الأولى، وبين التجارب المعاصرة التي تقدم مقاربات جديدة للصورة، معتبرة أن هذا اللقاء بين الذاكرة والتجديد يمنح المهرجان قيمة خاصة، لأنه يربط بين تاريخ طنجة البصري وبين مستقبل التصوير فيها.

وتحدثت العراقي عن خصوصية موقع غاليري “كانت”، مؤكدة أن المكان نفسه يحمل طاقة بصرية مميزة بفضل موقعه في شارع الجبهة الوطنية وإطلالته المفتوحة على البحر والكنيسة المقابلة. وأوضحت أن هذا المشهد اليومي يمنح الفضاء علاقة خاصة مع المحيط، ويخلق حوارا مستمرا بين الفن والطبيعة والعمارة، وهو ما ينسجم مع روح المعرض القائم على الاحتفاء بالضوء والصورة.

وأضافت أن اختيار ستة مصورين للمشاركة في الدورة الأولى من المهرجان جاء نتيجة رغبة في تقديم تجربة متماسكة تمنح كل فنان المساحة الكافية للتعبير عن رؤيته الخاصة. وأكدت أن الهدف لم يكن جمع أكبر عدد من الأسماء، وإنما خلق حوار حقيقي بين تجارب مختلفة تحمل قراءات متعددة لطنجة ولعلاقة الإنسان بالمكان.

وأوضحت الفنانة المغربية أن كل مصور من المشاركين يحمل تجربته الخاصة وخلفيته الفنية والثقافية، وأن اختلاف المسارات يمنح المعرض غنى بصريا كبيرا. وأضافت أن بعض الفنانين ينتمون إلى تجربة أكاديمية مرتبطة بالمعهد الوطني للفنون الجميلة في تطوان، بينما يحمل آخرون تجارب دولية متنوعة تجمع بين خلفيات مغربية وأجنبية، وهو التنوع الذي يمنح الصورة داخل المعرض أبعادا متعددة.

وكشفت أن بعض الأعمال تركز على الحياة اليومية في شوارع طنجة والميناء والمدينة القديمة، بينما تهتم أعمال أخرى بجماليات الضوء الطبيعي في الجبال والشواطئ والمجالات المفتوحة. وأكدت أن هذه التجارب المختلفة تقدم صورة مركبة لطنجة، مدينة البحر والتاريخ والفنانين والتعدد الثقافي، مدينة تتغير باستمرار مع احتفاظها بروحها الخاصة.

وأضافت أن الدورة الأولى اختارت التركيز على عدد محدود من المشاركين حتى يحصل كل عمل على الاهتمام الذي يستحقه، موضحة أن قيمة المعرض تكمن في قوة التجارب الفنية وعمقها وقدرتها على خلق تفاعل مع الجمهور، وليس في عدد الأعمال أو الأسماء المشاركة.

وتحدثت عزيزة العراقي عن الجمهور الذي تتوجه إليه هذه الدورة، مؤكدة أن المهرجان يستقبل محبي التصوير والفن المعاصر والباحثين والنقاد، لكنه في الوقت نفسه يطمح إلى الوصول إلى جمهور أوسع لا يقتصر على المتخصصين. وأوضحت أن الصورة لغة مفتوحة يمكن لكل شخص أن يتفاعل معها، سواء كان طالبا في مجال الفنون أو شابا مهتما بالصورة الرقمية أو زائرا يبحث عن تجربة ثقافية مختلفة.

pp

وأشارت إلى أن تنظيم المهرجان خلال فصل الصيف يمنحه فرصة للقاء جمهور متنوع، لأن طنجة تستقبل خلال هذه الفترة زوارا من مختلف المدن المغربية ومن الخارج. وأضافت أنها تأمل أن يجد كل شخص يزور المعرض شيئا قريبا منه داخل الصور، سواء كان ذكرى شخصية أو إحساسا خاصا أو اكتشافا جديدا لمدينة يعتقد أنه يعرفها.

وأكدت الفنانة أن طنجة تمثل بالنسبة إليها مصدرا دائما للإلهام وفضاء ساهم في تشكيل شخصيتها ورؤيتها الفنية. وقالت إنها وصلت إلى المدينة وهي في عامها الأول برفقة والدها المنحدر من فاس ووالدتها ذات الأصول الإسبانية، موضحة أن ولادتها في إسبانيا لم تمنع طنجة من أن تصبح جزءا أساسيا من تكوينها الثقافي والإنساني.

وتحدثت عن نشأتها بين ثقافتين متداخلتين، الثقافة المغربية الغنية بجذورها وتقاليدها، والانفتاح الأوروبي الذي منحها رؤية واسعة للعالم. وأوضحت أن هذا التعدد الثقافي ساعدها على بناء علاقة خاصة مع الفن، وعلى فهم قيمة الحوار بين الهويات المختلفة، وهي الفكرة التي ترافق أيضاً رؤيتها لغاليري “كانت” ودورها داخل المدينة.

طنجة مصدر دائم للإلهام وفضاء ساهم في تشكيل شخصيتي ورؤيتي الفنية وهي جزء أساسي من تكويني الثقافي والإنساني

وكشفت أن والدها كان يحمل روحا ريادية ومبادرة، وأنه اقتنى فضاء غاليري “كانت” الذي كان يحمل سابقا طابعا تجاريا مرتبطا بفترة المنطقة الدولية في طنجة. وأضافت أنه بعد وفاته سنة 2018 قررت تحويل المكان إلى فضاء فني معاصر يحافظ على ذاكرته ويواصل روح الإبداع التي كان يؤمن بها.

وقالت إن تجربة الغاليري بدأت من خلال الجمع بين التصميم والأثاث الفني والعروض الثقافية، قبل أن تتطور تدريجيا لتصبح فضاءً متخصصا في احتضان التصوير والنحت والرسم ومختلف أشكال التعبير البصري. وأشارت إلى أن المكان أصبح اليوم نقطة لقاء بين الفنانين والجمهور، وفضاءً للحوار حول القضايا الفنية والثقافية.

وعبرت عن ارتباطها اليومي بالمشهد الذي تراه من نافذة الغاليري، موضحة أن البحر والكنيسة المقابلة يشكلان بالنسبة إليها صورة حية عن التعايش بين الحضارات والثقافات. وأضافت أن هذا المشهد يمنحها إحساسا دائما بقوة طنجة كمدينة قادرة على الجمع بين الاختلافات وتحويلها إلى مصدر جمال وإبداع.

وقالت إنها أدركت مع مرور السنوات حجم التأثير الذي تركته طنجة في شخصيتها وعلاقتها بالفن، مؤكدة أن المدينة لا تختصر في موقع جغرافي، وإنما تمثل حالة إنسانية وروحية تجمع بين الذاكرة والانفتاح، وبين الماضي والحاضر والمستقبل.

وأشارت إلى أن شهادات العديد من الكتاب والفنانين الذين عاشوا في طنجة تؤكد دائماً قوة حضور المدينة وتأثيرها الإبداعي، معبرة عن ثقتها بأن المصورين المشاركين في مهرجان فوتو طنجة سيكتشفون من خلال عدساتهم جوانب جديدة من هذه المدينة التي تمنح الفنان دائما فرصة لإعادة النظر والاكتشاف.

وقالت بابتسامة هادئة إنها تتمنى أحيانا لو كان بإمكانها لقاء هنري ماتيس وسؤاله عن الطريقة التي رأى بها طنجة، وعن السر الذي جعله يتفاعل مع ضوئها وألوانها ومشاهدها.

وأكدت عزيزة العراقي أن غاليري “كانت” لا يمثل مجرد فضاء لعرض الأعمال الفنية، وإنما مكانا للحوار الثقافي والتبادل الإبداعي، وفضاء يحمل روح طنجة المنفتحة على العالم. وأضافت أن الفن يساهم في بناء جسور التواصل بين الناس والثقافات، وأن مهرجان فوتو طنجة يشكل خطوة جديدة لتعزيز حضور الصورة والفنانين والجمهور داخل المشهد الثقافي للمدينة. وعبرت عن دعوتها لكل المهتمين بالفن إلى زيارة المعرض واكتشاف الأعمال المشاركة، مؤكدة أن الضوء في طنجة يحمل دائما قصة جديدة، وأن الصورة قادرة على منحنا لحظات لا تنسى وقراءات مختلفة للمكان والإنسان.

9