عبداللطيف العصادي لـ"العرب": أزمة السينما المغربية تتأرجح بين الدعم وهشاشة السيناريو
تعيش السينما المغربية نقاشا مستمرا حول مستقبلها وقدرتها على المنافسة في ظل تحديات الإنتاج وضعف البنية التحتية. وفي حوار خاص مع صحيفة "العرب"، يفكك السينمائي عبداللطيف العصادي، مدير مهرجان سلا لفيلم المرأة، أعطاب هذا القطاع، كاشفا عن أزمة كتابة السيناريو واختلال منظومة الدعم، ومقدما رؤية لإصلاح شامل يضمن استدامة الفن السابع في المملكة.
تعيش السينما المغربية منذ سنوات على وقع نقاش متواصل حول قدرتها على تحقيق تحول حقيقي يضعها ضمن التجارب العربية القادرة على المنافسة والإنتاج المستدام، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المشهد الثقافي وتراجع الاهتمام بالاستثمار في المجال الفني. وبين طموحات المخرجين والمهرجانات من جهة، وإكراهات التمويل وضعف البنية الإنتاجية من جهة أخرى، تتواصل الأسئلة المرتبطة بمستقبل الإنتاج السينمائي المغربي ودوره في التعبير عن المجتمع وتحويل القصة المغربية إلى مادة فنية تمتلك القوة والجاذبية. كما يزداد هذا النقاش اتساعا مع استمرار الجدل حول واقع كتابة السيناريو، وتراجع عدد صالات السينما، وضعف مساهمة القطاع الخاص، إضافة إلى التحديات التي تواجه المهرجانات الثقافية في الحفاظ على استمراريتها وسط منافسة متزايدة وتقلص واضح في الدعم والرعاية.
وفي خضم هذا الجدل التقت صحيفة “العرب” مع عبداللطيف العصادي، مدير المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، الذي قدم قراءة نقدية لواقع السينما المغربية انطلاقا من تجربته الطويلة داخل المركز السينمائي المغربي ولجان الدعم والمهرجانات الفنية. وتحدث العصادي عن أعطاب كتابة السيناريو، وصعوبة إنتاج الفيلم الروائي الطويل، ووضعية المخرجات المغربيات، إلى جانب أزمة التمويل والدعم الثقافي، معتبرا أن تطوير السينما المغربية يقتضي مراجعة شاملة لطريقة الاشتغال داخل القطاع وبناء رؤية جديدة قادرة على تجاوز الخلل الحالي.
يرى العصادي أن أزمة السينما المغربية ترتبط أساسا بضعف كتابة السيناريو وغياب كتّاب قادرين على استلهام الأدب المغربي والقصة المغربية وتحويلها إلى أعمال سينمائية إبداعية متكاملة، ويعتبر أن هذا النقص البنيوي ينعكس بشكل مباشر على جودة الإنتاج المغربي ويجعل الكثير من الأفلام تعيد إنتاج نفس المواضيع بطريقة مكررة تفتقد إلى العمق والخيال والتجديد، كما يشدد على أن السيناريو يمثل العمود الفقري لأي عمل سينمائي ناجح، وأن أي خلل فيه ينعكس على باقي عناصر الفيلم مهما توفرت الإمكانيات التقنية أو الإنتاجية.
ويشير إلى أن تطوير هذا المجال يقتضي تكوين كتّاب محترفين ومتمكنين من تقنيات الكتابة الدرامية والحوار السينمائي القادر على بناء شخصيات حية وسرد متماسك يمنح المخرج أرضية صلبة للإبداع.
ويوضح العصادي أن تطوير السينما المغربية يمر حتما عبر الاستثمار في تكوين جيل جديد من كتاب السيناريو وفق مقاربة علمية ومهنية دقيقة تجمع بين التكوين الأكاديمي والمعرفة الأدبية والقدرة على توظيف التراث السردي المغربي داخل كتابة سينمائية حديثة، مشيرا إلى أن غياب هذا التكوين المنهجي يجعل العديد من النصوص السينمائية تعاني من الارتجال وضعف البناء الدرامي وتكرار الأساليب، ويؤكد أن إدماج الأخصائيين في الحوار السينمائي وتطوير أدوات الكتابة يشكلان مدخلا أساسيا لإنتاج أعمال أكثر نضجا.
ويعتبر السينمائي المغربي أن الدول التي حققت تطورا سينمائيا حقيقيا انطلقت من إصلاح منظومة الكتابة قبل أي شيء آخر، لأن السيناريو هو هندسة فنية شاملة تحدد ملامح الفيلم منذ البداية إلى النهاية.
ويضيف أن المخرجات المغربيات يواجهن صعوبات واضحة في إنجاز الفيلم الروائي الطويل بسبب تعقيداته الإنتاجية وارتفاع تكاليفه وضعف آليات الدعم، موضحا أن هذا الوضع يدفع العديد منهن إلى التوجه نحو الفيلم الوثائقي باعتباره مساحة أكثر مرونة وأقل كلفة وأكثر قدرة على الإنجاز في ظل الإمكانيات المتاحة، ويشير إلى أن هذا التوجه ينسجم مع اتجاه عالمي تتزايد فيه أهمية الوثائقي باعتباره شكلا فنيا قائما بذاته، كما يوضح أن الفيلم الروائي يحتاج إلى بنية إنتاجية قوية وشركاء ماليين متعددين، وهو ما لا يتوفر بالشكل الكافي داخل السوق السينمائية المحلية، مضيفا أن هذه الإكراهات تجعل الاختيار الفني في الكثير من الأحيان مرتبطا بالقدرة على التمويل أكثر من ارتباطه بالرؤية الإبداعية.
ويشير العصادي إلى أن منظومة الدعم الثقافي في المغرب تعاني من اختلال بنيوي يؤثر على جودة واستمرارية الإنتاج السينمائي، موضحا أن الميزانيات المخصصة للأفلام الطويلة تبقى غير كافية لتغطية التكاليف الحقيقية للإنتاج الاحترافي، وأن الاعتماد شبه الكلي على الدعم العمومي يخلق وضعا هشا يجعل المشاريع السينمائية محدودة منذ انطلاقها، كما يضيف أن غياب استثمار خاص جاد في القطاع يضاعف من أزمة التمويل، في حين يظل دور التلفزيون ضعيفا من حيث الشراء وبمقابل مالي لا يعكس قيمة العمل السينمائي، ويؤكد أن تراجع مردودية القاعات السينمائية زاد من تعقيد الوضع الاقتصادي للفيلم، مما جعل الصناعة السينمائية تفتقد إلى دورة إنتاج وتوزيع متكاملة قادرة على ضمان الاستمرارية.
وينتقد العصادي طريقة تدبير الدعم العمومي موجها ملاحظات حول غياب رؤية اقتصادية شاملة للصناعة السينمائية، ويوضح أن منح ميزانيات محدودة لا يسمح بإنجاز أفلام قادرة على المنافسة الحقيقية إقليميا ودوليا، وأن العديد من المخرجين يضطرون إلى تقليص مشاريعهم أو تغيير طموحاتهم الفنية بسبب ضعف التمويل، كما يشير إلى أن غياب الشراكات مع القطاع الخاص يكرس منطق الاعتماد المستمر على الدعم دون بناء استقلالية اقتصادية للقطاع، مضيفا أن الإصلاح يجب أن يشمل أيضا التوزيع والاستغلال السينمائي لضمان دورة اقتصادية كاملة، ويؤكد أن السينما تحتاج إلى منظومة متكاملة وليس إلى دعم جزئي يظل غير كاف لإحداث تحول حقيقي.
ويستعرض العصادي تجربته الطويلة داخل المركز السينمائي المغربي باعتباره أحد الفاعلين الذين اشتغلوا لسنوات داخل لجان الدعم وتابعوا تطور السياسات الثقافية عن قرب، موضحا أن هذه التجربة مكنته من رصد نقاط القوة والضعف داخل المنظومة السينمائية المغربية، كما يضيف أن تقييم هذه التجربة بعد عقود يكشف عن تراكمات تحتاج إلى مراجعة شاملة تسمح بإعادة التفكير في آليات الدعم والتكوين والتوزيع، ويؤكد أن بعض الإصلاحات التي تم تحقيقها لم تكن كافية لإحداث تحول جذري في القطاع، مشيرا إلى أن تطوير السينما المغربية يقتضي استحضار التجربة السابقة والاستفادة منها في بناء رؤية جديدة أكثر نجاعة واستمرارية.
العصادي يرى أن أزمة السينما المغربية ترتبط أساسا بضعف كتابة السيناريو وغياب كتّاب قادرين على استلهام الأدب المغربي والقصة المغربية وتحويلها إلى أعمال سينمائية إبداعية متكاملة
واختتم العصادي حديثه لـ”العرب” بالتأكيد على أن مهرجان الفيلم الدولي للمرأة بسلا يواصل أداء رسالته الثقافية رغم التحديات المرتبطة بتراجع الدعم وتقلص عدد الرعاة وضعف الاهتمام الإعلامي، موضحا أن استمرارية المهرجان أصبحت مرتبطة بقدرة مختلف الفاعلين على دعم هذا المشروع الثقافي الذي يتميز بهوية واضحة تقوم على الدفاع عن قضايا المرأة والأسرة عبر الفن السابع، كما يشير إلى أن المهرجان يواجه اليوم تحديا حقيقيا في الحفاظ على إشعاعه داخل مشهد ثقافي يعرف تنافسا متزايدا وتراجعا في الموارد، ويؤكد في النهاية أن حماية هذا المكسب الثقافي مسؤولية جماعية تتطلب تعبئة مؤسساتية وإعلامية لضمان استمراره وتطويره في المستقبل.
وتولى عبداللطيف العصادي منصب مساعد مدير المركز السينمائي المغربي ومسؤول السينماتيك المغربية قبل سنوات عديدة، ويُعد من الإطارات السينمائية المغربية ذات الخبرة الطويلة والمؤثرة في الساحة الثقافية الوطنية. كما أدار منذ سنوات طويلة المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا الذي ينظم تحت رعاية الملك محمد السادس. وساهم بشكل كبير في جعله منصة دولية مميزة تحتفي بالسينما النسائية والإبداع النسوي من المغرب والعالم. كما شارك بفعالية في لجان دعم وتمويل الأفلام بالمركز السينمائي، وساهم في صياغة السياسات السينمائية الوطنية، بالإضافة إلى تمثيل السينما المغربية في العديد من المهرجانات والمنتديات الدولية كعضو في لجان التحكيم أو متحدث في الندوات المتخصصة، مع تركيز دائم على دعم السينما الأفريقية والعربية وتعزيز حضور المرأة في الصناعة السينمائية.