عبدالعزيز ثلاث: السينما الأفريقية لا تزال تعاني من ضعف الاهتمام داخل أوطانها
شَهِدَت فعاليات الدورة السادسة والعشرين من المهرجان الدولي للسينما الأفريقية بخريبكة المنعقدة حاليا، توزيع كتاب “خريبكة قلعة السينما الأفريقية” للكاتب والباحث عبدالعزيز ثلاث، باعتباره إصدارًا يوثق لمسار واحد من أعرق المواعيد السينمائية بالقارة السمراء.
جاء تقديم هذا العمل الثقافي في سياق الاحتفاء بتاريخ المهرجان ودوره في دعم السينما الأفريقية وإبراز إبداعاتها على امتداد ما يقارب نصف قرن.
وكان مؤلف الكتاب أجرى منذ فترة حوارا مع صحيفة “العرب”، تطرق من خلاله إلى واقع السينما الأفريقية، وإشكالات الإنتاج والتوزيع، ومكانة مهرجان خريبكة في المشهد السينمائي الأفريقي والدولي، إضافة إلى ظروف إنجاز الكتاب وأهدافه التوثيقية والثقافية.
والكتاب عمل توثيقي وفكري يرصد مسار السينما الأفريقية وتحدياتها عبر عقود طويلة، كما يتناول الدور الريادي الذي اضطلع به مهرجان خريبكة في دعم الإنتاج السينمائي بالقارة السمراء وتعزيز حضوره الثقافي والفني. ويسعى هذا الإصدار إلى إبراز مختلف الإشكالات التي تعترض تطور السينما الأفريقية، مع التركيز على التحولات التي شهدها المجال السمعي البصري في ظل العولمة والثورة الرقمية.
عمل يرصد مسار السينما الأفريقية وتحدياتها والدور الريادي الذي اضطلع به مهرجان خريبكة في دعم الإنتاج السينمائي بالقارة
ويُبرز المؤلف أن السينما الأفريقية تواجه صعوبات متراكمة ترتبط أساسًا بضعف حضورها داخل مجتمعاتها الأصلية، إذ أصبح المتلقي الأفريقي أكثر ارتباطًا بالإنتاج الأجنبي الذي يهيمن على الفضاء الإعلامي والثقافي. ويرى أن هذا الوضع ساهم في تشكيل مخيال جماعي متأثر بالصور والقصص القادمة من خارج القارة، الأمر الذي أدى إلى تراجع الاهتمام بالفيلم الأفريقي رغم ارتباطه المباشر بقضايا الإنسان الأفريقي وواقعه الاجتماعي والثقافي.
ويُوضح الباحث أن خضوع الصناعة السينمائية لقواعد السوق العالمية جعل الإنتاجات الضخمة القادمة من الخارج تستحوذ على اهتمام الجمهور، مستفيدة من إمكانات مالية وتسويقية هائلة. وفي المقابل تجد الأفلام الأفريقية نفسها في مواجهة منافسة غير متكافئة تحد من قدرتها على الوصول إلى المشاهدين. ويستحضر في هذا السياق التحذيرات التي أطلقتها المهرجانات والأندية السينمائية منذ سنوات، والتي أكدت أن التخلي عن حماية المجال الإعلامي الوطني يفتح المجال أمام الآخرين لفرض رؤيتهم وصورهم وتمثلاتهم الثقافية.
ويستعرض ثلاث المحاولات التي قامت بها مجموعة من الدول الأفريقية خلال مرحلة ما بعد الاستقلال من أجل بناء صناعة سينمائية وطنية قادرة على التعبير عن تطلعات شعوبها. ويشير إلى أن العديد من الحكومات سعت خلال ستينات القرن الماضي إلى اعتماد سياسات التأميم وفرض نظام الحصص أو ما يعرف بـ”الكوطا”، بهدف ضمان حضور الإنتاج الوطني داخل القاعات ودور العرض. غير أن هذه الجهود اصطدمت بعقبات متعددة، من أبرزها استمرار النفوذ الأجنبي داخل قطاع التوزيع وهيمنة الشركات الغربية على أسواق العرض السينمائي.
ويدعو المؤلف المسؤولين وصناع القرار في القارة الأفريقية إلى الاستثمار بشكل أكبر في مجالات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، باعتبارها أدوات فعالة لترسيخ الهوية الثقافية وتعزيز الوعي الجماعي. ويؤكد أن دعم الإنتاج المحلي لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى بناء علاقة متوازنة بين الإنسان الأفريقي وصورته في وسائل الإعلام، بما يتيح تقديم نماذج أكثر قربا من الواقع وأكثر تعبيرا عن خصوصيات المجتمعات الأفريقية.
ويُقارن الكاتب بين السينما الفكرية والسينما التجارية، موضحًا أن بعض التجارب التي حققت انتشارًا واسعًا، مثل التجربة النيجيرية أو البدايات الأولى للفيلم المغربي الناطق بالأمازيغية خلال تسعينات القرن الماضي، تنتمي في الغالب إلى الإنتاجات ذات الطابع الاستهلاكي. ويرى أن هذه الأعمال، رغم أهميتها في توسيع قاعدة الجمهور، تختلف عن السينما الفكرية التي تهدف إلى إثارة التساؤلات العميقة ومناقشة القضايا الإنسانية والاجتماعية والفلسفية.
ويؤكد أن الفيلم السينمائي الحقيقي لا يقتصر على الترفيه أو تحقيق الأرباح، بل يسعى إلى تحفيز التفكير النقدي ومراجعة الأفكار الجاهزة والصور النمطية السائدة. ومن هذا المنطلق يشدد على ضرورة تضافر جهود مختلف الفاعلين الثقافيين والتربويين، بما في ذلك المؤسسات التعليمية والجمعيات المدنية والأندية السينمائية والمهرجانات، من أجل تكوين جمهور واعٍ وقادر على التفاعل مع الأعمال السينمائية ذات القيمة الفنية والفكرية.
ويُشير صاحب الكتاب إلى أن السينما الأفريقية نشأت في ظروف معقدة اتسمت بضعف الإمكانات وقلة الموارد المالية والتقنية. وعلى الرغم من التطورات التي عرفتها القارة خلال العقود الماضية، فإن هذا القطاع لا يزال يعاني من محدودية الدعم في عدد من الدول الأفريقية، الأمر الذي يدفع العديد من المخرجين والمنتجين إلى البحث عن مصادر تمويل خارجية لإنجاز مشاريعهم الفنية.
ويُسجل الباحث أن صناديق الدعم الأوروبية، وخاصة الفرنسية منها، لعبت دورًا محوريًا في تمويل العديد من الأفلام الأفريقية خلال العقود الماضية، مستفيدة من الروابط التاريخية والثقافية التي تربط بعض الدول الأفريقية بفرنسا. كما ساهمت دول أوروبية أخرى، مثل ألمانيا وبلجيكا، في توفير موارد مالية مهمة لدعم الإنتاج السينمائي في القارة. غير أن هذه الموارد شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال العقدين الأخيرين، مما أثر سلبًا على حجم الإنتاجات السينمائية وجودتها.
ويُشدد عبدالعزيز ثلاث على الأهمية التاريخية للمهرجانات السينمائية في دعم الإنتاج الأفريقي والتعريف به. ويعتبر مهرجان خريبكة للسينما الأفريقية نموذجًا رائدًا في هذا المجال منذ انطلاقه سنة 1977، حيث أسهم في خلق فضاء للحوار والتبادل الثقافي بين السينمائيين الأفارقة، وفتح آفاقًا واسعة أمام الأعمال التي ظلت بعيدة عن دوائر التوزيع والتغطية الإعلامية.
وكشف المؤلف أن فكرة تأليف كتاب “خريبكة قلعة السينما الأفريقية” تعود إلى سنة 1994، عندما شرع في جمع الوثائق والشهادات المتعلقة بتاريخ المهرجان، غير أن المشروع عرف تأخيرًا بسبب تحديات تنظيمية ومادية رافقته لسنوات طويلة. ومع استمرار الدورات وتراكم الأرشيف والوثائق، اتسعت المادة العلمية للكتاب إلى أن صدر أخيرًا في مايو 2026.
ويُعرب الكاتب عن أمله في أن يشكل هذا الإصدار مرجعًا للباحثين والمهتمين بالسينما الأفريقية، وأن يساهم في حفظ ذاكرة مهرجان خريبكة باعتباره أحد أبرز المنابر الثقافية التي دافعت عن حضور الصورة الأفريقية، وعملت على ترسيخ مكانة السينما كوسيلة للتعبير عن هوية القارة وتطلعات شعوبها.