عبدالرحمن وابيري كاتب من أصل جيبوتي نجح في فرض اسمه في أوروبا
يعتبر الروائي والقاص الفرنسي من أصل جيبوتي عبدالرحمن أ. وابيري واحدا من أهم الأسماء الأدبية الفرانكوفونية، ولكنه في المقابل من التجارب التي اختارت لنفسها مسارات أخرى في مقاربتها للقضايا الإنسانية، وعلى رأسها الهوية والاستعمار وهواجس الأفارقة، في تمش قد يوافقه البعض وقد يرفضونه.
تمثل أعمال الروائي والقاص الفرنسي من أصل جيبوتي عبدالرحمن أ. وابيري حالة أدبية فريدة في المشهد الثقافي الفرنكفوني، إذ تستند إلى مرجعيات متشابكة تجمع بين العمق الأفريقي، الحس الجيبوتي المحلي، والانغماس الواعي في فضاء الثقافة الفرنسية الحديثة. غير أن الملاحظ بدقة في إنتاجه، هو غياب شبه تام للمرجعيات العربية الإسلامية كمكون ثقافي محوري، رغم انتمائه الجغرافي والثقافي لبلد عربي مسلم، هو جيبوتي.
يحظى وابيري بتقدير كبير في الأوساط الفرنسية، حيث تُدرَّس أعماله في بعض المدارس والجامعات، وحاز جوائز متعددة منها “جائزة الأدب الفرنكفوني” من الأكاديمية الفرنسية. وقد شارك في لجان تحرير ثقافية، ومارس التعليم في عدد من المؤسسات الفرنسية والأميركية، منها جامعة جورج واشنطن حيث يُدرّس الأدب الفرنسي والكتابة الإبداعية.
الفرنكفونية والهوية
من أبرز دعواته الفكرية الدعوة إلى إعادة النظر في مركزية الثقافة الفرنسية وفتحها لتشمل الأصوات القادمة من الجنوب، خصوصًا الكتّاب الفرنكوفونيين من أفريقيا. يُطالب وابيري بجعل اللغة الفرنسية “لغة كونية” لا ترتبط بهيمنة ثقافية، بل تُستخدم كأداة للتبادل والتفاعل بين الثقافات، دون تمييز أو وصاية. وفي هذا السياق، يهاجم التمييز البنيوي الذي يُقصي الكتّاب الفرنكوفونيين من الاعتراف الكامل داخل النسيج الثقافي الفرنسي.
تُبرز أعمال وابيري حساسية شديدة تجاه قضايا الهوية، المنفى، الذاكرة، والسلطة. ويُوظّف في كتاباته أسلوبًا يجمع بين الشاعرية والتهكم، يتنقل فيه بين الواقعي والمتخيل، ويُعيد كتابة التاريخ من منظور من هم في “الهامش”. بذلك، يتجلى وابيري كمثقف كوني يتكئ على جذوره الجيبوتية، لكنه يعيد رسم الخرائط الثقافية للغة الفرنسية، ويطالب بإنصاف كتّابها من خارج فرنسا.
في نصوصه القصصية والروائية، لا يتجلى الأدب العربي الكلاسيكي أو الموروث الإسلامي كرافد جوهري في تشكيل رؤيته للعالم أو في بناء نصوصه. لا نجد إحالات صريحة إلى القرآن، ولا تردد لأصوات المتنبي أو المعري أو الجاحظ كما هو الحال لدى كتاب عرب من شمال أفريقيا مثلاً. كذلك، لا يظهر التصوف الإسلامي أو التراث الفقهي كمساحات تأمل أو كأرضية رمزية في السرد، إلا في إشارات نادرة وعابرة لا تستدعي التأويل العقائدي أو التاريخي.
قد يُفهم هذا الخيار بوصفه انزياحًا واعيًا نحو مسار ثقافي مختلف، لا ينكر خلفياته الجغرافية أو الدينية، ولكنه لا يُعلي من شأنها بوصفها محددًا هوياتيًا. يبدو وابيري أقرب إلى مشاريع الأدب “العالمي” المكتوب بالفرنسية، المتأثر بالفكر الغربي، والفلسفة الحداثية، وكتابات الهامش، التي تتلاقى فيها أصوات أمثال إدوارد سعيد، جاك دريدا، وأميلكار كابرال أكثر من أصوات التراث العربي الكلاسيكي.
كما تتجلى في أعماله مرجعية أفريقية واضحة، تتشابك فيها ذاكرة القارة، إرث الاستعمار، أثر التهجير والمنفى، وتفاصيل اليوميات القاسية لحياة السكان الأصليين في جيبوتي والقرن الأفريقي. وهو، وإن كان لا يعبّر عن معاداة صريحة للدين أو للثقافة العربية، يكتفي بتوظيف هذه المكونات بشكل عابر، كأنها خلفية بعيدة لا مركزية، لا تستدعي الوقوف عندها كثيرًا.
في المقابل، يُبدي الكاتب اهتمامًا مركزيًا بتوسيع حضور اللغة الفرنسية كلغة عالمية متعددة الجذور، والدعوة لدمج الكتاب الفرنكوفونيين ضمن النسيج الثقافي الفرنسي دون تمييز. ويبدو أن هذا التوجه قد منحه أفقًا دوليًا رحبًا، لاسيما وأن كتبه تُرجمت إلى لغات عدة، بينها الإنجليزية، في حين لم يظهر حتى الآن اهتمام فعلي بترجمة أعماله إلى العربية.
باختصار، فإن عبدالرحمن وابيري لا يظهر عداءً للثقافة العربية أو الإسلامية، بل يكتفي بتموضع مغاير، اختار فيه أن يبني مشروعه الأدبي على أساس الهوية الجيبوتية، والفرنكفونية النقدية، والانتماء الإنساني الواسع، دون أن يلتزم بإعادة إنتاج الانتماءات الثقافية التقليدية أو الدينية في نصوصه.
الاستعمار رمزية خافتة

يتّسم موقف وأبيري من الاستعمار الفرنسي والأوروبي للقارة الأفريقية بقدرٍ كبير من النعومة والرمزية الخافتة. لا يتورط الكاتب في فضح مباشر أو تحليل عميق لممارسات الاستعمار، من مذابح واستعباد وتهجير ونهب منظم لثروات القارة، كما فعل كتّاب كبار في الأدب الأفريقي ما بعد الكولونيالي.
إن تعاطيه مع الاستعمار أقرب إلى التلميح والتورية، دون أن يمثّل هذا الموضوع محورًا دراميًا أو سرديًا في مشروعه الأدبي. فحتى حين يتناول قضايا المنفى والهوية والانتماء، فإنه يجنح إلى الأسلوب المجازي، واللغة الشعرية، والرؤية الفردانية، متجنبًا إلى حدّ بعيد السرديات الصدامية مع الغرب أو مؤسساته.
هذا الموقف “المرن” و”المهذب” جعله محل إعجاب وتقدير المؤسسات الثقافية والسياسية الفرنسية والأوروبية، فتم ترشيحه لجوائز مرموقة، وحظي بحضور إعلامي وأكاديمي لافت، كما تُرجمت أعماله إلى لغات عدة، خصوصًا الإنجليزية، وتُقدَّم كتجربة فرنكوفونية “منفتحة” و”عالمية”.
في المقابل، هناك أصوات أفريقية عظيمة في الإبداع، لم تحظَ بالاحتفاء نفسه، فقط لأنها تمسكت بمواقف حادة إلى جانب شعوبها. يمكن الإشارة إلى أمثال إيمي سيزير، صاحب “خطاب عن الاستعمار” الذي كشف الوجه البشع للحداثة الغربية، أو تشينوا أتشيبي الذي عرّى الاستعمار البريطاني ثقافيًا في روايته “الأشياء تتداعى”، ونغوجي واثيونغو الذي اختار الكتابة بلغته الكينيوية المحلية ورفض الفرنسية والإنجليزية كميراث استعماري. هناك أيضًا كين سارو ويوا، الكاتب والناشط البيئي النيجيري الذي أُعدم بسبب مواقفه ضد شركات النفط الغربية في دلتا النيجر. هؤلاء وغيرهم اختاروا المجابهة، فدفعوا أثمانًا فادحة من تهميش، نفي، أو حتى القتل، مقابل وفائهم لقضاياهم.
إن النظام العالمي الثقافي لا ينفصل عن منطق الهيمنة السياسية والاقتصادية. وإن كان يفتح أبوابه أمام الأصوات الناقدة، فهو غالبًا يفضّل الأصوات “المهذبة”، التي تحقّق التوازن المطلوب بين “النقد المقبول” و”الاحتواء الرمزي”. وفي هذا السياق، يُفهم احتفاء فرنسا وأوروبا بعبدالرحمن وابيري، لا كرفض له، بل كتكريس لصوتٍ يستطيع تمثيل أفريقيا دون أن يُربك السرديات الغربية المريحة.
يتخذ عبدالرحمن وأبيري موقفًا ناقدًا بوضوح تجاه النظام السياسي في جيبوتي، مركّزًا على مظاهر الفساد والاستبداد، وعلى غياب الحريات وتدهور الأوضاع الاجتماعية. في أعماله، يظهر صوت المثقف الغاضب من السلطة، والداعي إلى بناء مشروع وطني قائم على العدالة والتنمية والكرامة، في ظل هوية جيبوتية مستقلة تنفتح على العمق الثقافي الأفريقي، وتتفاعل إيجابيًا مع اللغة الفرنسية والحداثة العالمية. إنه يقدّم جيبوتي بوصفها “أمة منسية”، تحتاج إلى استعادة صوتها وتحرير مجتمعها من قيود الفقر والقمع والجمود.
لكن اللافت أنه رغم هذا الموقف الناقد بجرأة للسلطة المحلية، يتجنب الخوض في مسألة وجود قواعد عسكرية أجنبية على أرض بلاده، وهي واحدة من أبرز القضايا السيادية التي تُثير الجدل في المنطقة. لا يثير أسئلة عن الهيمنة العسكرية الغربية، ولا يقدم قراءة نقدية للوظيفة الجيوسياسية التي تلعبها جيبوتي في منظومة الأمن الدولية.
كما أنه لا يظهر اهتمامًا عميقًا بالهوية العربية للبلاد، ولا ينتقد ضعفها أو تراجعها، بل نادرًا ما يشير إليها في كتاباته. هذا الغياب يبرز توجهه الواضح نحو التأصيل لهوية ثقافية فرنكوفونية – أفريقية، تتجنب الاصطدام مع القوى الغربية الكبرى، وتكتفي بنقد الداخل دون مساءلة الخارج.
تقنيات سرد متعددة

تميّز عبدالرحمن وابيري منذ بداياته في تسعينات القرن العشرين بموهبة سردية تتجلّى أولًا في القصة القصيرة، التي وفرت له مساحة مكثفة لتجريب اللغة وبناء العوالم، قبل أن ينتقل بسلاسة إلى الرواية. مجموعتاه القصصيتان “Le pays sans ombre” (1994)، (1996) “Cahier nomade” تمثلان مختبرًا سرديًا مبكرًا، بل حجر الأساس الذي ارتكزت عليه تجربته الروائية لاحقًا. في القصص، نجح وأبيري في استخدام تقنيات متعددة مثل التقطيع المشهدي، والانتقالات الزمنية، والمونولوج الداخلي، والراوي المتعدد، مما منح نصوصه عمقًا فنيًا، ودفقًا شعريًا واضحًا.
يبرع وأبيري في رسم الشخصيات بوصفها رموزًا إنسانية تنبثق من الهامش، وغالبًا ما تكون مشروخة، قلقة، منفية داخليًا أو فعليًا. لا يبحث عن البطولة الكلاسيكية، بل يلتقط لحظات الهشاشة، والتصدّع، والانكسار داخل الفرد الجيبوتي أو الأفريقي في وجه الحداثة المبتورة أو الاستبداد المزمن أو التشظي الثقافي. هذه الشخصيات تنطق غالبًا بصوت مزدوج: صوت فردي حميم، وصوت جمعي يُمثّل معاناة شعب بأكمله.
المكان في قصصه ليس مجرد خلفية، بل يتجاوز ذلك ليصير كائنًا نابضًا، محمولًا على التوتر والرمز. سواء أكان حارة فقيرة في جيبوتي، أو ساحة انتظار رمزية في المنفى، فالمكان لديه دائم القلق، متشظ، وكأنه يئن تحت ثقل التاريخ والاستعمار والفقد. وهذا يُكسبه طابعًا شبه شعري، مستخدمًا أوصافًا مكثفة تتراوح بين الواقعية الدقيقة والتأمل التجريدي.
أما الزمن، فهو غير خطي في معظم قصصه، إذ تتداخل الأزمنة بين الماضي الاستعماري، والحاضر القاسي، والمستقبل الغامض. يستخدم الذاكرة كأداة سردية تقفز بين طبقات الوعي، وتعيد تفكيك الزمن وفق إيقاع داخلي يحدده السرد لا التاريخ.
في ما يتعلق بالحوار، فهو مقتصد، موجز، ومشحون بالإيحاء. يتجنب المباشرة، ويميل إلى الرمزية والاختزال، بما يجعل من كل جملة محمّلة بمعنى يتجاوز ظاهرها. الحوار في نصوصه لا يهدف إلى التفسير، بل إلى تعميق الشعور بالتوتر، وكشف هشاشة العلاقات الإنسانية.
باختصار، تشكّل القصة القصيرة لدى وأبيري نواة لمشروعه الأدبي، فهي فضاء لتكثيف رؤيته، وتجريب لغته، وصياغة أدواته الفنية التي مكنته لاحقًا من بناء عالم روائي أكثر اتساعًا وتعقيدًا، دون أن يفقد الحس الشعري، والتوتر الأخلاقي، الذي يميّز سردياته القصيرة والممتدة على حد سواء.
المنفى والانتماء
يرى عدد من النقاد أن سرديات عبدالرحمن وابيري تنبع من توتر مزدوج: بين المنفى والانتماء، وبين الحنين والتشظي. فهو كاتب منفي جسديًا منذ سنوات مبكرة، لكنه ظل مشدودًا إلى أرضه الأم، جيبوتي، بوصفها ذاكرة وجرحًا في آن. في قصصه، تُستدعى الأرض البعيدة لا كفردوس مفقود، بل كمساحة ملتهبة، قاحلة، تنضح بشمس قاسية وتربة بركانية، تفيض بالتناقض: قسوة الجغرافيا، ودفء الارتباط الوجداني.
ينظر بعض النقاد إلى عنصر البداوة في كتاباته بوصفه رمزًا لهوية غير خاضعة، متحركة، ومعقدة. البداوة ليست مجرد نمط عيش، بل تمثل بنية ذهنية وسردية تُقاوم التمركز، وتُجذر الإنسان في أرضه دون أن تُقيده. البداوة هنا ليست تمجيدًا رومانسيًا، بل استدعاء لتقاليد التنقل، والشفوية، والهوية الهاربة من قوالب الدول الحديثة والحدود المصطنعة.
أما فرنسا، فهي ليست فقط فضاء لكتابة المنفى، بل أيضًا بلد يملك البنية الثقافية التي سمحت لوابيري بتطوير أدواته الكتابية، والتعبير عن ذاته في حقل أدبي فرنكفوني واسع، ولو من موقع الهامش. ومع ذلك، يُلاحظ النقاد أن ثنائية الأرض والمنفى في نصوصه لا تُحسم لصالح أي منهما، بل تظل علاقة قلقة: حيث المنفى يتيح الكتابة، لكنه لا يمنح الطمأنينة، وحيث الوطن يثير الحنين، لكنه موصول بالخذلان، والجفاف، والخراب.
في المحصلة، فإن هذه المفارقات تُشكّل نسيجًا سرديًا كثيفًا تتردد فيه أصداء الحنين، دون أن تنزلق إلى الحنينية الساذجة، وتستدعى فيه الأرض لا كذكرى محضة، بل كمعضلة هوية وسؤال وجود.
الكتابة من الجرح

يرى عبدالرحمن وابيري أن الكتابة فعل استدعاء للذاكرة، ومقاومة للنسيان، ومساءلة دائمة للهوية في زمن المنفى والشتات. يؤكد أن تجربته الإبداعية مشروطة بالاقتلاع الجغرافي والتاريخي، لكنه لا يتعامل مع المنفى كخسارة فقط، بل كفرصة لتوسيع الأفق، والتفكير من تخوم اللغة والهوية. يُعرف تجربته بأنها سرد متعدد الطبقات، يعيد تشكيل الذات والآخر، من خلال تقاطعات بين الواقعي والمتخيل، بين السياسي والشعري، بين أفريقيا والغرب.
يقول عن أسلوبه إنه قائم على “الكتابة من الجرح”، على حد تعبيره، حيث لا تسعى اللغة إلى التجميل، بل إلى تسمية الفقد، وتحويل الألم إلى أثر إنساني قابل للتداول. ويرى أن الكلمات، رغم هشاشتها، تظل أداة ضرورية لإبقاء الأمل حيًا، خاصة حين يتناول وقائع مثل الإبادة الجماعية في رواندا، التي كتب عنها بوصفها تجربة هزت كيانه، وغيرت من وعيه السياسي والجمالي.
ويؤكد أن الأدب ينبغي أن يكون جسراً بين الضفتين: بين الذاكرة والتاريخ، بين الهامش والمركز، بين الجنوب والشمال. يستلهم رمزية طائر “سانكوفا” في الفلسفة الغانية – ذاك الذي ينظر إلى الوراء وهو يتقدم – ليعبّر عن رؤيته لضرورة استحضار الماضي دون الارتهان له، من أجل تصور مستقبل أفريقي يستمد عمقه من الجذور لا من صور الهيمنة الغربية.
في نهاية المطاف، في حوارات كثيرة يثبت أن فلسفته الأدبية مشدودة إلى أسئلة العدالة والكرامة، وأن الكتابة، في نظره، ليست ترفًا بل التزامًا أخلاقيًا تجاه البشر، وتجاه التاريخ، وتجاه تلك “الأرض التي تشبه الجحيم”، كما وصف جيبوتي ذات مرة، لكنها تظل، رغم قسوتها، مصدر الحنين والانتماء، والشرارة الأولى لفعل الكتابة.
الاحتفاء الغربي والغياب العربي

رغم الحضور اللافت لعبدالرحمن وابيري في المشهدين الأدبيين الفرنسي والعالمي، فإن هناك ملاحظة تستحق الوقوف عندها تتعلق بكيفية تلقي تجربته عربياً. يُذكر اسمه أحيانًا في تقارير صحفية أو مقالات أدبية عربية تفتقر إلى عمق البحث أو الدقة، وتلجأ إلى أوصاف انطباعية لا تستند إلى قراءة حقيقية لمنجزه الأدبي. فبعضها تربطه جزافًا بالثقافة العربية أو تُعدّ الإسلام مرجعية مركزية في كتاباته، في حين أن ما عرضناه من أعماله وتحليل لمضامينها وأدواتها لا يدعم هذه الاستنتاجات. تلك أوصاف تبدو أقرب إلى إسقاطات سريعة على كاتب يحمل اسما عربيا، لا أكثر.
واللافت أيضا أن كتبه لم تُترجم إلى العربية حتى الآن، ولا يبدو أن الكاتب قد أبدى رغبة أو اهتمامًا بحضور فعّال في المشهد الثقافي العربي. لا يشارك في الندوات أو اللقاءات الأدبية العربية، ولا يتفاعل مع القراء العرب، مما يوحي بخيار واع للابتعاد أو الاكتفاء بموقعه داخل الثقافة الفرانكفونية والناطقين بالإنجليزية، حيث يحظى بالاحتفاء، النشر، والحوار النقدي. وكأن هذا الامتداد الفرنسي – الأميركي يغنيه عن الدخول في دوائر الاهتمام العربي أو الإسلامي، وهو خيار مشروع لأي كاتب في عالم متعدد اللغات والهويات.
ومن المهم التذكير هنا بأن لكل كاتب حرية خياراته الثقافية والجغرافية، وأن هناك عبقريات أدبية عالمية كُبرى في آسيا، وأميركا اللاتينية، وأفريقيا، لم تُترجم إلى العربية ولا يعرفها القارئ العربي إلا من خلال لغات وسيطة، كالإنجليزية أو الفرنسية. ليس من الإنصاف، إذن، أن يُحمّل الكاتب مسؤولية غيابه عن التلقي العربي وحده، بقدر ما يسلّط ذلك الضوء على هشاشة المشهد النقدي العربي نفسه.
كما أن المؤسسات النقدية العربية تُعاني في الكثير من الأحيان من ضعف التوثيق، ومن محدودية في المتابعة الجادة للأدب العالمي خارج ما يُترجم تلقائيًا إلى العربية أو ما يُستدعى وفق أجندات إعلامية سطحية. فغياب الترجمة، وندرة الدراسات المكرّسة لأدباء غير عرب رغم أهميتهم، يكشف أزمة أعمق في أولويات القراءة، في فوضى التقييم، وفي غياب رؤية إستراتيجية للاهتمام بالأدب كأداة لفهم العالم وتوسيع أفق القارئ العربي.
من هنا، فإن عبدالرحمن وأبيري ليس استثناءً، بل نموذج لحالة أشمل تستحق أن تُناقش ضمن نقد الثقافة العربية لنفسها، لا في لوم من اختار طرقًا أخرى للإبداع والتأثير.
وُلد عبدالرحمن أ. وابيري عام 1965 في مدينة جيبوتي، خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، وشهد مع استقلال بلده عام 1977 تحوّلات سياسية وثقافية مبكرة كان لها بالغ الأثر في تشكيل وعيه الكتابي. يُعد وابيري اليوم من أبرز كتّاب ما بعد الاستعمار في الفضاء الفرنكفوني، حيث تتوزع كتاباته بين الرواية، القصة القصيرة، الشعر، المقالات، والحوارات الأدبية، وقد نالت أعماله تقديرًا واسعًا في فرنسا وفي المحافل الدولية.
يقلب وابيري الموازين بتصور أفريقيا قوية ومزدهرة مقابل “غرب متخلف”، وهي مقاربة نقدية ساخرة تكشف عن هشاشة الخطاب الكولونيالي الأوروبي. كما أن مشاركته في مشروع Moisson de crâne (2000) حول الإبادة الجماعية في رواندا، تُظهر انخراطه في قضايا الذاكرة الإنسانية والعدالة التاريخية.