ظافر يوسف موسيقي تونسي عالمي دوّن سيرته بالعود

فنان تجاوز المحلية جاعلا من الألم لغة للأمل الإنساني المشترك.
الثلاثاء 2026/07/14
فنان حساس للتفاصيل والمعاني الكامنة خلف الأصوات

ليس من السهل اختزال تجربة الفنان التونسي ظافر يوسف في صورة عازف عود أو مغنٍ ذي صوت متفرد يصدح عاليا بمشاعر الألم والأمل في آن واحد، فمسيرته منذ بداياتها قامت على فكرة العبور: العبور من المقام العربي إلى فضاءات الجاز ومن التراث الصوفي إلى التجريب الموسيقي المعاصر، ومن التجربة الشخصية إلى أسئلة إنسانية أوسع. لذلك جاء مشروعه الجديد "شيراز"، الذي قدّمه على ركح مهرجان الحمامات الدولي في سهرة 12 يوليو الجاري، امتدادا لمسار طويل من البحث لكنه حمل هذه المرة خصوصية مختلفة، ذلك لأنه انطلق من مساحة داخلية وشخصية.

يقول ظافر يوسف إن هذا العمل ولد من تجربة صعبة عاشها خلال السنوات الأخيرة مع عائلته، وإن الموسيقى كانت الوسيلة التي ساعدته على عبور تلك المرحلة واستعادة توازنه. فبالنسبة إليه، لا تنشأ الموسيقى من الفراغ وإنما من التجربة ومن التحولات التي تترك أثرها في الإنسان.

من هذا المنطلق، كان "شيراز" محاولة لتحويل الألم إلى مساحة للتعبير وتحويل الذاكرة الشخصية إلى خطاب يمكن أن يلامس تجارب الآخرين، لا مجرد مقاطع موسيقية فحسب.

يحمل الألبوم اسم زوجته المخرجة شيراز فرادي، التي كانت مصدر إلهام هذا المشروع. ويؤكد ظافر يوسف أن العمل هو إهداء إليها، لكنه يتجاوز حدود الإهداء الخاص ليصل إلى كل شخص يمر بفترة صعبة أو يشعر بأن الأفق قد ضاق أمامه.

فالتجربة التي عاشها إلى جانب زوجته، كما يروي، جعلته أكثر وعيا بأن الألم ليس تجربة فردية معزولة وأن كثيرا من الناس يواجهون اختبارات قاسية في حياتهم، وأن الفن يمكن أن يكون إحدى الوسائل التي تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار.

ولا يرى ظافر الموسيقى باعتبارها مجرد بناء جمالي أو تمرينا تقنيا، فهو يصفها بأنها حالة من الانتشاء والتحليق، فضاء يتحرر فيه الإنسان من ثقل الواقع ويجد لنفسه مكانا "بين السماء والأرض". وربما يفسر هذا التصور طبيعة أعماله التي لطالما جمعت بين الروحانية والحداثة وكذلك بين البحث الصوتي والرغبة في ملامسة ما يتجاوز اللغة المباشرة.

من الأعراس إلى العالمية

ظافر يوسف في مهرجان الحمامات

ولد ظافر يوسف سنة 1967 بمدينة طبلبة في ولاية المنستير، حيث بدأ علاقته بالموسيقى في سن مبكرة حين كان يغني في حفلات الأعراس في مسقط رأسه. وهناك اكتشف المحيطون به خصوصية صوته، قبل أن تفتح له إذاعة المنستير أبواب الظهور الأول. كانت تلك المرحلة الأولى في تكوين فنان سيظل لاحقا منشغلا بالسؤال حول حدود الصوت وإمكاناته.

غير أن التحول الأبرز جاء مع سفره إلى فيينا سنة 1989 لدراسة علم الموسيقى. وفي العاصمة النمساوية، لم يكتف بتلقي المعرفة الأكاديمية، فقد انفتح أيضا على مشهد موسيقي مختلف، وهناك اكتشف الجاز من خلال ارتياده نادي "بورغي آند بيس"، أحد الفضاءات المعروفة في المدينة. كان اللقاء مع الجاز لحظة مفصلية، إذ وجد في هذا اللون الموسيقي مساحة تسمح له بإعادة صياغة علاقته بالعود والصوت والارتجال.

لم يكن توجهه نحو الجاز تخليا عن جذوره العربية، فقد كان أيضا بحثا عن حوار بين عوالم مختلفة. فالموسيقى التي صنعها ظافر يوسف ظلت تحمل أثر المقامات العربية والتقاليد الصوفية، لكنها انفتحت في الوقت نفسه على تقنيات الارتجال والهارموني الغربية وعلى تجارب موسيقية متعددة الثقافات.

ومنذ ألبومه الأول، اختار الفنان أن يبني عالما خاصا لا يقوم على الفصل بين الأنماط وإنما على مزجها في نسيج واحد. وقد ظهر هذا التوجه في أعماله المتتالية من "مسافر" سنة 1996، مرورا بـ "إلكتريك صوفي" و"ديفاين شادوز" و"رابسودي أبو نواس"... وصولا إلى أعماله الأحدث مثل "أصوات المرايا" و"شارع المآذن" ثم "شيراز".

العود لغة عالمية

 ما يميز تجربة ظافر يوسف هو أنه لم يتعامل مع العود كآلة مرتبطة فقط بتراث محدد وإنما كوسيلة للتعبير قادرة على الدخول في حوار مع مختلف الأصوات الموسيقية. وفي أعماله، يتحول العود إلى رفيق للبيانو والغيتار والباص والإيقاعات الحديثة من دون أن يفقد خصوصيته الشرقية.

وقد عزز هذا المسار عبر تعاون مع أسماء بارزة في عالم الموسيقى، من بينها هيربي هانكوك وماركوس ميلر وديف هولاند وفيني كوليوتا ونغويان لي وباولو فريسو، وتيغران هاماسيان. وهي تعاونات لا تقوم فقط على لقاء أسماء كبيرة بل على فكرة أساسية في مشروعه هي أن الموسيقى فضاء للحوار بين التجارب والخلفيات المختلفة.

وفي عرضه بمهرجان الحمامات، ظهر هذا الجانب بوضوح، إذ التقت في "شيراز" أنفاس الموسيقى الشرقية مع الجاز والبلوز والموسيقى الكلاسيكية، في بناء يعتمد على الارتجال وعلى المساحات المفتوحة للصوت والآلة. وكانت لحظات الهدوء والتأمل تتجاور مع تصاعدات موسيقية تعكس توترات الإنسان وأسئلته في عالم مضطرب.

ويرى ظافر يوسف أن السنوات الأخيرة غيرت أيضا نظرته إلى الموسيقى، وجعلته أكثر حساسية تجاه التفاصيل والمعاني الكامنة خلف الأصوات. فالتجارب الصعبة، في نظره، لا تترك الإنسان كما كان وإنما تعيد تشكيل علاقته بذاته وبالعالم.

ولهذا يحمل "شيراز" بعدا روحيا خاصا بالنسبة إليه. فهو عمل يعود إليه الفنان بالاستماع أو بالأداء على المسرح ليستعيد الظروف التي رافقت ولادته، لكنه في الوقت نفسه لا يريد له أن يبقى أسيرا لسيرة شخصية بل أن يتحول إلى مساحة يلتقي فيها المستمع مع تجربته الخاصة.

ولعل هذا ما يفسر رسالته إلى الموسيقيين الشباب، حين دعاهم إلى البحث عن أصواتهم الخاصة وعدم محاولة أن يكونوا نسخة من تجارب أخرى. فالفنان، كما يرى، لا يصنع حضوره بتقليد نموذج جاهز وإنما بالعثور على طريقه الخاص لاعتقاده أن لكل تجربة صوتها وظروفها وحكايتها.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود من المسار الفني، يواصل ظافر يوسف النظر إلى الموسيقى باعتبارها رحلة مفتوحة لا نهاية لها. رحلة بدأت من أغاني الأعراس في مدينة تونسية صغيرة ووصلت إلى أكبر المسارح العالمية، لكنها ظلت محتفظة بجوهرها الأول: البحث عن لحظة صادقة يتحول فيها الصوت واللحن إلى لغة مشتركة بين البشر تحتفي بالحب والصمود وتتسع لاختلاف الثقافات.